المنهج الإسلامي .. حصن أمان للأقليات غير المسلمة

الرئيسية » بصائر الفكر » المنهج الإسلامي .. حصن أمان للأقليات غير المسلمة
alt

ما أن كلَّلت ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير بالنَّجاح في أرض الكنانة مصر إلاَّ واكتشف المتابعون والمراقبون والقوى السياسية أنَّ الوريث الحقيقي لقيادة المجتمع، ومن لديه القدرة لتصدر المشهد السياسي هو الحركة الإسلامية، فبدأت على الفور تتعالى بعض الأصوات التي أدمنت تصدير مشهد الخوف من المنهج الإسلامي تارة بالخوف على الأقباط "مسيحيي مصر"، وتارة بالخوف على المرأة، وهو ما دفعنا للتنقيب عن رؤية الحركة الإسلامية في تعاطيها مع هاتين القضيتين، ونتحدَّث هذه المرَّة عن موقف الحركة الإسلامية، ورؤيتها في التعامل مع الأقليات غير المسلمة التي هي شريكة الوطن.

أهل الذّمة..

يروى أن شيخ الإسلام بن تيمية كلف يوماً مفاوضة المغول على أسرى من المدنيين كانوا أسروهم في هجمات على مدن سورية , وحين أدرك أن المغول يحاولون تسليمه الأسرى المسلمين فقط، دون أهل الكتاب، والاحتفاظ بهؤلاء كعبيد، رفض ابن تيمية العرض قائلاً: أهل الذمة (أي أهل الكتاب) قبل أهل الملة (أي المسلمين) , أي إنه طالب بتسليمه الأسرى المسيحيين واليهود قبل المسلمين , بهذه الروح كان يتعامل المسلمين مع الأقليات غير المسلمة التي تعيش في ديار الإسلام .
يرى العلماء أنَّ عقد الذّمـة هو عقد بين الدولة المسلمة ومواطنيها من غير المسلمين، وكلمة ذمَّة لا تشير إلى نقص، بل أضيفت إلى الله عزَّ وجل، وإلى رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأهل الذّمّة هم المواطنون غير المسلمين الذين يدفعون الجزية مقابل حمايتهم من قبل الدولة المسلمة، وتسري عليهم أحكام العقود الشرعية.
ولا يحرم أهل الذمَّة من تولي المناصب في الدولة إلاَّ أنَّ العلماء أجمعوا على عدم تولية أهل الذمَّة الوظائف ذات الصبغة الدينية الإسلامية كالإمامة الكبرى، وإمارة الجيش، أمَّا المساهمة في جيش المسلمين؛ فتوجد ثلاثة أقوال: الأوّل الجواز، والثاني يمكنهم إذا رغبوا، والثالث لا يكلَّفوا بأعمال في الجيش ذات صبغة دينية، أمَّا إذا كان القتال للدفاع عن الوطن يصبح واجباً وطنياً على غير المسلمين المشاركة في ردّ العدوان عن الوطن.
ويكفل الإسلام لأهل الذمَّة حرية الدين والعبادة: ونصوص الكتاب في هذا كثيرة، ومنها قوله تعالى: {لا إكراه في الدين..}، وهذه من البدهيات عند المسلمين، وفي سنة المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم وسيرة خلفائه أمثلة كثيرة تؤكد ذلك.
كما يكفل الإسلام لغير المسلمين حق مزاولة التعليم والتربية الدينية لأولادهم: فلهم تعليم أولادهم وفق ديانتهم، وإنشاء المدارس الخاصة بذلك!!؟ وأموالهم معصومة، وتحميها الدولة كما تحمي أموال المسلمين؟ ولهم حق التملك، ولا يختلفون عن المسلمين بشيء من هذه الحقوق، ولهم حق الانتفاع بالمرافق العامة للدولة شأنهم في ذلك شأن المسلمين، فينتفعون بالماء والكهرباء والمواصلات، كما ينتفع المسلمون تماماً (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)، والناس لفظ يشمل المسلمين وغير المسلمين، ولهم حق العمل، والتمتع بأمور التجارة والبيوع وسائر التصرفات المالية، أمَّا في القطاع الخاص فقد تمتع غير المسلمين به، وأبدعوا وتفوقوا منذ فجر الدولة المسلمة، وتجوز مشاركة المسلم للذمي في هذه الأعمال، ويملك الذمي في إحياء الأرض الموات كالمسلم، وكان الخلفاء المسلمون يعتمدون كثيراً على أهل الذمَّة في أمور الصناعة والطب والحرف، فكانوا صيارفة وتجاراً وأصحاب ضياع وأطباء، وحتى طبيب الخليفة!!!

العلاقة مع الأقباط..

يقول الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن حقوق الأقليات غير المسلمة من الحقوق المقررة في المجتمع الإسلامي، وهي حقوق ثابتة ومؤكدة، وان كان هناك ـ للأسف ـ مَن يريد أن يشكك في ذلك من خصوم الإسلام، ليجعل من قضية الأقليات ورقة يلعب بها للوقوف في وجه تحكيم الشريعة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية في عصرنا.
مشدداً على وجوب الحفاظ على دماء وأعراض وأموال ومعابد أهل الذمة، وجميع حرماتهم، واحترام عقائدهم وشعائرهم، والدفاع عنهم تجاه كل عدوان من الخارج، وتجنب كل ما يوغر صدورهم، أو يؤذيهم في أنفسهم.
كما يشير القرضاوي إلى أن أهل الذمة من أهل الكتاب لهم وضع خاص، والعرب منهم لهم وضع أخص، لاستعرابهم وذوبانهم في أمة العرب، وتكلمهم بلغة القرآن، وتشربهم الثقافة الإسلامية، واشتراكهم في المواريث الثقافية والحضارية للمسلمين بصورة أكبر من غيرهم، فهم مسلمون بالحضارة والثقافة، وإن كانوا مسيحيي بالعقيدة والطقوس.

وقد عاشر الأقباط طوال العقود الماضية المسلمين ولم يرون منهم إلاَّ العدلَ الكاملَ والإنصافَ الشاملَ، ولا تزال كلمة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لأميره على مصر عمرو بن العاص مدويةً في الآذان على كل لسان: (يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا)، ثم كرَّر الطلب في خطاب بعث به إلى وزير الحقانية أحمد خشبة مفندًا أيَّ انتقاص من حقوق أهل الكتاب تحت زعم أنَّ في مصر عناصرَ غيرَ إسلاميةٍ إن حُكِمت بأحكام الإسلام كان ذلك متنافيًا مع حرية الدين التي كفلها الدستور للمواطنين، وإن حُكِمت بغيرِ أحكام الإسلام كان ذلك نوعًا من الامتياز البغيض الذي حمدنا الله على التخلص منه.

وقد ركز الإمام الشهيد حسن البنا في تربيته للإخوان المسلمين سياسياً على حسن الصلة بغير المسلمين عموماً، ما داموا مسالمين للمسلمين، وعلى المواطنين منهم خصوصا ممَّن يعيشون في دار الإسلام، وكان البنا رحمه الله على علاقة طيبة بكثير من الأقباط في مصر، وكثيراً ما زار كنائسهم.

وكان في اللجنة السياسية العليا في المركز العام للإخوان -وخصوصا إِبَّان احتدام القضية الوطنية- اثنان من زعماء الأقباط المرموقين، وهما: وهب دوس، ولويس فانوس.

وعندما كان يحضر الإمام البنا المؤتمرات الوطنية الكبرى التي كانت تعقد في المحافظات لشرح المطالب الوطنية، التي تحدَّدت في جلاء الإنجليز، ووحدة وادي النيل، كان حريصاً على أن يصطحب أحد الأقباط المتخصّصين في قضية (قناة السويس)، وهو نصيف ميخائيل.

خطاب الملك فاروق..

ولعلَّ أبرز ما يوضح رؤية الحركة الإسلامية للأقباط، ما ورد في خطاب بعثه البنا إلى الملك فاروق ملك مصر، وإلى مصطفى النحاس (باشا) رئيس الحكومة المصرية حينذاك، وإلى عدد من ملوك وأمراء وحُكَّام بلدان العالم الإسلامي، كما بعث به إلى عدد من الشخصيات المهمَّة والمرموقة في الأقطار العربية والإسلامية.

حيث انتقد فيه ما يروّجه البعض من أنَّ التمسك بالإسلام وجعله أساساً لنظام الحياة، ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة المسلمة، وينافي الوَحدة بين عناصر الأمة، وهي دعامة قوية من دعائم النهوض في هذا العصر، وقال: إنَّ الحق غير ذلك تماماً، فالإسلام -الذي وضعه الحكيم الخبير الذي يعلم ماضي الأمم وحاضرها ومستقبلها- قد احتاط لتلك العقبة وذلَّلها من قبل، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلاَّ وقد اشتمل على النص الصريح الذي لا يحتمل لبساً ولا غموضاً في حماية الأقليات، وهل يريد الناس أصرح من هذا النص: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، [الممتحنة:8]، فهذا نصٌّ لم يشتمل على الحماية فقط، بل أوصى بالبر والإحسان إليهم.

وأنَّ الإسلام الذي قدَّس الوَحدة الإنسانية العامة في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، [الحجرات:13]، هذا الإسلام الذي بُني على هذا المزاج المعتدل، والإنصاف البالغ لا يمكن أن يكون أتباعه سببا في تمزيق وحدة متصلة، بل بالعكس، إنَّه أكسب هذه الوَحدة صفة القداسة الدِّينية بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط.

ويقول البنا: لقد حدَّد الإسلام تحديداً دقيقاً من يحق لنا أن نناوئهم ونقاطعهم ولا نتصل بهم، فقال تعالى بعد الآية السابقة: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}،[الممتحنة:9].

حماس ومسيحيو غزة

والعلاقة بين أبناء الحركة الإسلامية وبين المسيحيين لم تقف داخل الحدود المصرية، بل تعدتها إلى بلدان أخرى يأتي على رأسها العلاقة الوطيدة بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وبين المسيحيين في أراضي فلسطين.

ولعلَّ التصريحات التي أدلى بها بطريرك القدس للروم اللاتين ميشيل صباح تعكس مدى قوة العلاقة بين المسيحيين وبين حركة حماس؛ إذ أكد على أنَّ المسيحيين والمسلمين يشكلون نسيجاً واحداً لشعب ينتمي لثقافة واحدة ويجمعهم تاريخ واحد، وقال: لم نشهد طوال حياتنا هنا على مجازر وقعت أو اعتداءات ضد الكنائس أو أي اضطهاد معلن ضد المسيحيين، وحتَّى في غزة تحمي هناك حركة حماس المسيحيين رغم أنَّهم يدعونها «منظمة إرهابية».‏

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

بحوث “المثلية” وتحديات الخطاب الإسلامي والعمل الدعوي

طالعتنا قبل أيام نتائج دراسة علمية أُجرِيَتْ في بريطانيا وأوروبا عن الشذوذ الجنسي أو الميول …