دور المربي في تعزيز القيم في نفوس المتربين

الرئيسية » بصائر تربوية » دور المربي في تعزيز القيم في نفوس المتربين
alt
خاص- بصائر

يقول الإمام الغزالي: (أولادنا جواهر، لذا كان حريٌ بنا تعلم حرفة الصِّياغة، ومعرفة الأدوات والظروف الملائمة لمثل هذه العملية للحصول على أنقى وأجمل شكل).

فأنت أيُّها الصَّائغ من (أبٍ وأمٍ ومرشدٍ ومربٍّ) ممَّن سيصوغ هذه الذَّات، ويجعل منها شخصية إيجابية، عليك فهم هذه المهمَّة، والتعامل الجيّد معها، لتخرِّج نفساً على درجة عاليةٍ من اللياقة الفكرية والشعورية والنفسية، تتمتع بالطمأنينة والارتياح مزدهرة بالإنتاجية الفاعلة، فكم نحن بحاجة إلى مثل تلك النماذج التي تفتقر لها الأمَّة.

تعالوا معي لننتقل إلى المستوى التربوي لندرسَ إحدى الحالات لأبٍ أو معلم جاهل بأساليب التربية الإسلامية، فهو دائم القول على مسمع ابنه أنَّه ولد فاشل، وعديم الفائدة، وغبي، ولن ينجح في أيّ شيء.. هذا إن لم ينعتْه أيضاً بأسماء الحيوانات وقبيح العبارات والجهل والتخلف..

في رأيّكم ما الشّعور الذي سينتاب هذا الابن، وكيف سينعكس على شخصه البريء؟!
بالطبع سيشعر الطفل أو الابن بالإحباط والانكسار ليجد نفسه يدور في دائرة مغلقة سيئة تنتج لنا شخصية سلبية مرفوضة أو عدوانية ممقوتة.

كيف يحدث ذلك؟

حينما تتكرّر هذه الألفاظ المشينة على مسمع الطفل من أيّ شخص له عليه سلطان يتم اختزان هذا الكلام في العقل الباطن (اللاَّواعي)، والأصعب من ذلك لا يُختزن الكلام وحده فقط، بل يُختزن معه الشُّعور المصاحب له، فعندما يسمع هذا الكلام المحبط تثور في نفسه مشاعر اليأس والإخفاق والغضب والإحباط، فتكون هذه الكلمات والمشاعر السلبية مسؤولة عن بلورة مفهومه عن ذاته.

لذلك فإنَّ هذا الطفل أو الابن كلَّما حاول إثبات ذاته بالنَّجاح والتقدّم أو فكّر في المبادرات الإيجابية يحضره ذلك الكلام الجارح والألفاظ المحبطة التي خزنت في العقل الباطن مع المشاعر المؤلمة المصاحبة لها، فينأى بنفسه عن أيّة محاولة أو مبادرة إيجابية، والنتيجة فشل الأسرة أو المدرسة في أن تخرّج للمجتمع فرداً صالحاً قوياً مبادراً قابلاً للنّمو والتقدّم، في الوقت الذي نحن فيه بأمسِّ الحاجة للشخصيات المثالية والقيادية الفعَّالة في مجتمعاتنا التي تشكو من الضّعف الديني والأخلاقي والسياسي والقيادي.

فلماذا هذا الجهل وهذه السلبية في التعامل مع الأبناء؟!

تأكّدوا أيّها الآباء والمربّون أننا لن نخسر شيئاً إذا بَثَثْنا في نفوس أطفالنا وعقولهم روح الأمل والتفاؤل، وأعطيناهم إيحاءً بأنّهم أكفاء، وأنَّ لهم مستقبلاً زاهراً، وأنّهم أهلٌ لذلك، حتى وإن لم يكونوا يملكون من القدرات والمهارات أو الذكاء إلاَّ النَّزر اليسير، فإنّ دعمكم لهم بعبارات التشجيع والتحفيز تلك التي تخزّن في عقلهم الباطن، ستصقل شخصياتهم وترسم لهم طريق النَّجاح والفلاح والتفوّق والتميّز، كأن تقول له –حتى أمام أصغر وأقل الأعمال– عملك هذا رائع جداً، وهو يحتاج فقط لتعديلات بسيطة ليصبح أروع..، أنت إنسان متميّز ولتصبح أكثر تميزاً عليك بكذا وكذا..، بعملك هذا ستصعد إلى القمَّة، فثابر على ذلك لتصل وتثبت مع تعديل خطئك البسيط..، أخلاقك رفيعة وتحتاج للمزيد حتى ترقى إلى خُلق الرسول الكريم صلَّى الله عليه وسلم، أنا فخور بكَ فأنت أمل الأمَّة لولا أن تفعل كذا..، هذا هو نهجُ رسولِنا الكريم عليه الصَّلاة والسَّلام في تربيته للنشء وتوجيههم وإرشادهم، فتأمّلوا معي هذه القصة الجميلة التي وردت في هذا الحديث الشريف، أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان الرّجل في حياة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إذا رأى رؤيا قصّها على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فتمنيتُ أن أرى رؤيا، فأقصها على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فرأيت في النَّوم كأنَّ ملكين أخذا بي، فذهبا بي إلى النَّار، فإذا هي مطويةٌ كطيِّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناسٌ قد عرفتُهم فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقيت ملكاً آخر فقال لي: لم تُرَع. فقصصتها على حفصة، فقصّتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( نِعْمَ الرَّجل عبد الله لو كان يُصلي من الليل))، أخرجه البخاري، فكان بعدُ لا ينام من الليل إلاّ قليلاً.

هكذا أثر مدح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (نعم الرجل عبد الله) فنبهه إلى أمرٍ غفل عنه وبأسلوب رائع محبّب إلى النَّفس: (لو كان يصلي من الليل)، وهكذا جاء المدح والثناء في مكانه المناسب، وزمنه المناسب، يؤتي ثماره في كلِّ حين.

أيضاً أيها المربّون الأحبَّة، تعلَّموا كيف تتعاملون مع أخطاء أطفالكم وأبنائكم بـأساليب تربوية ناجحة، فإن أخطأ الطفل لا أوبّخه ولا أوجّه له اللّوم لشخصه، بل أمتدح شخصه، وأشين فقط العمل الذي قام به.

فإن كذَب مثلاً سأقول له: أنت طفل رائع ومؤدّب، وكنتَ دائماً تصْدقني القول، وسيكتبك الله تعالى عنده من الصَّادقين –إن شاء الله– ولكن قولك هذا الذي شابه بعض السّوء من كذب لا يناسب شخصك الصَّدوق، فالأقوال الكاذبة ليست من شِيم وخلق المؤمنين الصَّالحين مثلك، واللِّسان الكاذب لا يتوافق مع القلوب النَّظيفة النقيَّة كقلبك، ثم إنَّك تمثّل القدوة بيننا وبين أصحابك وأقرانك.. إلخ، من كلمات ترفع من معنوياته وتعزّز ذاته فيستحي من الأفعال الشائنة.. ومرَّة تلو المرَّة، ويوماً بعد يوم ستجده هو بنفسه ينبذ الأخلاق الذميمة والأفعال القبيحة، ويرفضها شيئاً فشيئاً، لأنَّ نفسه أصبحت تتوقُ لأنْ يمثّل الطفل الخَلُوق المؤدّب الذي ارتجاه والداه ومعلموه، فقد غَرسْتَ في نفسه وقلبه وعقله الواعي واللاواعي احترامه لذاته وثقته بنفسه من خلال تخزين انطباعات إيجابية عن الذَّات بالكلمات المشجّعة والمقولات المحفّزة، فيكوّن بذلك صورة إيجابية عن ذاته ترقى به كفرد صالح في مجتمعه.

إذن، لا نبخل على الأبناء بالتَّشجيع والثناء دون مبالغة، فأبناؤكم أمانة في أعناقكم.. فأحسنوا تنشئتهم وتربيتهم، ولا تعدموا الوسيلة إن فاتكم ما فات.. فهناك دائماً فرصٌ عظيمة للتفوّق ومجالات كثيرة للتحسّن، وآفاق ممتدة للتقدّم.

--------------------------------------------
للاستزادة: كتاب المسلم الإيجابي – أ. د. عبد الكريم بكّار.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …