شعب أوعى من المؤامرة – بقلم : د. عبد العزيز الرنتيسي

الرئيسية » حصاد الفكر » شعب أوعى من المؤامرة – بقلم : د. عبد العزيز الرنتيسي
art-img_hgvkjdsd

يوم اجتاح الصهاينة حي الزيتون بمدينة غزة لم يكتفوا بسفك دماء الأبرياء، ولكنهم قاموا بعملية تخريب كبرى فدمروا البيوت ليتركوا أهلها نهبا للألم والمعاناة تماما كما فعلوا عام 1948.

 

وفجروا ورشا صناعية، وحرقوا عددا كبيرا من المحال التجارية، فتركوا من خلفهم دمارا هائلا، ولقد  توجه بعدها أصحاب المحال التجارية التي دمرت وأحرقت في حي الشجاعية إلى بيت الشيخ أحمد ياسين وكلهم أمل أن يمد لهم يد العون ويقوم بالدور الذي كان ينبغي على السلطة أن تقوم به، وشرحوا للشيخ الكارثة التي حلت بهم وبينوا له حجم معاناتهم.

 

فبادرهم الشيخ مستفسرا : لقد كانت حجة الصهاينة في هدم الورش هي أنها تساهم في صناعة صواريخ القسام التي أقضت مضاجع العدو وأفقدته أمنه، فما هو السبب الذي دفعهم في رأيكم إلى حرق محالكم التجارية؟

 

فقالوا بصوت واحد إنهم يريدون منا أن نركع حتى نقبل بمشاريعهم التصفوية للقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني، فقال لهم الشيخ وماذا تقولون أنتم؟ ما هو موقفكم إذا وأنتم تدركون أهدافهم الخبيثة؟ قالوا والله لو متنا جوعا ما رضينا بالركوع للإملاءات الصهيونية.

 

هذا هو الشعب الفلسطيني بعفويته وأصالته وإرادته، هذه هي صورته الحقيقية التي يدركها أعداؤه من الصهاينة، إنه بكل شموخ يقبل الجوع ولا يقبل الدنية، ويرضى بالموت في سبيل الله ولا يرضى بالعار المتمثل ببيع الوطن، أو السكوت على الاحتلال وجرائمه، وأمام شموخ هذا الشعب بإرادته الفولاذية نرى أن العدو الصهيوني لم يقنط من البحث عمن يطفئ جذوة هذه الإرادة، ويقتل روح المقاومة، فيترك الباب مفتوحا أمام من لا يزال لعابهم يسيل للوصول إلى السلطة ولو على جثة الكرامة.

 

وعلى هذه القاعدة يقبل "شارون" أن تعود اللقاءات الأمنية مع احتفاظه الكامل بأجندته الإرهابية، وكل هدفه أن يجد من بين الفلسطينيين من يقفز على الدماء التي سفكت، ويتجاوز الجراح والآلام والدموع دون أن تؤتي الانتفاضة أكلها، أو تحقق المقاومة غايتها، فيتحقق لشارون ما لم يكن يحلم به، الأمن للاحتلال ومستوطناته على حساب الأمن الفلسطيني والكرامة الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وذلك بعد أن فشلت كل أشكال الإرهاب الشاروني في قهر إرادة الشعب الفلسطيني.

 

ومما يثير علامات استفهام كبرى أن اللقاءات الأمنية السرية مع شارون قد تزامنت مع حملة إعلامية تثبيطية تنفث اليأس وتزرع الإحباط في نفوس الفلسطينيين، يقودها الإعلام الفلسطيني الرسمي وبعض المتنفذين في السلطة، وتعزيزا لهذه الحملة نشط قادة التثبيط بجمع التواقيع من بعض المتضررين من العدوان الصهيوني لتجنيدهم ضد المقاومة، بهدف خلق حالة شعبية وهمية معارضة لاستمرار المقاومة الفلسطينية التي تشكل الأمل الوحيد للشعب الفلسطيني للتخلص من الاحتلال.

 

ومن الملاحظ أن الذين يقودون حملة بث الإحباط والهزيمة هم الذين اتخذوا من القضية الفلسطينية مشروعا ربحيا فامتلأت أرقام حساباتهم في البنوك الأوروبية من أموال الشعب الذي يحمل همَّ القضية والوطن، وهم الذين تآكلت بفعل ممارساتهم مرتبات الموظفين بين فروق أسعار الدولار الوهمية، وبين استقطاعات تحت عناوين مختلفة ليس لها ما يبررها، وبين غلاء متواصل جعل من طبقة الموظفين في قطاع غزة والضفة الغربية طبقة مسحوقة، بل الطبقة الأفقر في العالم.

 

فإذا كان الحصار الصهيوني والتدمير المتعمد للبنية التحتية الاقتصادية للشعب الفلسطيني قد لعب دوراً هاما في تجسيد معاناة الشعب الفلسطيني، فإن الفساد المالي على يد المنتفعين من مشاريع التسوية لعب دوراً أخطر في التضييق على الشعب الفلسطيني، ولكن بالإضافة إلى التضييق المالي بسبب الفساد نرى تضييقا متعمدا يهدف إلى الضغط على الشعب الفلسطيني لتهيئته للاستجابة للحملة الإعلامية الرامية إلى تحطيم معنويات الشعب لتحقيق ما فشلت في تحقيقه طائرات ودبابات وصواريخ الإرهاب الصهيوني.

 

إنَّ من أخطر نتائج هذه الحملات الإعلامية المشوهة للمقاومة الفلسطينية أنها تعطي الصهاينة المبرر الكامل في كل ما يقومون به من إرهاب وتدمير واستباحة للدماء، كما أنها تضفي الشرعية على ممارساتهم العدوانية، بينما تجرد مقاومتنا المشروعة من شرعيتها، وتنزع عنها ثوب الوطنية والقداسة، ومن ثم تضعها في قفص الاتهام.

 

كما أن من شأن هذه الحملات الإعلامية أن تشق الصف الفلسطيني، وتضرب وحدته التي جسدتها الانتفاضة والمقاومة في الصميم، ومن شأنها أن تهيئ الأجواء لصراع فلسطيني فلسطيني لطالما حرص العدو على تحقيقه.

وممَّا لا يمكن تفهمه أن هذه الحملة تأتي في ظل الإعداد الأمريكي لضرب العراق، ولا يخفى على المراقبين الحرص الأمريكي على تهدئة الساحة الفلسطينية لخلق الأجواء الملائمة لتدمير العراق، وهذا يفسر الدعم الأمريكي لدورة شملت المدرسين في التربية والتعليم تهدف إلى تحقيق ما يسمى بثقافة مكافحة العنف، وكذلك لقاءات تعقد مع نظار المدارس تخصص للتقليل من شأن المقاومة وتبهيتها وتقزيمها والاستخفاف بها.

 

ومما يثير الإعجاب بهذا الشعب أنه كان دائما أوعى من المؤامرة، ومن هنا فقد تحولت الحملة ضد المقاومة إلى حملة لصالحها، فموقف المدرسين ونظار المدارس بل والمتضررين من الإرهاب الصهيوني كان موقفا مسؤولاً وواعيا.

 

فانحاز غالبيتهم لصالح المقاومة، خاصة أنهم لم يعودوا يثقون بالذين ينظرون للهزيمة، مما قد يعيد الحسابات من جديد لدى رواد هذه الحملة في جدوى الاستمرار بها، ولا أشك أن ذلك سيدفعهم  للبحث عن أسلوب آخر في التصدي لإرادة الشعب الفلسطيني.

 

وفي تقديري أن أساليب دعاة الإحباط لن تكون أوفر حظا من تلك الأساليب التي ابتكرتها آلة الحقد الأمريكية أو تلك التي أفرزتها العقلية الصهيونية الإرهابية، لذلك ستبقى المقاومة الخيار الوحيد للشعب الفلسطيني، وسيبقى الشعب أوعى من المؤامرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …