الأسباب السياسية لانحطاط المسلمين بقلم: د.أحمد الريسوني

الرئيسية » حصاد الفكر » الأسباب السياسية لانحطاط المسلمين بقلم: د.أحمد الريسوني
alt

الانحطاط – كما في أصله اللغوي - هو الهبوط والانحدار إلى الأسفل، فهو ضد العلو والارتفاع . ومنه قول الشاعر العربي  :

كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّه السَّيْلُ مِنْ عَلِ 

قال الأَزهري : ويقال للهَبُوط حَطُوطٌ . وفي (اللسان) أيضاً : وحَطّ السِّعْرُ يَحُطُّ حَطّاً وحُطوطاً رَخُصَ وكذلك انْحَطَّ حُطوطاً ... فَتَر.
وأسوأ درجاته وأخطرها هي المعبَّر عنها في القرآن الكريم بـ(الدرك الأسفل) و(أسفل سافلين) ، أعاذنا الله من ذلك.
فكل ما كان، من الأفعال والصفات والأفكار، متدنياً ومنخفضًا وضعيفاً ورديئاً ورخيصاً، في مكانته وقيمته وفائدته وفاعليته ... فهو داخل عندي في الانحطاط .

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ أحوال المسلمين – منذ زمن طويل – متسمة بكثير من معاني الانحطاط المذكورة . وإذا كنت لا أنكر الأثر الأجنبي الخارجي الكبير في تعميق هذا الانحطاط واستدامته، فممَّا لا يمكن إنكاره أيضاً، أنَّ انحطاط المسلمين هو أولاً وأساساً من كسبهم ومن عند أنفسهم، وأن ذلك هو ما مهَّد الطريق وفتح الأبواب للتسلط الأجنبي .

ومنذ ما يزيد عن ستين عاماً، ألَّف العلاَّمة أبو الحسن الندوي كتابه الشهير ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)) . وهو عنوان يتضمَّن أن انحطاطَ المسلمين مسألة مسلَّمة لا تردّد فيها، كما يتضمَّن كون الخسارة النَّاجمة عن هذا الانحطاط لم يقف أثرها عند المسلمين، بل أصابت العالم كله بشرها وضررها ...

كثيرًا ما نسمع بعض الدُّعاة والخطباء والوعّاظ ، يَعْزون تخلف المسلمين وانحطاطهم، ومصائبهم وهزائمهم، إلى عدم تمسكهم بدينهم، وإلى تفريطهم في شريعتهم، وإلى إعراضهم عن كتاب ربِّهم وسنَّة نبيّهم صلَّى الله عليه وسلّم ...

وهذا كلامٌ حقٌّ في مجمله، لو قصدوا به معناه الصحيح.

غير أنَّني عندما أصيخ السّمع وأمعن النظر، في تفسيراتهم لهذه المقولة وما يذكرونه لها من تعليل وتفصيل وتمثيل، أجد أنَّها – عند أكثر هؤلاء السَّادة – لا تعدو أن تكون وجهاً آخر من وجوه التخلف، ومسلكاً إضافياً لإنتاج التخلف والإبقاء عليه. فتفسير انحطاط المسلمين، بتهاونهم في صومهم وصلاتهم، وبتقصيرهم في تلاوة القرآن وذكر الله، وبتركهم الجهاد في سبيل الله، وبشيوع الرِّبا والزِّنى في حياتهم، وبتبرج نسائهم وقلَّة حيائهن ،... هو نفسه تفسير سطحي منحط، ولا يقل انحطاطاً وسطحية عن بعض التفسيرات "الحداثية" لتخلّف المسلمين؛ مثل تفسيره وإرجاعه إلى الدين والتدين، وإلى الإيمان بالغيبيات، أو إلى عقيدة القضاء والقدر، أو الإيمان بالجنَّة، أو إلى الحجاب وتعدّد الزوجات، أو إلى تضييع الوقت بكثرة الصَّلاة والتردّد إلى المساجد، وتضييع الثروة بسبب الحج وذبح الأضاحي، أو إلى انخفاض الإنتاج بسبب الصوم ...  فهذه التفسيرات وتلك هي ما عنيته بعبارة:(الانحطاط في تفسير الانحطاط).

غير أنني لن أقف مع الحداثيين وتفسيراتهم "السوسيولوجية والإيديولوجية"، فكلامي الآن عن ذوي المرجعية الإسلامية ومعهم.

ويبدو لي أنَّ الانطلاق الصَّحيح في فهم أسباب تخلف المسلمين، يكون بالبحث عن العناصر التي تنتج الانحطاط، وليس عن العناصر التي ينتجها الانحطاط.

ولا شكَّ عندي أنَّ أكبر عنصر منتج للتخلف والانحطاط في تاريخ المسلمين، هو فساد الحكم والحكام ومناهج الحكم . وهذا الأمر قد جاء الإخبار به والتحذير منه في عدد من الأحاديث والآثار، منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : (( لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتى تليها . فأولهن نقضا الحكم ، وآخرهن الصلاة )).

ومنها قول عمر رضي الله عنه رضي الله عنه: (اعلموا أنه لا يزال الناس مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم). [جامع بيان العلم ،لابن عبد البر 1/226].

وفي صحيح البخاري: (( أنَّ أبا بكر رضي الله عنه ، دخل على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تكلم، فقال : ما لها لا تكلم !؟ قالوا: حجَّت مصمتة. فقال لها تكلمي ، فإن هذا لا يحل ، هذا من عمل الجاهلية . فتكلمت فقالت من أنت؟ قال امرؤ من المهاجرين ، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت من أي قريش أنت؟ قال: إنَّكِ لسؤول! ، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية ؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت : وما الأئمة ؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس)).

قال الحافظ ابن حجر: (الأمر الصالح: أي دين الإسلام وما اشتمل عليه من العدل واجتماع الكلمة ونصر المظلوم ووضع كل شيء في محله." - إلى أن قال يبين كلام أبي بكر- "قوله: (أئمتكم)، أي لأن الناس على دين ملوكهم، فمن حاد من الأئمة عن الحال ، مال وأمال). [ فتح الباري 7/536 ].

وفساد الحكم والحكام - كما هو معلوم – ينشر الانحطاط والفساد في كل الأرجاء ... ومن الواضح أنَّ فساد جزء من العلماء ، إنَّما هو تابع لفساد الحكم والحكام . وإذا فسد الأمراء وبعض العلماء ، فلا بد أن تفسد بهم أطراف عريضة من المجتمع ، كما جاء في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم:  )) اثنان من الناس إذا صلحا صلح الناس ، وإذا فسدا فسد الناس : العلماء والأمراء  )).

على أنَّ هذا لا يعني أبدًا أنَّ الفساد السياسي هو المسؤول الوحيد عن كل فساد في الأمَّة، أو أنَّ مسؤوليته تسقط التبعة عن الناس وتعفيهم من مسؤولياتهم، المباشرة وغير المباشرة، ولكنَّه السبب الأول والأكبر، أو هو أبو الأسباب ورائدها ...

مرتكزات الانحطاط السياسي

رغم أنَّ حديثي يرمي إلى الكشف عن (مرتكزات الانحطاط السياسي عند المسلمين)، فإنِّي لما استعرضت تلك العناصر كما أتصورها، وجدت أنَّها هي نفسها مرتكزات الانحطاط السياسي عند كلِّ الأمم، قديمها وحديثها . فالمسلمون وغير المسلمين في ذلك سواء . بل وجدت أنَّ عناصر الانحطاط السياسي في تاريخ المسلمين ، قد أُخذت بالكامل من عند الأمم غير الإسلامية، كما سيتضح بعد قليل. وهكذا وجدتني أقول في نفسي: الانحطاط ملة واحدة ، وركائزه واحدة ...

تحدَّث العلامة أبو الحسن الندوي عمَّا سماه  ( بداية التدلي والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية ) ، فقال رحمه الله : ( ولو أردنا أن نضع إصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال ، لوضعناه على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية ، أو ملوكية المسلمين). ( ص 143 ).

وهذا لا يعني أنَّ مسيرة الارتقاء والازدهار الإسلامي قد توقفت أو انعكست وجهتها عند هذه النقطة؛ فقد كانت قوة الدفع الرِّسالي والحضاري التي أرستها وأطلقتها الرسالة المحمدية والتأسيس المحمدي ، كانت أكبر وأقوى من أن يوقفها شيء. بل حتى نظام الحكم الذي كبا وتعثر في وقت مبكر، فإنَّه ظلَّ يتمتع بكثير من عناصر القوة والحيوية والتفوق . ولكنْ إلى جانب هذه العناصر الإيجابية المشرقة ، كانت عناصر المرض والفساد والانحطاط قد زرعت في جسمه أيضاً . وهكذا بقيت معظم الدول والقيادات السياسية المتعاقبة في التاريخ الإسلامي، تعاني من عناصر الفساد والانحطاط ، رغم بعض المحطات الإصلاحية التي كانت تشرق أو تبرق من حين لآخر ، ثم لا تلبث أن تنطفئ ، أو تنكفئ تدريجيا إلى "ما جرى به العمل" ... .

ويمكن إجمال أبرز هذه العناصر الـمَرضية ، التي أضحت مرتكزات للانحطاط السياسي ، ومولدات للانحطاط العام ، فيما يلي:

1 - الانقضاض على الحكم باعتباره حقا وامتيازا للأقوياء المتغلبين . وهكذا انتقل الحكم من منطق الشورى والاختيار والتعاقد والشرعية ، إلى منطق القوة والغلبة والسيطرة وفرض الأمر الواقع ، مع الاحتفاظ – إن اقتضى الحال – ببعض الشكليات والرموز والألقاب الشرعية.

2 - التصرف في الحكم ومسؤولياته وإمكاناته ، باعتباره غنيمة ومكسبا وامتيازا ، يستميت أصحابه في التمكسك به والذود عنه ، تماما مثلما يفعل أي متملك مع أملاكه وحماه. وهذا هو المنطق الذي استبيح به توريث الدولة بكل مناصبها ومرافقها واختصاصاتها ، كما تُوَرَّث الأمتعة والتركات . بينما المنطق الإسلامي هو أن الحكم أمانة، وأنه يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أتاه بحقه ومن بابه ، وأدى الذي عليه فيه ، كما جاء في الحديث الشريف . ولذلك لا يتولاه ولا يحرص عليه أحد من الصالحين طالبا راغبا ، وإنما يتولاه ويبقى فيه - عند الضرورة - مطلوبا راغما.

3 - خنق الأصوات الناقدة والفئات المعارضة، وإن أمكن استئصالها فهو الحل المفضل والأمثل ، وذلك في مقابل تغذية المرتكز الرابع، وهو:
4 - إحاطة الحكام بهالة أسطورية من التعظيم والتقديس والعصمة ، يجند – أو "يتطوع" – لنسجها وتفخيمها شعراء وفقهاء وخطباء ووزراء ، وغيرهم من المسترزقين والمنتفعين ، حتى بلغ الذل والهوان بأحدهم إلى حد مخاطبة " الخليفة " بقوله:

ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ      فاحكم فأنت الواحد القهارُ

وكـأنما أنت النبي مـحمـدٌ      وكـأنما أنصارك الأنصارُ

غير أنَّ شاعراً آخر ـ من الأحرار وليس من العبيد ـ عبّر عن استهجانه واشمئزازه من هذه المبالغات المصطنعة الزائفة التي يتدثر بها الحكام الفاسدون ، فقال :

مِمَّا يُزَهِّدني في أرض أندلس     أسماءُ مـعتصمٍ فيها ومـعـتضدِ

ألقاب مملكة في غير موضعها     كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسدِ

5 - إعطاء الأولوية المطلقة للبقاء في الحكم وتأمينه بأقصى درجة ممكنة، واستدامته إلى أبعد حد ممكن ، وجعْلُ ذلك كله الهدفَ الأول والأسمى للدولة ، تُسَخَّرُ له كل المتطلبات البشرية والمالية والسياسية اللازمة ، مهما تكن ، حتى رأينا عبر التاريخ كثيرا ممن يسلِّمون كرامتهم وسيادتهم واستقلالهم وثروات شعوبهم للأعداء ، تأمينا لبقائهم في الحكم .

6 - الاستيلاء على الأموال والممتلكات العامة، والتصرف فيها بالتشهي والمآرب الخاصة ، وإطلاقُ أيدي الأقارب والأصدقاء والأعوان والخدام فيها، نهباً وإسرافاً وتبذيرًا.

يريدونها كسروية هرقلية :

الحقيقة أنَّ هذه العناصر والمظاهر، ليست سوى تقليد ومحاكاة للأعراف الكسروية والقيصرية في الحكم . ولقد حذَّر النَّبيُّ الكريمُ  صلَّى الله عليه وسلَّم  من الانحدار في هذا المسلك المنحط ، في عدد من أحاديثه الشريفة؛ أذكر منها حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلَّى الله عليه  وسلَّم متوكئا على عصا، فقمنا إليه ، فقال: ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا)).

وحينما انتصر المسلمون في بعض فتوحاتهم، حمل أحدهم معه رؤوس بعض القتلى من أعدائهم، بحجة أنَّ الأعداء يفعلون ذلك بالمسلمين، فأنكر ذلك الخليفة أبو بكر رضي الله عنه ونهى عنه، وقال: (( أَسْتِنانٌ بفارسَ والرُّوم!؟)).

ولـمَّا أدرك ولدُه عبد الرَّحمن بوادر الانحراف السِّياسي، في أوائل العهد الأموي ، قال رضي الله عنه رافضاً ومحذِّراً : (إنَّما يريدون أن يجعلوها كسروية أو هرقلية ).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …