أصحاب القلوب يحسنون صنع الأصدقاء (1)

الرئيسية » بصائر تربوية » أصحاب القلوب يحسنون صنع الأصدقاء (1)
alt

"أصحاب العقول حسّادهم كثيرون، أمّا أصحاب القلوب فأصدقاؤهم كثيرون"، حكمة بالغة صدرت عن حكيم لديه القدرة في التعامل مع النَّاس، وناجح في الاتصال بهم، فالتَّعامل مع المجتمع فن يربح كثيراً من يجيده، فيجذب القلوب ويخطف الألباب ويصبح قادراً على التأثير فيها، وأهم هذه الفنون هي المعادلة التي رسمها العديد من علماء الاجتماع للنَّجاح مع الناس، والتي تقوم على أن تجعل نفسك هي الميزان بينك وبين الناس، وكما يقولون دائما: "اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تَظلِم كما لا تحب أن تُظلَم، وأحسِن كما تحبّ أن يُحسَن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من النّاس ما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك".

مقياس النجاح

هكذا رسم العلماء مقياس النَّجاح مع النَّاس، فيجب أن يعلم  الفرد أن الإيجابيّ بالنسبة لنفسه إيجابيّ بالنسبة لهم، والسلبيّ بالنسبة لها سلبيّ بالنسبة لهم، وبالعمل بمثل هذه المعادلة تكون قد عدلت في العلاقة، والعدل هو غاية الانسانية كلّها، فليس خلق أرفع وأجمل وأنفع من العدل يسود بين الناس، فأنت حسب هذه المعادلة لا تنتظر العدل يأتيك من الآخرين، بل إنّك تبادر إليه لتكون أوّل عامل به، وبطبيعة الحال، فإنّ الخير يستجلب الخير، وإنّ العدلَ يدفع إلى عدل مثله.

الأمر الآخر هو أنَّه بالعمل بهذه المعادلة نستطيع تحويل ساحة الحياة الواسعة من ساحة مزروعة بالألغام والمتفجرات، إلى ساحة تكثر فيها الواحات الجميلة والخمائل النضرة، أي أنّها تتحوّل إلى جنّة مصغّرة، فحين يكون الآخرُ أخاً وصديقاً وزميلاً أو أيّ إنسان آخر  نصب عيني.. أستذكره في غضبي ورضاي، وأعرف ما يزعجه من خلال ما يزعجني ـ فلا آتي به، وأعرف ما يحبّه من خلال ما أحبّه وأرضاه، فأفعله، فإنّني أكون أحد السَّاعين إلى تحويل جفاف الحياة إلى جنّة وارفة الظِّلال، يضاف إلى ذلك، أنّ هذه القاعدة ليست إسلامية فقط، إنّها إنسانية أيضاً، والإسلام ـكما هو معلوم إنسانيّ في كلّ ما جاء به، فحتّى أبناء الديانات الاُخرى يدينون بهذه القواعد الأخلاقية والاجتماعية، بل إنّ بعض المختصين في علمي النفس والاجتماع يدعون إلى الأخذ بها في مجال التهذيب الاجتماعي وتطوير العلاقات الإنسانية.

يقول مدير معهد العلاقات الإنسانية الأهلي في نيويورك (جيمس بندر): "القاعدة الأُولى التي وصفها الحكماء هي تلك التي تمثّلت في القول الخالد: أحبب لأخيك ما تحبّ لنفسك"، فهو يصدّر بها لائحة القواعد التي تساعد على اجتذاب النَّاس، ويعدُّها الخطوة الأُولى والمهمّة في الطريق إلى "الشخصية الجذّابة".
ويقول صاحب كتاب «كيف تكسب الأصدقاء ؟! » (دايل كارنيجي) : « أظهر ما استطعت من اهتمام بالناس، فهو ثروتك التي تزداد نموّاً كلّما أنفقت منها".

الشخصية الجذابة

فالشخصية الاسلامية الاجتماعية الجذّابة، تكون محبة للناس ومحبوبة أيضا منهم، بيد أنها تحتاج إلى جهد معين نبذله في طبيعة التعامل مع الآخرين حتّى نحسنه ونتقنه ونجيده، تماماً كما هو تعلّم أيّة مهارة من المهارات، ففنّ التعامل الاجتماعي شأنه شأن أي فنّ من الفنون لا يتأتّى بالتمنّي، إنّما هو حصيلة نشاط يبذله الشاب أو الشابّة، وقد يبدو في البداية ـ كما هو طبيعة البدايات ـ صعباً لمن لم يتعوّده، لكنّه مع مرور الأيام وتكرار التجربة والابتهاج بحصادها الوفير، سيشكِّل متعة نفسية واجتماعية وروحية ما بعدها متعة، يومَ تجد أ نّك وقد فتحت أحضانك للناس من حولك لتقوم لهم: أنا على استعداد إلى أن أضمّكم إلى قلبي .. وها أنذا أفعل !!، ستجد أنّ الأحضان المقفلة التي سبق أن واجهك بها الآخرون، لا تلبث أن تتفتّح بمجرّد أن تستشعر صدق حبّك واحترامك لها .. فليس أجذب إلى الحبّ من الحبّ، وإلى القلبِ من القلب، وإلى الألفة من الألفة، وإلى حسن المعاشرة من حسن المعاشرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …