خلق الالتجاء إلى الله .. في دعاء الأنبياء

الرئيسية » بصائر تربوية » خلق الالتجاء إلى الله .. في دعاء الأنبياء
alt

إنَّ المؤمن في هذه الحياة الدَّنيا مخلوق ضعيف إلاَّ إذا اتصل بخالقه سبحانه وتعالى، واستمد منه القوَّة واليقين، فمن كان الله معه لا يضير أيّ مخلوق، ولن تخفيه الأهوال والصِّعاب، ولن  تضعفه المشكلات والمحن، فعندما تشتد الآلام وتضعف القوى ويعصف البلاء،  وتغلق الأبواب، فلا ملجأ ولا منجى إلاَّ بالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى بالدّعاء الخالص والتضرّع الكامل، والانقطاع عن كلِّ الأسباب إلاَّ ما كان متصلاً به جلَّ وعلا، فبالدّعاء تفتح الأبواب، ويذهب البلاء، وتحلّ الرَّحمة، فهو سبب لذلك، كما أنَّ الماء سبب لخروج النبات من الأرض.
ولنا في سيرة الأنبياء والمرسلين قدوة في هذا الطريق، ولنا فيها الدروس والعبر في هذه الحياة الدنيا، حيث يلهم الله سبحانه قلوب أنبيائه إلى الالتجاء إليه بالدّعاء ..

أدب العبد مع الله في دعاء نوح ..

نوح عليه السَّلام دعا  ربَّه ليغفر له ؛ إنَّه الأدب النبوي الكريم في حضرة الله العليّ العظيم، فهو لا ينسى أنَّه بشر، يخطّئ ويقصِّر وينسى ويسهو، وأنَّه مهما يطع ويعبد الله، لا يدخل الجنَّة بعمله إلاَّ أن يتغمَّده الله بفضله، وهو في دعائه لنفسه لا ينسى الأقربين، فالدُّعاء للوالدين بالمغفرة والرَّحمة إن كانوا أحياءً أو أمواتاً واجب على كل مسلم، وجوب الطَّاعة لهم وخفض الجناح، ثم يكتمل الدَّعاء للأمَّة الإسلامية جمعاء، فهو فرد من أفرادها، يعيش همومهم، ويتألَّم لمصابهم، ويشعر لآلامهم...
{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا}. (نوح:27).
عندما تشتد الآلام وتضعف القوى ويعصف البلاء،  وتغلق الأبواب، فلا ملجأ ولا منجى إلاَّ بالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى بالدّعاء الخالص والتضرّع الكامل، والانقطاع عن كلِّ الأسباب إلاَّ ما كان متصلاً به جلَّ وعلا

نعمة الأمن في دعاء إبراهيم ..

إنَّ نعمة الأمن في الأرض نعمة ذو أهمية كبرى في حياة الإنسان،  لأنَّها متصلة بنفسه، عظيمة الوقع في حسِّه، فلا يستطيع أنَّ يمارس نشاطه ودعوته وهو غير آمن، سواء كان هذا الأمن في المسكن أو الملبس والمشرب، قال الله تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}.
ولا تكتمل نعمة الأمن إلاَّ إذا كانت متصلة بالتَّوحيد الخالص، فلا معنى أن يحيا الإنسان آمناً، وهو - والعياذ بالله - يعبد الأصنام كافراً بأنعم الله سبحانه.
إنَّ الأصنام في عصرنا قد تعدَّدت أشكالها وتنوَّعت ألوانها، وأصبحت تشغلنا وتلهينا عن التوحيد والعبادة الصحيحة لله سبحانه، يقول الرَّاغب الأصفهاني: (فالقوى الرَّديئة والإرادات الرَّديئة في ذات الإنسان جارية مجرى أصنام قلَّ ما ينفك الإنسان من عبادتها كما قال الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} .
ويشرك نبي الله إبراهيم أبناءه في دعائه، وهذا خلق نبوي فاضل، لأنهم مسؤولية وأمانة؛ في توريثهم العقيدة السليمة والعمل الصَّالح ..
{ وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد آمنا، واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام . ربّ إنهن أضللن كثيراً من الناس }. (إبراهيم:37).

التَّوبة الصَّادقة في دعاء يونس  ..

إنَّ الاعتراف بالذَّنب والتَّقصير أسهل الطرق إلى التوبة النَّصوح، يقول الشهيد سيّد قطب مصوّراً قصة اعتراف نبي الله يونس بالذَنب :(إنَّ يونس لم يصبر على تكاليف الرِّسالة، فضاق صدراً بالقوم، وألقى عبء الدَّعوة، وذهب مغاضباً، ضيّق الصَّدر، حرج النفس؛ فأوقعه الله في الضيق الذي تهون إلى جانبيه مضايقات المكذبين . لولا أن ثاب إلى ربه واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه، لمَّا فرج الله عنه هذا الضيق).ففي دعوة ذي النون عليه السَّلام ميّزات ثلاث؛ هي: الاعتراف بالتَّوحيد، والاعتراف بالتقصير، والاستغفار.
{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}.(الأنبياء:87-88(.

الافتقار إلى الله في دعاء أيوب  ..

إنَّ الابتلاء والمحن من سنن الله الجارية على الأنبياء والرُّسل والصَّحابة والتابعين والعلماء والدّعاة على مرّ العصور والأزمان، فمن الأنبياء الذين أصابهم الابتلاء، نبي الله أيوب عليه السَّلام، فقصته من أروع قصص الابتلاء؛ إنَّه الضّر الذي أصابه، فيلتجئ إلى مولاه وخالقه، فيناديه نداء الصابر المحتسب واصفاً حاله ولا زيد عن بضع كلمات .. { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} . يقول صاحب الظلال : (ووصف ربَّه بصفته: { وأنت أرحم الراحمين } . ثمَّ لا يدعو بتغيير حاله، صبراً على بلائه، ولا يقترح شيئاً على ربه ، تأدباً معه وتوقيراً).
إنَّ نبي الله أيوب عليه السَّلام كان قبل مرضه من المنفقين في سبيل الله بكافة أوجهه، فقد كان من الأغنياء الكبار في عصره، فابتلاه الله تعالى بأخذ ماله وأملاكه فصبر وشكر، إلى أن ابتلاه بكربة المرض الذي عافاه الله تعالى منه بعد أن هجره الناس وتركوه وحيدًا، فلم يكن له سوى اللجوء إلى ربِّه وخالقه، فكشف الله عنه كربته وأعاد إليه عافيته وأمواله وأملاكه.
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. (الأنبياء:93).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …