ما تعبدون من بعدي ؟ .. وصية يعقوب لأبنائه

الرئيسية » خواطر تربوية » ما تعبدون من بعدي ؟ .. وصية يعقوب لأبنائه

إنَّ قصص الأنبياء والرُّسل مع أقوامهم وأهليهم مليئة بالعبر والعظات التي نستقي منها الدروس التي تنير لنا حياتنا، فممَّا حفلت به مسيرتهم الدَّعوية والتَّربوية تعهّدهم بالوصايا لأولادهم وأهليهم وأتباعهم وأقوامهم ..

ومن هذه الوصايا؛ وصية يعقوب عليه السَّلام لبنيه  عندما حضرته الوفاة،  وهي لحظة عصيبة تمرّ على كلِّ إنسان،  يصعب فيها التفكّيِر خارج دائرة النفس ؟ أم إنَّ هناك أمراً جللاً يستحِّق التفكير، ويأخذ حيِّزاً من همِّ القلب وتشويش العقل ؟
إنَّ يعقوب عليه السَّلام، حفيد سيِّدنا إبراهيم، ووالد بني إسرائيل جميعاً... عندما حضرته الوفاة، لم يفكِّر في نفسه، بل كان يدور في ذهنه أمرٌ يقلقه ويأخذ من تفكيره ويشغل باله ...
يا ترى ما القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار ؟
ما الأفكار التي تراوده وتمرّ على ذهنه وهو في سكرات الموت ؟
إنَّه يريد أن يطمئِّن على سلامة عقيدة أبنائه وأحفاده قبل أن يفارق الحياة ...
إنَّه يريد أن يلمس منهم الثبات على النَّهج والسير على الطريق الصَّحيح ...
إنَّه يريد يسمع منهم كلماتٍ تقرَّ به عينه، وعبارات تثلج صدره، أنَّهم واعون للمسؤولية، مدركون لخطورة الطريق ...

قال الله سبحانه وتعالى: { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي}. [البقرة:133].

إنَّه سؤال العقيدة والعبادة .. لا سؤال التركة وما حوته من عقارات وسيارات ودور وقصور  ومال وتراث زائل ..

ولا همَّ ليعقوب عليه السّلام  إلاَّ أن يطمئِّن على عقيدة أبنائه وأحفاده وعبادتهم وصلتهم بالله عزَّ وجل ..

ولا يحرص في هذه اللحظات على سلامة التركة، ووصولها إلى أحفاده فيسلِّمها لهم في محضر، يسجّل فيه كلّ التفصيلات ...

إنَّها العقيدة التي يحرص عليها يعقوب عليه السَّلام ..  (هي التركة، وهي الذخر، وهي القضية الكبرى، وهي الشغل الشاغل، وهي الأمر الجلل، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصراعاته)، كما يقول سيِّد في ظلاله.

فلم يطمئن يعقوب عليه السَّلام قبل وفاته حتَّى سمعها من أولاده وأحفاده، وأقرّوا أمامه أنَّهم سيعيشون وسيموتون على ملَّة الإسلام والتَّوحيد الخالص .. {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.

نعم .. لقد سمعها يعقوب من أولاده .. إنَّهم يعرفون دينهم ويذكرونه . إنَّهم يتسلَّمون هذا الميراث ويحفظونه  ويصونونه ..
كم هي عظيمة تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بأداء الأمانة وتبليغ الرِّسالة .. إنَّها أمانة عظيمة ورسالة بليغة .. أمانة التربية ورسالة الدَّعوة ..

يقول الإمام أبو الحسن النَّدْوي رحمه الله: (لو سُئلتُ عن لوحةٍ تُعدُّ للأمَّة الإسلامية ولاتسع إلاَّ لجملة واحدة فقط، أقول: اكتبوا { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟}، وليحاسب كلّ مسلم نفسه طول حياته وليتأكَّد قبل مماته هل يترك أولاده وأحفاده مؤمنين بالله سبحانه وتعالى أم لا؟ وهل هيَّأ لهم التعليم الديني الكافي الذي يضمن - بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- بقاءهم على الإيمان بالله الأحد الصَّمد، أم أنهم – ولا قدر الله- ينحرفون بعد وفاته عن الطريق الحق، وينسالون وراء السيل العارم من التيارات المعادية والحضارة الوثنية، ويذوبون في بوتقة العلمانية والوطنية).

فهل سنعمل إلى تحقيق وصية يعقوب مع أولادنا وأسرنا ؟ وهل ستقرَّ أعيننا  بأبناء  يردِّدون جواباً يثلج صدرونا ويبعث الطمأنينة في قلوبنا ؟
وهل سنسعد بسماع كلمات صادقة كما سمعها يعقوب عليه السَّلام ؟

لعلَّ الجواب منوط بما نقدِّمه لهم من تربية صالحة وتنشئة على الإيمان والعقيدة الصَّحيحة والعمل الصَّالح، ولنا القدوة الحسنة في سير وقصص الأنبياء وخاتمهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف تغير العالم وحدك؟

لمَ التعجب، ولماذا أرى هذه الدهشة على ملامح وجهك، أو الاستخفاف بالجملة التي قرأتها كعنوان …