المواطنة.. حقٌّ لجميع أبناء الوطن الواحد

الرئيسية » بصائر الفكر » المواطنة.. حقٌّ لجميع أبناء الوطن الواحد
alt

احتلت كلمة "المواطنة" صدر صفحات الصحف وشاشات الفضائيات العربية في الآونة الأخيرة، خاصة مع الصعود المرتفب لأبناء الحركات الإسلامية مع أوّل انتخابات نيابية تجرى عقب نجاح الثورات الشعبية في مصر وتونس، وتوقّع نجاحها في كثير من البلدان العربية؛ إذ ذهب بعض المفزّعين والمغرضين إلى النيل من الحركات الإسلامية، وتصدير حالة من الخوف في نفوس أبناء الوطن الواحد للانتقاص من رصيد أبناء الحركات الإسلامية في أية انتخابات مقبلة، مستخدمين في ذلك فكرة "المواطنة" كرأس حربة للنيل من الحركات الإسلامية، في محاولة منهم للادّعاء بأنَّ المنهج الإسلامي يتعارض مع حقوق المواطنة، ويعلي من مكانة أتباع الدّين الإسلامي على حساب أبناء الديانات الأخرى، وهو ما يخالف تمام الخبرة التاريخية والرؤية السياسية للحركات الإسلامية في كثير من البلدان العربية، والتي تؤمن عن قناعة بحقوق المواطنة لجميع أبناء البلد الواحد، حيث يتساوى في ذلك أتباع الدين الإسلامي مع غيرهم.

 

ويؤمن أبناء الحركات الإسلامية بأنَّ بلدانهم لكلِّ المواطنين الذين يتمتعون بجنسيتها وجميع المواطنين يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية، يكفلها القانون وفق مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، كما يؤمنون بأنَّه على الدولة والمجتمع العمل على ضمان قيام الأوضاع الاجتماعية اللازمة لتحقيق ذلك، وأن يمكّن الأفراد من المشاركة بفاعلية فى اتخاذ القرارات التى تؤثّر فى حياتهم، وخاصة فى القرارات السياسية.

 

مفهوم المواطنة..

لفظ المواطنة لغة مأخوذ من مادة "و ط ن" لكن ليس على المعنى المصطلح عليه، وفي لسان العرب: (الوطن المنزل تقيم به وهو موطن الإنسان ومحله والجمع أوطان).

 

لكنَّ هذا اللفظ أريد له أن يحمل بعداً فكرياً وأيدلوجياً تبنى على أساسه التصوّرات والتصرّفات في الوطن الذي يحمل اسم "دولة"، ليحل محل الدين في صياغة التصوّرات والأفكار وإقامة العلاقات، خاصة أنَّ هذا المصطلح ارتبطت بدايات ظهوره بتنحية الدّين في العالم الغربي النصراني الذي ظهر فيه، وتغليب مفاهيم بديلة تتنكر للدين وتعلي من قيمة الجنسية والتراب الوطني.

 

و على الرّغم من أنَّ مصطلح المواطنة لم يوجد على هذه الصورة أول أمره، بل أخذ يتطوّر وينتقل من مفهوم إلى مفهوم، بحيث لا يمكن الوقوف على تعريف جامع له، إلاَّ أنَّه ينظر للمواطنة بوجه عام على أنَّها علاقة قانونية بين الفرد (المواطن)، وبين الوطن الذي تمثله الدولة بسلطاتها الثلاث؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، حيث تنظم القوانين السائدة هذه العلاقة، والتي تقوم على أساس الانتماء لوطن واحد خاضع لنظام سياسي واحد بعيداً عن الارتباط بشيء خارج إطار الوطن سواء كان الدّين أو الثقافة أو غير ذلك، وهي علاقة اصطناعية ليست علاقة طبيعية، فهي ليست صفة لصيقة للإنسان بمقتضى إنسانيته، بل هناك طرق لاكتسابها، كما أنَّ الإنسان يمكن أن يفقدها وفق شروط وضوابط معينة.

 

وتعرف دائرة المعارف البريطانية المواطنة بأنَّها: (علاقة بين فرد ودولة يحدِّدها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة)، كما تعرف على أنَّها "التزامات متبادلة بين الأشخاص والدولة، فالشَّخص يحصل على حقوقه السياسية والمدنية نتيجة انتمائه إلى مجتمع معيّن، ولكن عليه في الوقت نفسه واجبات يتحتم عليه أن يؤديها).

 

فالمواطنة هي صفة ينالها الفرد بسبب القانون الذي أضفى عليه صفة المواطن، ويترتب على ذلك حقوق المواطن وواجباته التي يكفلها الدستور.

 

ويرى أصحاب النظريات الوضعية أنَّ اعتبارَ المواطنة هو القاعدة التي تقوم عليها الحقوق لأفراد المجتمع وليس الدين.

 

حقوق المواطنة

لعلَّ من أهم قيم المواطنة التساوي بين جميع المواطنين في حقوق المواطنة وواجباتها، وتيسير سبل التعاون بينهم، ولكي تكون الدولة مراعية لمبدأ المواطنة لابدَّ من توافر مجموعة من الشروط، منها:

 

أ) إحساس المواطن بعدم وجود مظاهر حكم الفرد المطلق أو الأقلية على الأكثرية.

ب) اعتبار جميع السكان الذين يتمتعون بجنسية الدولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو الجنس، وهذا ما ينصّ عليه دستور وقوانين الدولة.

ج) إتاحة الفرص للجميع بالعدالة، وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص في تولّي المناصب العامة، وحق جميع المواطنين في المشاركة السياسية.

د) لابدَّ من وجود ضمانات قانونية وقضائية عادلة يلتجىء إليها المواطن في حالة التعدّي على حقوق المواطنة من قبل الآخرين.

 

مكوّنات المواطنة

للمواطنة عناصر ومكوّنات أساسية ينبغي أن تكتمل حتَّى تتحقَّق المواطنة، وهذه المكوّنات هي:

1 - الانتماء: إنَّ من لوازم المواطنة الانتماء للوطن.. والانتماء هو شعور داخلي يجعل المواطن يعمل بحماس وإخلاص للارتقاء بوطنه وللدفاع عنه..

2 - الحقــوق: إنَّ مفهوم المواطنة يتضمَّن حقوقاً يتمتع بها جميع المواطنين، وهي في الوقت نفسه واجبات على الدولة والمجتمع منها:

أن يحفظ له الدين.

حفظ حقوقه الخاصة.

توفير التعليم.

تقديم الرِّعاية الصحية.

تقديم الخدمات الأساسية.

توفير الحياة الكريمة.

العدل والمساواة.

الحرية الشخصية، وتشمل حرية التملك، وحرية العمل، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي.

هذه الحقوق يجب أن يتمتع بها جميع المواطنين بدون استثناء.

3 - الواجبـات: تختلف الدول عن بعضها البعض في الواجبات المترتبة على المواطن باختلاف الفلسفة التي تقوم عليها الدولة، فبعض الدول ترى أنَّ المشاركة السياسية في الانتخابات واجب وطني، والبعض الآخر لا يرى المشاركة السياسية كواجب وطني.. ويمكن إيراد أهم هذه الواجبات، فيما يلي:

- احترام النِّظام.

- التصدّي للشَّائعات المغرضة.

- عدم خيانة الوطن.

- الحفاظ على الممتلكات.

- الدِّفاع عن الوطن.

- المساهمة في تنمية الوطن.

- المحافظة على المرافق العامة.

- التكاتف مع أفراد المجتمع.

هذه الواجبات يجب أن يقوم بها كلّ مواطن حسب قدرته وإمكانياته، وعليه الالتزام بها وتأديتها على أكمل وجه وبإخلاص.

4 - المشاركة المجتمعية: إنَّ من أبرز سمات المواطنة أن يكون المواطن مشاركاً في الأعمال المجتمعية، فكلّ إسهام يخدم الوطن ويترتب عليه مصالح دينية أو دنيوية كالتصدّي للشبهات وتقوية أواصر المجتمع، وتقديم النَّصيحة للمواطنين وللمسؤولين يجسِّد المعنى الحقيقي للمواطنة.

 

الإمام البنا والمواطنة

ومن بين الاتهامات الشَّائعة التي توجّه للإمام الشهيد حسن البنا، أنَّه قد غاب عنه تأسيسُ موقف حازم من فكرة المواطنة، وأنَّ مقولاته -والتي تتحدث عن أخوة العقيدة- هي تكريسٌ لوضعٍ طائفي يحرم غير المسلمين من الالتحام بإطار المواطنة الجامع.

فالإمام في شروحاته لا مانع لديه من استيعاب صيغة المواطنة بكلِّ معانيها، ولكن دون أن تكون مانعاً من الانضواء تحت مظلة الأمَّة الجامعة أو العروبة، حيث يجب ألاّ يحول دون ذلك سببٌ عرقيٌّ أو جغرافيٌّ أو دينيٌّ.

ويرى أنَّ الوطنية والعروبة والإسلام دوائرُ تتلاقى ولا تتناقض إلاّ إذا كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمَّة إلى طوائف تتناحر وتتباغض، أو أراد أقوامٌ أن يتخذوا من المناداةِ بالقوميةِ الخاصة سلاحًا لهدم الشعور بما عداها، فالإخوان المسلمون ليسوا معهم.

أو أرادوا بالقومية إحياء عادات جاهلية درست وإقامة ذكريات بائدة خلت، ومن أجل ذلك يؤكّد أنَّ الإخوان لا يقولون (فرعونية) (وفينيقية) وما فيها من اعتزاز بالجنس، وفي كل الأحوال هم يتلاقون مع جوهر الوطنية الرَّحبة والانتماء السَّامي؛ لأنَّ حبَّ هذه الأرض وألفتها أمرٌ مركوزٌ في فِطَر النفوس من جهة مأمورية في الإسلام من جهة أخرى وتقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد.

وليظل للمصريين والمصرية في دعوتنا مكانها ومنزلتها وحقّها في الكفاح والنضال؛ لأنَّ الإخوان أشدّ الناس لوطنهم إخلاصًا، وهم يعملون لمصر، ويفنون في جهادهم؛ لأنَّها أرض الإسلام وزعيمة أممه، ويتساءل: (كيف يقال: إنَّ الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعوَ إليه رجلٌ ينادي بالإسلام ويهتف بالإسلام.. إننا نعتز بأنَّنا مخلصون لهذا الوطن الحبيب، عاملون له، مجاهدون في سبيل خيره وسنظل كذلك، وبالتالي يتحرّكون معتقدين أنَّ هذه الوطنية هي الحلقةُ الأولى في سلسلةِ النهضةِ المنشودةِ وأنها جزءٌ من الوطن العربي العام، وكل هذه وحدات).

 

المواطنة بديل الذمة

يرى الدكتور توفيق الشاوي -أستاذ القانون الجنائي وعضو الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين- أن ما قرَّرته الشريعةُ لحمايةِ حقوقِ الأمة وحقوقِ الأفراد ينطبق على المجموعاتِ البشريةِ المكوّنةِ للأمةِ، سواءٌ سُمِّيت طوائف أو أقلياتٍ، وسواءٌ أكان ما يميّزها عن غيرها من الأغلبية هو خصائصها التعاقدية أم الدينية أم اللغوية أم العرقية أم الاجتماعية؟! لأنَّ ذلك لا ينفي عنها صفةَ الإنسانية التي هي أساسُ الحقوق والحريات التي تكفلها الشريعة للفرد والجماعة، بل ويستفيد من ذلك الأجنبي المعاهد المقيم في دار الإسلام الذي لا يختلف عن المواطن إلاَّ في أنَّه لا يجوز إخراجه من البلاد، كما لا يمنع إذا أبدى رغبته في بقائه.

ويضيف: إنَّ مبدأ سيادة الشَّريعة وهيمنتها على الدولة والحكومة يجعل ما قرَّرته من حقوق وحرِّيات إنسانية هي أقوى ضمانة يمكن أن يحقّقها نظامٌ دستوريٌّ لتوفير أكبر قدر من الاستقرار لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب والجماعات والطوائف، وتوفر لهم الحماية من طغيان السلطة الحاكمة أيًّا ما كان نوع الحكومة، حتى لو كانت حكومة أغلبية أو ذات سيادة شعبية، وهذه الحماية موفورةٌ لكلّ الطوائف والمذاهب والأعراق والطبقات المستضعفة في المجتمع، وهذا التوازن الذي تقيمه الشريعة بوقف استبداد الأغلبية الذي قد يفتح لها مبدأ سيادة الأغلبية في الحكم الديمقراطي باب الغلو في اضطهاد الأقليات الدينية.

ويفرِّق د.الشاوي بين العقد المبرم لذمة المحارب في إطار المعاهدات الدولية كالصلح أو الإنفاق العسكريين وبين ذمة المواطن، فهي وضع دستوري، ومن مزايا الفقه الإسلامي أن يَعتبر التعاقد أساسَ وجود الدولة أو الحكومة، وأن الدستور ذاته هو عقدٌ لتنظيم علاقاتِ جميعِ الأفرادِ بالدولةِ والحكومةِ، سواءٌ كانوا أغلبيةً مسلمةً أو أقليةً غيرَ مسلمةٍ كما هو الحال في العقد الاجتماعي والنظريات الأوروبية، فانتماء الأفراد جميعًا إلى الأمة الإسلامية عقدٌ قد يأخذ صورةَ البيعة مثل بيعة العقبة التي التزم بها وفدُ المدينة.

كما أنَّ صفة المواطنة ليست أفضلَ من صفةِ الذمّة، ويقول: "ونحن لا نقرُّ أنَّ هناك تعارضًا بين الإصطلاحين، ولا نرى ضررًا من استخدم مصطلح المواطنة إذا كان الغرض من ذلك محو ذكريات الممارسة المهينة الخاطئة التي كان يتعرَّض لها المواطنون غير المسلمين في عهود التخلف".

 

حق الممارسة السياسية..

ويدعو الأستاذ سعيد حوى رحمه الله -أحد قادة الإخوان في سورية- غيرَ المسلمين في كلّ قطر من أقطار الأمَّة الإسلامية إلى ميثاق عمل يعترفون فيه بأنَّ السلطة للإسلام، فهذا عقدهم معنا منذ قرون، ثم بعد ذلك لهم حقُّهم في الدخول إلى المجالس النيابية والمشاركة السياسية وإنشاء مدارسهم الخاصة، وهم يشتركون في المدارس العامة، ولهم حقُّهم في محاكمهم أن تكون على مقتضى شرعهم، مع حقهم في الاحتكام إلى المحاكم العامة، وحقهم في الضمان الاجتماعي محفوظٌ وفي تصريف شؤونهم الدينية محفوظ، أمَّا الجزية فهم بالخيار بين أن يدفعوها ويُعَفوا من الخدمة العسكرية أو يشاركوا فيها.

ويرى أنَّ التعبير الإسلامي الذي استعمل خلال العصور مع أهل الذمة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" هو الذي يحكم علاقاتنا مع كلِّ مواطن غير مسلم على الأرض الإسلامية، مشيرًا إلى أن وجود غير المسلمين على أرض الإسلام بعد سنين طويلة من حكم الإسلام لَدَلِيْلٌ على أنه لا يوجد ما يشكون منه، ولو أنهم كانوا غير مرتاحين خلال العصور ما استطاعوا الاستمرار، ونحن ندعو إلى تطبيقٍ أخفّ لا إلى تطبيق أشد.

وكان من آراء الدَّاعية الإسلامي فتحي يكن -رحمه الله- أنَّ التشريعُ الإسلاميُّ ضمن حقوق أهل الذمّة في الحياة والعبادة واختيار القانون الذي يُحكَمون به وحق تنفيذ ما تأمرهم أو تسمح به شريعتهم الخاصة والحقوق الاجتماعية، فلهم حق المساواة، فليس في الإسلام خرافة "شعب الله المختار" أو العِرق النَّازي الممتاز، فالناس سواسية، والمساواة في القيمة الاجتماعية، وفي تقلد الوظائف العامة، فيستطيع المسيحي أن يتقلدَ كلَّ الوظائف الحكومية دون تمييز بينه وبين المسلم إلاَّ حسب الكفاءة والقدرة، ويستطيع أن يكون وزيرًا في الدولة الإسلامية، كما أنَّ له المساواة أمام القضاء فضلاً عن حق المواطنة، وهناك الحقوق الاقتصادية كحق تأمين العمل والتأمين الاجتماعي عند الفقر وحق التملك.

فيما يرى الشيخ راشد الغنوشي- رئيس حركة النَّهضة التونسية- أنَّ مصطلح أهل الذمَّة لم يعد لازمَ الاستعمال في الفكر السياسي الإسلامي، طالما تحقق الاندماج بين المواطنين، وقامت الدولة على أساس المواطنة أي المساواة حقوقًا وواجباتٍ، واستشهد بالدولة الإسلامية في صدر الإسلام؛ حيث تعرّضت الصَّحيفة التي وضعها الرسول لبعض المشكلات، مثل مشكلة المواطنة، وأنَّ جميعهم يكوّنون أمةً من دون الناس، وهي الأمَّة السياسية التي يشترك أفرادها في الإدارة المشتركة في التعايش السّلمي والولاء للدَّولة والدِّفاع عنها.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …