إدارة الذات… مفتاح النجاح للمربي (1)

الرئيسية » بصائر تربوية » إدارة الذات… مفتاح النجاح للمربي (1)
alt
(إنَّ العالم يفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب).. مقولة تتردَّد دائماً لأولئك الذين يبحثون عن النَّجاح في شتى المجالات، فانعدام الرؤية الواضحة، يهدر الوقت والجهد، ومآله دائماً إلى السقوط، وداخل الهيئة التربوية؛ على المربِّي دائماً أن يسلك الدروب الصَّحيحة لينجح في إدارته للمجموعة التي يربِّيها، فنجاحه الشَّخصي في إدارة نفسه أولاً يضمن له قسطاً من النَّجاح، ينعكس بالتأكيد على أفراد المجموعة، ويكون مثلاً يُحتذى به فينقل لهم الخبرات، ويكسبهم العديد من المهارات التي تنتج أفرادًا قادرين على مشاركة فعَّالة داخل المؤسسة التربوية.

والتكوين النَّاجح للمربي له جوانب عديدة؛ منها الجانب العقلي والعلمي والوجداني والإيماني والأخلاقي والاجتماعي، وعلى المسؤول النَّاجح أن يعمل على ترقية كل جانب منها للوصل إلى شخصية جذابة واضحة الرؤية مثقفة تتمتع بالعقلانية، وهو ما يعود بالنفع على أفراد المجموعة.

حسن العقل يغطِّي العيوب
فالعقل هو مناط التكليف عند الإنسان، وبالعقلانية يتحكَّم المربي في سلوكياته وتصرفاته وعواطفه وغرائزه، وبه يأخذ المربِّي مكانه في قيادة وتوجيه الشخصية التي أمامه، فانفعالات المربِّي المسلم لا تخضع للغريزة والهوى، ولكن تحكمها قواعد إسلامية وأحكام لابد من أن ينصرف الهوى إليها لا أن ينصرف عنها،  كما أنَّ العقلانية تقود المربِّي للتعقل في ردود أفعال المتربين، فلا يكون صلبا فيكسر ولا ليِّناً فيعصر، ولكن يدفعه تعقله في قياس مستوى الأفعال، وبه يحسب ردة الفعل تجاه موقف ما أو شخص ما، ولا يكون اندفاعياً، وكما قال لقمان لابنه في القول المأثور: (يا بني، اعلم أنَّ غاية السؤدد والشرف في الدنيا والآخرة حسن العقل، وأنَّ العبد إذا حسن عقله غطَّى ذلك عيوبه وأصلح مساوئه).

كما أنَّ المربي بعقله يستطيع أن يضع الأمور في نصابها، فلا يعطي مسألة أكبر من حجمها، وكذلك لا يصغر المسائل الكبرى أو يهوّنها عند الأفراد، ولكن يزن بميزان العقل ما هو صالح وطالح، وما هو أولى،  وما هو مهم وأهم.

علم وتحصيل
وللمربِّي جانب آخر إذا تميّز فيه وأدار نفسه جيّداً، تميَّز به من بين المربِّين وهو الجانب العلمي والتحصيلي، فلا مربي دون علم ودون قراءة وتحصيل متواصل، لذلك على المربي أن يطلب العلم النافع، فالله تعالى يقول:  {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}.]يوسف:108[. وذهب العديد من العلماء في تفسير البصيرة على أنَّها العلم أو الحكمة، ولذلك لابدَّ أن يسعى المربِّي إلى أن يكون ذا علم نافع يكسبه لأفراد المجموعة التربوية، فيحفظ كتاب الله أو ما تيسّر من كتاب الله عزَّ وجل، ويُعنى بالأحاديث النبوية، وينفتح في قراءاته الفكرية والدعوية والتربوية، لذلك لابدَّ أن يكون له قسط دائم من القراءة، ويستفيد دائماً من ذوي العلم، ومن ذوي التجربة والخبرة، فإذا كان المرء على قدر من العلم سدَّد الله أسهمه ونفع بكلامه مَنْ هم بحاجة لذلك من أفراد مجموعته.

وقد أوجز الإمام عليّ -كرَّم الله وجهه- المربِّي الناجح وكيفية إدارة لشخصيته في قوله: ((فمن علامة أحدهم: أنك ترى له قوَّةً في دين، وحزمًا في لين، وإيمانًا في يقين، وحرصًا في علم، وعلمًا في حلم، وقصدًا في غنى، وخشوعًا في عبادة، وتجمّلاً في فاقة، وصبرًا في شدّة، وطلبًا في حلال، ونشاطًا في هدى، وتحرّجًا عن طمع، يعمل الأعمال الصَّالحة وهو على وجل، يمسي وهمّه الشكر، ويصبح وهمّه الذكر، يبيت حذرًا ويصبح فرحًا؛ حذرًا لما حذر من الغفلة، فرحًا بما أصاب من الفضل والرَّحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرَّة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبًا أمله، قليلاً زللـه، خاشعًا قلبه، قانعة نفسه، منزورًا أكله، سهلاً أمره، حريزًا دينه، ميتة شهوته، مكظومًا غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان في الغافلين، كتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمَّن ظلمه، ويعطي من حَرَمه، ويصل من قطعه، بعيدًا فحشه، لينًا قوله، غائبًا منكره، حاضرًا معروفه، مقبلاً خيره، مدبرًا شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرَّخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب حب الألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق، إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بُغي عليه صبر، حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والنَّاس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه، بُعْده عمَّن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودونه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعد بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة)).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …