وُلد الهدى .. صلَّى الله عليه وسلًّم

الرئيسية » خواطر تربوية » وُلد الهدى .. صلَّى الله عليه وسلًّم
alt
عجبت دوماً لماذا لم يكن مولد الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم لنا عيداً، وهو أعظم خلق الله، وبه ابتدأ الإسلام، وبه هدانا الله، وبهداه طابت حياتنا، وبنيل شفاعته معلّقة آمالنا، وإلى شربة ماء من حوضه الشريف لا نظمأ بعدها أبدا ترنو قلوبنا!

لماذا كان لنا عيدان فقط بعد عبادتين عظيمتين؟ أيكون الدرس المستفاد أن الفرح إنَّما يكون بالعمل وبالطَّاعة التي تبقى خالدة بعد موت أصحابها حتى وإن كانوا في عظم قدر رسول الله على الله وعباد الله؟

أليس هذا تفسير قوله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} بأنَّ المحبَّة اتِّباع وسلوك، وليس مجرَّد خلجات في النفس لا تفضي بشيء إلى عالم الواقع؟

من قبل قال الحبيب المصطفى لمعاذ بن جبل:  ((يا معاذ، إنِّي أحبك...))، ولكنَّه أتبعها بما يضمن تحويلها من شعور قلبي إلى سلوك عملي يعمِّق المحبَّة ويذكِّر بها في الحِّل و التّرحال، والمشاهدة والغياب، ويعمّم فضلها على المتحابين فقال له:  ((لا تدعن بعد دبر كلِّ صلاة أن تقول: اللّهم أعنّي على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك)).

و ما زلنا نتناقل ميثاق الحب هذا بعد 1432 عاماً من صدوره، و بعد أن غابت الشخوص رضوان الله عليهم بقيت الفكرة، و كم من المحبّين أطلقوا كلمات وعبارات في الهواء لم يسمع بها أحد، وذهبت أدراج الرياح هباء منثورا .

وطلب منه خادمه أن يكون رفيقه في الجنة، فأخبره الرَّسول بوسيلة تضمن لقاء الأحبة في الجنَّة بأفضل مما كان في الدنيا فقال له : ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)).

بلال مؤذن الرَّسول الذي كان كلَّما وصل إلى ((أشهد أنَّ محمَّداً رسول الله)) بعد وفاته تخنقه العبرة والصحابة معه، فيترك الآذان، يعود ليجلجل بصوته في فتح بيت المقدس، لأنَّ النصر موقف يحبه الله ورسوله، والرَّسول كان أوَّل الفاتحين في رحلة الإسراء والمعراج، إنَّه عهد المحبَّة يجدّده بلال مرَّة أخرى، فيربط ما بين زمن الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وزيارته الأولى للأقصى والفتح العمري، كما سيرتبط بما يلي من أيام العزة المرتقبة، فأيّ حبيب من الأتباع سيعلي الصوت بنداء الحق؟
أوليست منزلة تشرئب الأعناق لها وتتطاول لبلوغها الهمم حتَّى يتحقق لنا وعد بلال  ((غدا ألقى الأحبَّة محَّمداً وصحبه)) فنكون في زمرتهم؟

حتَّى الرَّسول عندما عرفنا إلى أصحابه وإخوانه في حديث ((اشتقت إلى أحبابي)) ربط حبه لنا بإيماننا، والإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، أو هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان و العمل بالأركان.

في يوم ولادة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم انطفأت نار المجوس وانهد جزء من إيوان كسرى، وحلَّت البركة فيمن عاش بينهم، وقضى بقية عمره في تبليغ رسالة الله، و تمر أيام ميلادنا فأي تغيير يحصل لنا؟ و هل نسير إلى زيادة أو نقصان؟ و تتوالى علينا المناسبات والذكريات، فهل ندور فيها حول ذواتنا أم يكون للأمة نصيب منها؟

يروى أنَّ صلاح الدين الأيوبي ضنّ على نفسه بالابتسامة إلى أن تتحرّر القدس، وكم نتقلب في أيامنا ومناسباتنا على فرش الحرير وإخوتنا في الدم والدين يتلظون على جمر النار!!!

مولد الهادي صلوات الله وسلامه عليه يضعنا أمام سؤال صعب عن ولاداتنا نحن وما تلاها، وماذا أضفنا للحياة، وبماذا سنُذكر: أبولد صالح أم علم نافع أم صدقة جارية؟

ولو رآنا الحبيب، فهل سيفرح بنا أم يقول لنا: ((سحقاً سحقاً، فقد غيَّرتم بعدي)).

هذا العام يأتي مولد الهادي والأمَّة ترفل بثوب النصر، نصر لم يأتِ بالتمني والتهاني والحلويات والهدايا  الشموع أو موالد ومجالس الذكر فقط، هو فرح و نصر جاء من بوابة التضحية والدم  الدموع، فرح جلجلت فيه أصوات تضرع إلى الله بالنَّصر وأقدامها ثابتة على الأرض وأنظارها لا ترى سوى ساعة الفرج وشعارها  {إن تنصروا الله ينصركم}.
وهذا أيضاً بعض معاني الحب الذي يعلم الإنسان أن يكون عزيزاً بعزَّة الله فلا يرضى الظلم.

في هذه الأيام الحاسمة  التقلبات، يواجهنا وصف أخلاق الرّسول لتكون لنا نبراساً ومنهاج إصلاح، كما أوردها البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ((وجدت في التوراة في صفة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول الله سبحانه و تعالى : (يا أيُّها النّبي إنَّا أرسلناك شاهداً ومبشراً و نذيراً...أنت عبدي و رسولي...ليس بفظ و لا غليظ...و لا يدفع السيئة بالسيئة، و لكن يعفو و يصفح...يقيم به الملة العوجاء ويفتح عيونا عميا وآذانا صمّاً وقلوباً غلفا بأن يقولوا: لا إله إلا الله)).

الاحتفال والمحبَّة أن نكون كما كان، وما عدا ذلك، فقول لا يقوم عليه دليل، وصدق الشاعر إذ قال:

من يدَّعِي حبَّ النّبي ولم يُفِد من هَدْيِه فسفاهةٌ وهُراءُ
فالحبُّ أول شرطه و فروضه إن كان صدقاً طاعةٌ ووفاءُ

معلومات الموضوع

الوسوم

  • طهبوب
  • محمد
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    كيف نحقق التوكل الصادق؟

    لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …