الشيخ محمَّد بوسليماني .. الدَّاعية الشهيد

الرئيسية » بصائر الفكر » الشيخ محمَّد بوسليماني .. الدَّاعية الشهيد
alt
خاص- بصائر

لقد استطاع بلد الشهداء " الجزائر " عبر تاريخه أن يخرِّج رجالاً صادقين استطاعوا أن يحموا بلادهم وإرثهم الحضاري من مشاريع الاستعمار الفرنسي في التغريب وطمس الهوية، ولم تعقم أرحام الجزائريات من أن يلدن رجالاً يواصلون طريق  البناء والتربية والدَّعوة، فمن هؤلاء رجلٌ خدم مرحلة ثورة التحرير بالاحتضان والتجنيد والتوعية، وخدم مرحلة ما بعد الاستعمار بالدَّعوة والتربية والإصلاح،  وأبى في حياته إلاَّ أن يكون مصلحاً محافظاً على وحدة الوطن وحرمة دم المسلم، لكنَّ يد الغدر طالته، فقضى إلى ربِّه شهيداً .. إنَّه الشيخ الشهيد محمَّد بوسليماني رحمه الله ..

المولد والنشأة والتعليم ..

ولد الشهيد محمد بوسليماني في 5/5/1941م  بمحافظة البليدة، بالقرب من العاصمة الجزائرية، ونشأ في أسرة محافظة ومجاهدة ضد الاستعمار الفرنسي.
حفظ القرآن الكريم وتلقى تعليمه الأول بمدرسة الإرشاد التي أسستها الحركة الوطنية وعلى طاولات الدروس جمعته الأقدار مع رفيق دربه الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.
في سنة 1968 التحق بالجامعة المركزية بالعاصمة وانتسب إلى كلية الآداب (قسم المدرسة العليا للأساتذة)، وبعد نجاحه في مسابقة التأهيل الجامعي تخرج بشهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها سنة 1972م.

دوره في ثورة التحرير..

مع اندلاع الثورة التحريرية انخرط فيها، وفي سنة 1957 كان مسؤولاً عن مجموعة من الفدائيين، وكان بيته نقطة التقاء وموئلاً للمجاهدين، كما كان يشرف على بعض الشباب انتقاءً وتنظيماً وتجنيداً لصالح الثورة وتوعية بالقضية الوطنية، كما ساهم في حمل المؤونة وإرسالها إلى المجاهدين ونقل الأدوية والألبسة وتوزيع المنشورات.

ويكمل المسيرة ..

بعد الاستقلال واصل الشهيد محمَّد بوسليماني مسيرة العلم والتربية والدعوة والإصلاح، حيث عمل منذ بداية الاستقلال مدرساً ومن ثمَّ مديراً لإحدى المدارس.
ساهم في تهدئة الأوضاع المتوترة في أحداث أكتوبر 1988 ونبه إلى مخاطر الفتنة، كما كان أحد المساهمين في إنشاء رابطة الدعوة الإسلامية.

في الحقل السياسي ...

بحكم مشاركته في الثورة المباركة عيّن بعد الاستقلال على رأس اللجنة الثقافية بقسمة جبهة التحرير الوطني بالبليدة، ثم أبعد عن الإشراف عليها نظرا لنشاطه الثقافي البعيد عن الخط الأيديولوجي الاشتراكي.
عارض النظام السياسي سنة 1976 في تبنيه للنظام الاشتراكي، كما عارض فرض ميثاق 1976م على الشعب الجزائري المسلم الذي كان يرى فيه مخالفة لبيان أول نوفمبر الذي ينص على مشروع مجتمع ديمقراطي في إطار المبادئ الإسلامية، وكلفه ذلك الاعتقال مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، حيث حكم عليه سنة 1976 م بثلاث سنوات سجنا مع ثلة من إخوانه في قضية حركة الموحدين التي كانت تدعو إلى التوجه الإسلامي وتعارض المد الاشتراكي تحت قيادة الشيخ محفوظ نحناح حفظه الله.
أمضى مع الشيخ نحناح وجماعة من الدُّعاة بياناً، بعنوان: (إلى أين يا بومدين)، وكان الإمضاء باسم الموحّدين، اشتمل على عشرة نقاط، أبرزها:
- لا للعفوية السياسية والتشريعية والقضائية والتنفيذية.
- نعم للإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة.
- نعم للإسلام شورى وعدالة وحدة وأخوة.
فواصل نشاطه الدعوي والتربوي في السجن، فهدى الله على يديه الكثير من المجرمين بشهادة إدارة تلك السجون.
وفي شهر حزيران (يونيو) 1979م، أطلق سراحه فواصل العمل التربوي والدعوي بالمساجد والمدارس والجامعات.
كان أحد الفاعلين الأساسين في المسيرة المليونية النسوية للدفاع عن أصالة قانون الأسرة في نهاية الثمانينات.

مع جمعية الإرشاد  ..

ترأس جمعية الإرشاد والإصلاح الوطنية سنة 1991م، فشهدت تحت إشرافه تجسيدا لمشاريعها القيام بنشاطات تربوية فتحت فيها الجمعية العشرات من روضات الأطفال، وكتاتيب تعليم القرآن الكريم، والورشات المهنية.
كما قامت الجمعية بالعناية باليتامى وإطعام الصائمين وكفالة المحتاجين. فتح مكاتبا وفروعاً للجمعية في كامل محافظات الجزائر. وكان دائم التنقل والزيارة للقائمين عليها مشجعا لهم وحاثا على بذل أقصى الجهود لتحقيق مشاريعها الحضارية.
وبعد إطلاق التعددية السياسية، أسَّس مع إخوانه حركة المجتمع الإسلامي (حماس) سنة 1990م وهو أول نائب لرئيسها، واجتهد من خلالها في جمع الجزائريين، وتحرّك عبر ربوع الوطن وخارجه يدعو إلى التفاهم والتلاقي ويحذر من الفرقة والتضاد.

الاختطاف والاستشهاد ...

كان الشهيد محمد بوسليماني شديد التأثر بما وقع للجزائر في محنتها الدموية منذ 1990م، فلم يترك مجلساً إلاَّ ودعا فيه إلى الصلح بين أبناء الجزائر، مقتنعا أنَّ الخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد لا يحل بالعنف، بل بالحوار والمحبَّة والتراحم، إلاَّ أنَّ هذا النهج لم يعجب بعض مخالفيه من الغلاة، فلم يراعوا في الرّجل جهاده ولا إمامته الدَّعوية ولا رمزيته الوطنية والعالمية، فاقتحموا عليه منزله المتواضع فجر يوم الجمعة 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993م، بعد أن صلَّى الصبح وجلس مرتلاً القرآن الكريم، والمصحف بين يديه، فأفزعوا أهل بيته الذي طالما كان أيام الثورة التحريرية مأوى للمجاهدين، وأيام الاستقلال مثابة للدُّعاة والعلماء الخيرين، فاختطفوه وأرادوا منه فتوى بجواز قتل المخالفين، وما علموا أنَّه ليس هذا الرَّجل الذي يشتري الدّنيا بالدِّين، فكان له من الله الثبات على موقفه من حرمة قتل المسلم - وهذا من المعلوم بالضرورة من الدِّين- فكان منهم الغدر والقتل بالسكين.
اكتشفت قوات الأمن جثته، وتأكَّد الأمر بعد أن عاينها وفدٌ من عائلته وجمعية الإرشاد يوم الجمعة 28 كانون الثاني (يناير) 1994م، ثم نقل جثمانه إلى مقبرة الدردارة بمحافظة البليدة يوم الأحد 30 كانون الثاني (يناير)  1994م.

مواقف مشرِّفة ...

دعا باسم جمعية الإرشاد والإصلاح جميع أبناء الجزائر إلى الحوار الهادئ، ونبذ التطرف الفكري والعنف بجميع أشكاله وذلك منذ أول بيان صدر عن الجمعية.
اهتم الشهيد بالشباب تربية وتوجيهاً؛ فأقام المخيمات الصيفية التي تهدف إلى الترفيه والتكوين والتثقيف، كما كان بيته قبلة للعديد منهم طلباً للاستشارة في أمور الدين والحياة.
ساهم بنشاطه الخيري في تزويج الشباب للقضاء على العنوسة لما ينجر عنهما من أثار سلبية على المجتمع وبنيته.
حارب الآفات الاجتماعية عامَّة، والآفات التي تفتك بالشباب خاصة كالخمر والمخدرات.
شجّع النشاطات الرياضية والأعمال الفنية الهادفة وكرَّم بعضاً من أهلها. بذل جهدا كبيرا في توجيه الطلبة والطالبات والعناية بهم.
- آخر عهده بمقر جمعية الإرشاد والإصلاح الخميس 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993م، وكان آخر ما كتبه كوصية : (اعتمدوا على الله وثقوا فيه فلا تخافوا غيره ولا ترهبوا سواه، أدوا الفرائض، واجتنبوا نواهيه، كونوا أقوياء بأخلاقكم، أعزاء بما وهب الله لكم من عزَّة المؤمنين، كونوا عاملين واتقوا الجدل).

altالشهيد وقضايا الأمَّة  ...

اهتمام الشهيد بوسليماني بالجزائر وأبنائها لم يمنعه من المشاركة الوجدانية والميدانية لأبناء الأمة العربية والإسلامية في قضاياها المصيرية، وعلى رأسها قضية فلسطين التي كان يعتبرها القضية العقيدية والمركزية لأمة العرب والمسلمين. كما ساهم في تقديم المساعدة للشعب العراقي وتعاطف مع الكويت في محنتها، وفي سنة 1993 زار مع وفد له البوسنة والهرسك ودامت زيارته إحدى عشر يوما زار فيها اللاجئين كما زار المستضعفين المضطهدين (بموستار) رغم صعوبة الأوضاع وخطورتها. كما اهتم بالأقليات الإسلامية في بلاد الغرب فكان يزورها ويدعمها لتتشبث بهويتها ودينها.

من أقوال الشيخ  بوسليماني ..

- آخر ما قاله عند خروجه من بيته: (إذا لم أرجع فأنا شهيد مثل أبي وأخي أحمد).
- آخر ما قاله عند اتصاله هاتفياً بإخوانه في الجماعة: (الحمد لله يكون أحيانا مع الشكر وأحيانا مع الصبر).
- ومن أقوال الشهيد: ( كلُّ مسلم يعيش فوق هذه الأرض هو من أجل رسالة، ويتحرَّك حاملاً أمانة، ولن يستطيع تبليغ هذه الرِّسالة لأصحابها إلاَّ إذا عاش حرقة الإسلام الصَّحيح، ولا يمكن أن يقوى على هذه الأمانة إلاَّ إذا حرَّكته حرقته على الدَّعوة برصيد قويّ من التوكل على الله).
-  وقال: (الدعوة إلى الله سائرة والدَّعوة إلى كتاب الله تتبع طريقها، لأنَّها لا ترتبط بالأشخاص ولا بالأفراد وهؤلاء الدّعاة، ما هم إلاَّ وسائل لدفع دعوة الله).
- وقال: (كونوا مع الله يكن معكم، واتحدوا يا إخوة الإيمان، إنَّ العدو لا يتوقف عن مطاردتكم ما دمتم متمسكين بكتاب الله وبسنة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم).
-  وقال: (تحابوا فيما بينكم، واحرصوا كلَّ الحرص على رابطتكم، فهو سرّ قوتكم، كونوا كالجسد الواحد، إذا ابتعد عنك أخوك تخشى كأنَّ جزءاً عزيزاً فُقِدَ منك).

altالثبات على النَّهج ..

أسَّس إخوان الشهيد في الحركة وطلابه مؤتمراً عالمياً يعقد سنوياً في العاصمة الجزائرية، باسم الشهيد الشيخ محمَّد بوسليماني، يدعى إليه علماء ومفكرون ودعاة من أقطار العالم الإسلامي، يعرض فيه فكره وآراؤه التربوية والدَّعوية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

أين الحركة الإسلامية من الاستيعاب وسرعة اتخاذ القرار؟

تعاني الحركة الإسلامية -منذ عقود ليست قليلة- من حالة تراخ شديد في اتخاذ القرارات اللازمة …