تقدم السن .. لا تنزعجي

الرئيسية » بصائر للأسرة والمرأة » تقدم السن .. لا تنزعجي
alt
0 / 5 (0 votes)

لا ندري ما هي عقدة النساء مع العمر والسؤال عنه، وبالذات كبيرات السن منهن، اللواتي قد يمتعضن ويغضبن ويوارين وربما يكذبن إذا سألت الواحدة عن عمرها!! ويبدأ التبرير وكأنَّ في الأمر تهمة يجب الدفاع عنها أن الشباب شباب القلب، والعمر لا يعد بالسنين بل بحلاوة الروح ولسان حالهن قول الشاعر:
سني بروحي لا بعدِّ السنين
فلأسخرن غداً من التسعين
عمري الى الخمسين يركض مسرعا
والروح ثابتة على العشرين
والأدهى أن تسخط المرأة على سنها وحالها فتحاول تغييره والاحتيال عليه بوسائل عدة قد تجعل حياتها على المحك على طاولة العمليات وتحت مبضع الجراح، أو تذهب على طريقة القدماء إلى العطار محاولة إنعاش وترميم ما انكمش وترهل وبرز فوق الحد في قد ما عاد مياسا كغصن البان.
حتى ثقافتنا استجابت لهذه النزعة التصغيرية والهروب من السن وصارت تروِّج لها، فنجد الفيلسوف “كابو” يقول: “أذكى الأزواج وألطفهم معشراً، هو الذي ينادي زوجته مهما بلغ العمر: يا صغيرتي”، ويقسّم الظرفاء أعمار المرأة الى سبعة: طفلة، فتاة، شابة، شابة، شابة، شابة، شابة، وقيل أيضاً: “الأعمار عند المرأة تحسب بطرح السنين لا بجمعها”.
وقد تناسى الناس أنَّ لكل مرحلة عمرية جمالاً وخصوصية، وأنَّ الإنسان لو لم يتغير مع كل مرحلة لأصبح معاقاً عن الحياة جسمه يكبر وشعره يشيب وما زالت تصرفاته طفولية، وهذا ما انتقده “روسو” فقال: “الإنسان في العاشرة لا يفكر إلاَّ في الحلوى، وفي العشرين لا يفكر إلاَّ في معشوقته، وفي الثلاثين يلبي نداء الشهوة، وفي الأربعين تصبو نفسه الى المطامع الكبيرة، وفي الخمسين يتعبد المال ويقتر على نفسه، فمتى يطلب الحكمة؟”.
وهذا الانزعاج من تقدّم العمر يعكس حالة إنسانية عامة من عدم الرضى بالحال من كل أطراف المجتمع، وليس فقط من النساء، وإن كان الأمر أشد وضوحاً في حالتهن، ولقد أحسن العقاد تصوير ذلك فقال:
صغير يبتغي الكبرا وكبير ود لو صغرا
وخال يبتغي عملا وذو عمل به ضجرا
ورب المال في تعب وفي نصب من افتقرا
فهل حاروا مع الأقدار أم هم عارضوا القدرا؟
وهذا يدلِّل أنَّ الكثيرين لا يتقنون فن الحياة، فتضيع الأعمار منا ونحن نبحث عن المفقود دون أن نستمتع بالموجود، ونحن نلهث وراء السراب دون أن نقدر قطرات الماء في أيدينا، نتعجل المستقبل في أوّل حياتنا ثمَّ نهرب منه مخافة أن تأتي معه النهاية!! فهل رغبة البشر في الخلود وبحثهم عن إكسير الحياة السبب في محاولاتهم إيقاف عداد السنين؟
ماذا عن الصحة التي قد تذهب بلا رجعة مهما استمتنا في الحفاظ عليها؟ ماذا عن السأم الذي قد يصيب النفس والدنيا تتغير والأحباب يخرجون ولا يعودون والمرء يرى نفسه قد أصبح شجرة يابسة بلا فروع؟ ألا يكون التقدّم في العمر الممهد للموت راحة من كل هذه الشرور؟
وبعض المجتمعات العربية تزيد من هذه العقدة عند النساء، وبالذات إذا كانت المرأة محجبة، فترى البعض يناديها بلقب “حجة” حتى لو كانت صغيرة السن، واستخدام اللقب يحمل معاني التقدم في السن والأمية أحيانا، أو “خالتو” وهو أكبر منها، ولا بأس بهذا كله شريطة أن لا يكون ذلك دلالة استصغار وتقليل لمكانة وقدر المحجبة التي تنادى بالحاجة وقد تكون طبيبة أو أستاذة أو ربة بيت متعلمة أو سيدة أعمال.
ولا يجب أن نهرب من لقب الحاجة حتى لو أساء البعض استخدامه، فاللقب في الأصل مقرون بأداء أعظم فريضة مطهرة يرجع منها الإنسان كيوم ولدته أمه ببداية جديدة تسقط عن الكاهل أعواما من الذنوب والتفريط، ولا يجب أن نهرب من لقب الخالة أوالعمة الذي يحمل معاني الحب والمسؤولية والفرح بالأسرة التي كبرت وتوسعت، فالخال والد، والبنات مأخوذات من صدور العمات كما يقول المثل.
نحن الذين نعطي أعمارنا وألقابنا قيمتها بتصرفاتنا إمَّا علوا أو سفولاً، ورب حي كميت ولو صغر سنه، ورب ميت استمر عمره وتضاعف بطيب ذكره وعمله.
ما أسوأ أن يمضي العمر ونحن نركض خلفه دون أن نستغله ونفرح بما آتانا الله حتَّى لو جاء معه شيبة بيضاء وتجعيدة هنا وهناك، فقد جاء في الحديث الشريف: ((من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة))، [صحيح ابن حبَّان]، وفي رواية أخرى: ((إلاَّ كتب له بها حسنة وحط عنه خطيئة و رفع له بها درجة))، [مسند الإمام أحمد].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

alt

إقرار أول قانون للحماية من العنف المنزلي في السعودية

قال مسؤول في مجال حقوق الإنسان إن السعودية أقرت قانونا مهماً يهدف إلى حماية النساء …