مفترق الطُّرق .. قد يلتقي بين الدُّنيا والزُّهد فيها

الرئيسية » بصائر الفكر » مفترق الطُّرق .. قد يلتقي بين الدُّنيا والزُّهد فيها
d985d981d8aad8b1d982d8b7d8b1d982

إنَّ من بين آفاتِ هذا العصر القاتلة انشغالَ الدَّاعية عن أمر دينه ودعوته بأمر دنياه، وتنصيب رزقه نصبَ عينيه، وكأنَّه ليس له في الدُّنيا سواه، أو أنَّ الله ما خلقه إلاَّ لهذا، وكأنَّه غفل أو تغافل عن مهمته الرَّئيسة على هذه الأرض.

 

وإذا عمل لدعوته جعل لها فضولاً من وقته، وفي حال راحته، ويتمزج في عمله الدَّعوي ما بين أن يكون مريحاً، أو أن يكون وقته قليلاً ولا يحتاج لجهد كبير.. فهو طوال نهاره في (وظيفته) أو (متجره)، وهو بين هذه وتلك يقوم بعمله الشَّاق، كي يطعم أولاده وزوجه، وممَّا يزيد الوبال وبالاً أن يبحث أصلاً عن زوجة موظفة فقط لأجل مرتَّبها، لأجل مساعدته على تبعات هذه الحياة الصَّعبة الشَّاقة..نسي هذا المسكينُ أنَّ هذا المال إنَّما يجمعه لغيره، وأنَّه سيُسأل عنه كله، من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟؟

 

ابن عطاء الله السكندري فطن لذلك..

فقال في حكمه المشهورة: اشتغالك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك.
فالرِّزق مضمون، والدَّعوة مطلوبة.. هذه هي المعادلة..

 

وللأسف وكعادة الكثير من المسلمين نقع دوماً بين الإفراط والتَّفريط، فبين معتزل للنَّاس والدنيا ومشتغل بدينه في (صومعته)، أو بين تارك لدينه مشتغل بدنياه.. والإسلام ما جاء إلاَّ لينظِّم مثلَ هذه الأمور، بين الدِّين والحياة، تحت شعار قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، [سورة القصص: 77]

 

الرَّخاء... والفهم السَّقيم هما أصل المشكلة
بعد اتساع الدَّولة الإسلامية في عصر الفتوحات، وخاصة في العصر الأموي الزَّاهر، ذلك العصر الذي كان يمتاز بقربه من معين النبوَّة الصَّافي، وهو خيرُ القرون على الإطلاق، ابتدأ المسلمون ينفتحون على الدُّنيا، وما فيها ويرون كيف هي (دنيا) الرّوم وفارس وغيرها؛ مثل الصين والهند.. فابتدأت بعضُ نفوس المال تميل حيث المال، وابتدؤوا يتَّجهون للتَّجارة وتجميع الأموال وزيادة العمران والبراعة فيه، متمثلين بذلك أنَّ الإسلام ما جاء دين فقر أو عدم، وإنَّما هو ((إنَّ الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))، والمال طالما أنَّه في الحلال، فلا بأس فيه مهما زاد..

 

هنا تأثرت مجموعة من النَّاس الأتقياء الذين اشتهروا بالزُّهد بهذا المشهد المهول من أمامهم، صحيحٌ أنَّهم لم يروا ذلك الانحراف قد طرأ بعد، لكنَّهم رأوا ذلك ببصيرتهم وهو قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم)). وفي رواية: ))فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم((، [صحيح البخاري، رقم:3791، عن عمرو بن عوف].

 

وإلى هنا كلُّ شيءٍ طبيعي، وهكذا هو المجتمع المسلم... لكن يظهر التطرّف من جديد، فالصِّنف الأول ظهر عندهم من بدأ يقصر في فرائض وحقوق الله، وبدأ يتجاوز حدودَ ما حرَّم الله، فضاعَ وأضاع، فزادت أعدادهم، وزيَّن لهم الشَّيطان أعمالهم فظنُّوا أنَّهم هم الرَّابحون..
ونشأ الاتجاه الأكثر خطورة على الإسلام منذ بدايته، (التصوّف السَّلبي) والذي بدوره دعا النَّاس إلى ترك الدُّنيا والتوجّه إلى دور العبادة، وأنَّ المال فتنة، وهو سلاح الشَّيطان، وأنَّ المال مفسدةٌ، وبدأ الفكر يزيد ويشطح، يتركب تركيبات معقَّدة.. فكما أخذ أولئك من العجم أموالهم وحضارتهم، إلاَّ أنَّ المصيبة بهؤلاء الذين أخذوا منهم فلسفتهم وتصوراتهم، وما يسمّونها بـ (الحكمة)..

 

فبدأنا نسمع من يقول: لن يصبح العبد مقرَّباً من ربِّه حتَّى يدور في المزابل كالكلاب...، وغير ذلك ممَّا يأنف إنسانٌ بسيطٌ من ذكره..
بين البحرين... حاجز

 

ودوماً يأتي الإسلام بالوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فلا تغرق ذات اليمين ولا تغرق ذات الشمال، والإسلام جاء يلبِّي جميعَ هذه الحاجات الإنسانية، حاجة التَّديّن والعبادة، وحاجة التملّك والتنعم، كما في الآية سابقة الذّكر..

 

وسطية حنبليَّة

سئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: أيكون أحدُنا معه ألف درهم ويكون زاهداً؟ فقال: نعم، فقالوا: كيف؟ قال: تكون زاهداً؛ إذا زادت فلا تفرح، وإذا نقصت فلا تحزن.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

جدل تصريحات آمنة نصير وقضايا نساء أقلِّيَّاتنا المسلمة المتوارية!

تشهد ساحات الإعلام والإفتاء في مصر والعالم العربي هذه الأيام، ولاسيما منصَّات التواصل الاجتماعي، الكثير …