بديع الزمان سعيد النورسي (الحلقة الثانية)

الرئيسية » بصائر الفكر » بديع الزمان سعيد النورسي (الحلقة الثانية)

شارك في الجهاد في جبهة القفقاس في الحرب العالمية الأولى، وأسره الروس سنتين وأربعة أشهر، وأفلت من الأسر أثناء فوضى الثورة الشيوعية البلشفية سنة 1917، وعاد إلى بلاده فاستقبل استقبال الأبطال من الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام وطلبة العلوم الشرعية، ومنح وسام الحرب

قضى الكثير من أوقاته بين عامي (1923-1925) متعبّداً متأمّلا، ثم نفي إلى بارلا، وألّف فيها معظم رسائله وقضى فيها بين عامي (1926-1934) وقدّم إلى محكمة قضت بسجنه أحد عشر شهراً، بتهمة تأليف رسالة يدعو فيها النساء إلى الحشمة، ثم نفي إلى مدينة قسطموني بين عامي (1936-1944) ثم نفي إلى أميرداغ وسط الأناضول بين عامي (1944-1950) .
طاف الأناضول، وعارض السلطان عبد الحميد، ولم يوافق على حكم (الاتحاد والترقي) وشارك في حرب الاستقلال، وناصر عبد الحميد في مأساته .
زج في السجن لمعارضته العلمانيّة، ومقاومته الانحراف عن مبادئ الإسلام، وإلغاء الشريعة .
قال: إنّ الشريعة الغراء باعتبارها أزليّة قديمة، فإنّها ستبقى إلى الأبد، وأنّ الخلاص والنجاة من ظلم النفس وشرّها، لا يكون إلاّ بالاعتماد على الإسلام، والتمسّك بحبل الله المتين، وقال أيضاً: لو أنّ لي ألف نفس لما تردّدت بفدائها في سبيل حقيقة واحدة، وحكم واحد من أحكام هذه الشريعة، إنّها طريق السعادة، والعدالة، والفضيلة، المحضة . أسّس دعوته الإصلاحيّة التي حرّكت الشعور الديني الذي لم يخمد، وكان من بركتها قيام (حزب السلامة الوطني) و(حزب الرفاه) و(حزب الفضيلة) .
التزم حياة الزهد، ورفض الوظيفة الدينيّة، وقاوم الهزيمة .
التحق بالجيش العثماني برتبة ضابط، وقام بتنظم كتائب الأنصار لمحاربة الروس، وخاض المعارك ضدّهم حتى سقط جريحاً، فأسر وسجن في سيبيريا إلى أن تمكّن من الفرار إلى ألمانيا .
رفض زعامة الحركة الكرديّة، وقال قولته المشهورة: إن كنتم تريدون إرجاع الدولة العثمانيّة فأنا معكم، وإن كنتم تريدون إقامة دولة كرديّة فلا .
وسعى لتوحيد صفوف الأتراك والأكراد معاً، وإحياء الإيمان في نفوسهم كشرطين لجمع الأمّة على أساس الإيمان.
ولدى اتهام الاتحاديّين له بأنّه يعمل على تقويض إنقلابهم، والدعوة إلى عودة العهد الرجعي، أجاب النورسي: إذا كان الانقلاب عبارة عن استبداد جماعة بالحكم، ومخالفة لأحكام الشريعة، فليشهد الإنس والجن بأنّني عامل على تقويضه، وأنّني أوّل رجعي .
وعندما أرسل الاتحاديّون إليه اليهودي (قرهّ صو) لإغرائه بالانضمام إليهم، خرج من عنده يقول: لقد كاد هذا الرجل العجيب أن يدخلني في الإسلام بحديثه .
وكان يرى أنّ السياسة المبنية على المنافع وحش رهيب .
وتجلّت مهمّته التي نذر نفسه من أجلها، في إنقاذ الإيمان من تهديد الزندقة، والإلحاد، والشك، والقلق .
ثبّت أركان الإيمان بالأدلّة الرصينة، وإنشاء جيل مؤمن قادر على المواجهة الفكريّة، والمغريات الماديّة، بما لديه من مقوّمات الصمود ؛ وأوجد علم كلام قرآني، ونقل علم التوحيد من نظريّات فكريّة مجرّدة إلى سلوك وممارسة يوميّة
ولما وجد النورسي أن بعض العلماء الذين لا يحملون أي شرط من شروط الاجتهاد، يسوّغون كل التطوّرات غير الدينيّة التي جرت في تركيا باسم الاجتهاد، رأى أنّ هناك موانع تحول دون فتح باب الاجتهاد في عصره .
وأنّ أي حديث عن الاجتهاد في مثل هذا الجو لا يكون مبنيّاً إلاّ على أسس بعيدة عن الورع والتقوى .
ودعا إلى الأخذ بأسباب الحضارات الصناعيّة، لأنّها من ضرورات إقامة الحياة القويّة .
رأى أنّ الحريّة لا تتحقق ولا تنمو إلاّ بتطبيق أحكام الشريعة، ومراعاة آدابها، وأنه في ظل الاستبداد لا يمكن أن يكون هناك حريّة، وأنّ على طلاب الحريّة أن يموتوا، أو يبقوا في السجون محتمين بالله تعالى قائلين: (حسبنا الله ونعم الوكيل) .
وكان متمسّكا بالحرف العربي، والأذان العربي، والصلاة بلغة القرآن التي حاربها الدونمة والعلمانيّون ؛ مؤمناً بأنّ الإسلام هو السبيل الوحيد لوحدة شعوب الدولة العثمانيّة، رافضاً ادّعاء الطورانيّين بأنّ الأتراك هم أصل الحضارات .
وتعدّ الحركة النورسيّة التي أسّسها من طليعة الحركات الإسلاميّة السنيّة الواسعة الانتشار في البلاد التركيّة
ربّى تلاميذه تربية روحيّة على حبّ العرب، وعشق أهل الإيمان، وكتب لهم: (رسائل النور) حيث قدّم الإسلام شاملاً للكون، والحياة، والإنسان، في أكثر من مائة وثلاثين رسالة بين عامي (1926-1950) باللغة التركيّة، معتمداً على حقائق القرآن الكريم، وإثبات معانيها، وهناك رسائل أخرى في مسائل مستقلة في كتب صغيرة منها: (المدخل إلى عالم النور) و(مفتاح النور) و(المحاكمات) و(سيرة ذاتية)، ورسائل كتبها باللغة العربيّة وهي 15 رسالة أهمها: (المثنوي النوري) و(إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز)، وهناك رسائل أخرى في مسائل إسلاميّة دقيقة، أو في الدعوة لتثبيت تلاميذه، كانت تتداول بين جماعته بسريّة، ثم كشفت وطبع بعضها في مجلد مستقل في 220 صفحة بعنوان(ختم التصديق الغيبي) .
ومن هذه المؤلّفات: (دليل الشباب) و(الاجتهاد في العصر الحاضر) و(قطوف من أزاهير النور) و(محاكمات عقليّة في التفسير والبلاغة) و(المعجزات القرآنيّة) و(مرشد أهل القرآن إلى حقائق الإيمان) و(الإيمان وتكامل الإنسان) و(الإخلاص والأخوّة) و(الشيوخ) و(الشكر) و(المعجزات المحمديّة) .
وهذه المؤلّفات تدل على ثقافة واسعة، وقدرة على هضم المعارف الإنسانيّة في عصره، وقدرة على التأمّل العميق .
وتمثل كتاباته الصراع الفكري في عصره تمثيلاً تاماً، وتضع الأسس الفكريّة لتنشئة جيل مؤمن يعرف كيف يتعامل مع العصر .
قضى أواخر أيّامه معتزلاً في مدينة إسبارطة، وتوفي بأورفا في 27 رمضان 1397 ونقلت الحكومة العسكريّة بعد الانقلاب على الحزب الديمقراطي قبره إلى مكان مجهول، في محاولة منها لإلغاء الذاكرة الدينيّة .

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …