د. التكروري: دور المسلم في ظل الانتصار (1)

الرئيسية » بصائر تربوية » د. التكروري: دور المسلم في ظل الانتصار (1)
alt

بصائر- خاص

قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.[ سورة القصص الآيات 3-5].

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات والصَّلاة والسَّلام على سيِّد الخلق محمَّد صلَّى الله عليه وسلّم، رسم لنا طريق العزَّة والنَّجاة، وعلى آله وأصحابه الأطهار الذين حملوا لنا هذا الدِّين وجاهدوا في الله حقّ جهاده حتَّى أتاهم اليقين.

إنَّنا نعيش في هذه الأيام نعمة عظيمة من نعم الله تعالى علينا، ولطالما تمنيناها وكنا نعدّ حصولها في حياتنا من الأحلام، ولكنَّ الله جلَّ شأنه جعل أحلام الأمس حقائق اليوم، ولقد كانت هذه الحقائق بالنسبة لمن وقعت عليهم هواجس وخيال لا يتصوَّرون وصولهم إليها، وإذا بهم اليوم يعيشونها ويعانون ويلات ما كانوا يفرّون منه فكراً إذا خطر ببالهم ويعدّونه من الخيال، وأظن أنَّ مبارك حتَّى بعد أن وقع أمامه زين العابدين بل حتى بعد أن خرج شعب مصر لم يكن يستطيع أن يتصوّر نفسه ليس رئيساً لشعب مصر يتحكم برقابهم ويتصرّف بمصالحهم بما يخدم مصالحه الشخصية ويحقّق هواه، قال تعالى: {... قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.[ سورة غافر الآية 28].

ولعلكم رأيتم جمال مبارك وهو يسخر ويقهقه من الشعب المصري عندما سئل عن إمكانية إطاحة الشعب بالنّظام، فهو يرى أنَّ هذا من الخيال والفرضيات التي لا يمكن حدوثها، وسمعتم من أحد المقرّبين من مبارك حين قال: إن مبارك كان عندما يحذرونه من تذمرات الشعب يرد عليهم بأنَّ البلد ممسوكة جيّداً، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يملي للظالم ويستدرجه حتَّى إذا أخذه لم يفلته، فلقد أصبح حسني مبارك ومن قبله بن علي يتذلل الواحد منهم للشعب الذي أذله، فلا يخطر ببال هذا الشعب ما يدعوهم لرحمته لأنَّهم لم يروا منه يوم رحمة، ولم يجدوا منه أيَّ حرص على مصالحهم، فكان التصميم والشدّة هو خيار هذه الشعوب الطيبة، التي ربّما لو وجدت في ذاكرتها ما يحملها على رحمته لفعلت، ولكنَّها فتشت صفحات تاريخهم فلم تجد إلاَّ الظلم والعدوان والإذلال والإفقار لها، والتمكين للأعداء وموالاتهم على حساب مصالح الشعوب والأمَّة جمعاء، فأصرت هذه الشعوب الصَّادقة على الثورة، ولم تجد أمامها بداً من الاستمرار حتَّى النهاية، وها قد كان هذا بفضل الله.

وأمام هذه السنة العظيمة من سنن الله تعالى في الظالمين لا بدَّ أن نقف مع ثلاثة أمور:

- أولاً: أهم صفات الظالمين ومواصفاتهم، وكيف يقادون إلى حتفهم.
- ثانياً: مجموعة من الدروس للاستفادة منها في حياتنا العامة والخاصة.
- ثالثاً: مجموعة من الواجبات والأعمال التي تمثل منَّا بعض الشكر لله تعالى، والطلب منه سبحانه مزيداً من رحمته جلّ شأنه، وتأييده على الظالمين.

أولاً: أبرز صفات الظالمين

ونبيّنها هنا لنتجنَّب الوقوع فيها فيما وليناه من أعمالنا وبيوتنا، ولإنزالها على هؤلاء الظالمين الذين سقطوا، وعلى الذين سيسقطون.

1- من صفات الظالم أن لا يتقبل النُّصح ولا الإرشاد للطريق الصَّحيح، وهذا فارق بين الظالم والمخطئ، فالمخطئ يستمع ويستجيب، والظالم لا يستمع وبالتالي لا يستجيب لذلك، لا يرشد الى السبيل قال تعالى: {... وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ}[ سورة غافر الآية 36]. وكذلك كان طاغية مصر الأخير (مبارك) إذا قيل له: إنَّ الشعب متذمر لا بدَّ من حل، قال الأمور مسيطر عليها وممسوكة، وماذا عسى الشعب أن يفعل.

2- إنَّ الظالم لا يوفق للاتعاظ بغيره، ولا يستطيع أن يفهم الواقع ولا التاريخ، حتَّى تحلّ به سنن الله تعالى ويقع الوقعة التي لا تنفع معها توبة، ويندم عندما لا يفيد الندم، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}.[ سورة يونس الآيات 89-92]، فقد انتبه بعد فوات الأوان، وهي انتباهة الغبي فلم يقل آمنت بالله!! لأنَّه لا يعرفه!! بل قال آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل.

وهكذا فهم ابن علي بعد فوات الأوان، بعد أن قتل من الشعب ظلماً من قتل، وجاع من جاع، وأذل من أذل بسوء فطنته وقلة فهمه.. وكذلك وعى مبارك – إن صح أنَّه وعى– ولكن أنّى لمن تجرع مرارة الظلم والاستبداد والقهر، ولم يجد من هؤلاء الظلمة ساعة رحمه أن يرحمهم، وفي الحقيقة إن هؤلاء المجرمين قد تَرسخ الظلم في قلوبهم حتَّى إنَّهم {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.[ سورة الأنعام الآية 28]، فهم وإن وعدوا لن يفوا ولا ينبغي أن يمهلوا.

3- من صفات الظالم الغرور والإعجاب بما لديه، واستعظام الدُّنيا، وعدم إدراك الحقائق، ولا حتَّى البحث عنها، واستصغار شأن الآخرين، حيث قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ(51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}.[ سورة الزخرف الآيات 50-51]، وهكذا كان بن علي ومبارك لا يعبئون بشعوبهم، ويظنُّون أنَّ ما بين أيديهم من المال والملك خالداً، ممكِّناً لهم من رقاب الناس ومصالحهم، لا يقدر أحد على مصادرته من أيديهم، فقد أُوتوه على علم وبإمكاناتهم الخاصة، على قاعدة قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}.[ سورة القصص الآية 77].

4- الظالم يحاول تفريق كلمة النَّاس، وتشتيت جموعهم، وإثارة الخلافات فيما بينهم، ليتسنى له الدخول إليهم من هذه المداخل، والهيمنة عليهم من هذا الباب (إنَّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً)، وهكذا قام نظام مبارك بتفجير الكنيسة ليوجد خلافاً بين النَّاس، ويثير فيهم النزاعات والخلافات فينشغلوا عن ظلمه وإجرامه.

5- الظالم يتعامل مع من حوله على أنهم أدوات وليسوا بشراً لهم آراء تحترم، وهو لا يستطيع أن يأخذ برأي غيره، وإنما يريد أن يحمل الناس على ما عنده مهما كان فاسداً، قال تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.[ سورة غافر الآية 28].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …