تليمة: الجزية اختراع غير إسلامي يمكن إلغاؤه

الرئيسية » بصائر الفكر » تليمة: الجزية اختراع غير إسلامي يمكن إلغاؤه
alt

مع الصعود الملحوظ للحركات الإسلامية في عالمنا العربي، ومع اكتساب هذه الحركات رصيداً متنامياً في العقود الأخيرة، والتي وصلت ذروتها مع اندلاع الثورات الشعبية في بعض البلدان العربية التي من بينها مصر وتونس –حتى الآن– يعاد عرض بعض القضايا الجدلية التي يحاول مثيروها النيل من رصيد الحركات الإسلامية؛ من بين هذه القضايا المواطنة والجزية وحرية العبادة والدولة المدنية، وهو ما دفع موقع "بصائر" للوقوف على حقيقة هذه القضايا مع الشيخ عصام تليمة عضو جبهة علماء الأزهر، وعضو مؤسس بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمدير السَّابق لمكتب الشيخ يوسف القرضاوي، والذي أكَّد لنا على حق غير المسلمين في بناء دور عبادتهم، وحرية تعبدهم داخل ديار الإسلام، كما أكَّد لنا على أنَّ مفهوم الجزية ليس من الإسلام، وإنَّما كان عادة انتشرت في المجتمعات وقتها، وأنَّها لو كانت ركنا من أركان الإسلام لما تنازل عنها سيّدنا عمرُ بن الخطاب، وإلى تفاصيل الحوار:

- بداية كيف تقيّم مفهوم المواطنة من المنظور الإسلامي؟

**مفهوم المواطنة من المنظور الإسلامي هو أن يتساوى جميع المواطنين في الدولة الواحدة في الحقوق والواجبات، ما لم يكن هذا الحق يخص حقّاً دينيا محضاً يخص ديانة بعينها، فليس معنى المساواة في المواطنة أن يطلب مسلم أن يعيّن قسيساً في كنيسة وهو مسلم، ولا أن يعيّن مسيحي إماماً يؤم بالنَّاس في وزارة الأوقاف بدعوى المواطنة، لكنَّ المقصود هنا أنَّها دولة مواطنة يتساوى فيها الجميع أمام القانون في الحقوق العامة جميعاً، وفي الواجبات تجاه الدولة، ولا يشعر أي طرف من الأطراف بانتقاص منه، أو تمييز ضده.
- هل معنى هذا أنَّ "المواطنة الكاملة والمساواة"يستوي فيها المسلم وغير المسلم؟

**نعم المواطنة الكاملة والمساواة، يستوي فيها المسلم وغير المسلم، ما عدا الخصوصيات الدينية التي أشرت إليها سابقاً.

- هل من منطلق المساواة في الحقوق والواجبات يقتل المسلم إذا قتل غير المسلم؟

**في مذهب الإمام أبي حنيفة وهو الراجح في ذلك: أنَّ القاتل يقتل مهما كانت ديانة القتيل، مسلماً كان أو غير مسلم؛ لأنَّ الدماء مصونة في الإسلام، والآدمي مكرَّم في الإسلام (ولقد كرمنا بني آدم)، ولا يوجد في الإسلام دماء رخيصة ودماء نفيسة، الدّماء كلّها محرمة في الإسلام، فمن قتل يقتل، ولقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}.

- هل التساوي في جميع هذه الحقوق تحت مظلة المواطنة يبيح للمسلم أن يبيع أرضه لغيرالمسلمين؟

**بيع الأراضي معاملة مدنية، شأنها شأن أي معاملة، سواء للمسلم وغير المسلم، فهو أمر جائز مثله مثل أي معاملة كشراء سكر أو زيت، أو بيع سكر أو زيت، لا فرق بينهما، وتربطه أحكام الإسلام التي تحكم على بيع ذلك للمسلم أيضاً.

- إذا تحدّثنا عن دور العبادة لغير المسلمين في البلد المسلمة هل يسمح لغير المسلمين ببناء أماكن للعبادة (وخصوصا غير الكتابيين)،وهل تدق الكنائس كما تؤذن المساجد؟

** بالتأكيد يجوز، بل من حق غير المسلم أن يتعبَّد في معبده، وأن يترك له الحرية في بنائه، وهو ما أفتى به عالمان مصريان كبيران من سلف الأمَّة: ابن لهيعة، والليث بن سعد، حينما استفتاهما السلطان في بناء الكنائس، فقالا له: هي من عمارة ديار الإسلام، وهو من الحرية الدينية التي يكفلها الإسلام، وينهى عن التضييق فيها على أصحاب العقائد والديانات الأخرى (لكم دينكم ولي دين).

- هل يجوز لغير المسلمين الترشح للانتخابات وتكوين الأحزاب في البلد المسلمة؟

** الترشح للانتخابات وتكوين الأحزاب هو عمل سياسي، والسياسة عمل وطني يهدف إلى خدمة الوطن، وهو أمر يدخل في باب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وباب (الدين النصيحة)، وهو أمر يهم المسلم وغير المسلم، فهو مواطن يعيش ويحيا في هذا الوطن، ويهمه خدمته، فكل يشارك في خدمة الوطن بما لديه من خبرة وقدرة، فله حقُّ الترشح لكلِّ المناصب السياسية، ولكلِّ العمليات الانتخابية، ومن حقّه تكوين حزب يعبّر عنه وعن رأيه وتوجهه السياسي كذلك.

- ماذا عن موقف الاسلام من فرض الجزية على غير المسلم في الدولة المدنية؟

**الجزية اختراع غير إسلامي، وجاء الإسلام ووجده، وأقرّه كوضع موجود، بل طوَّر فيه، وهو ليس أمراً دينياً متعبّداً به في ديننا، يمكننا إلغاؤه، وهو ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما جاءه نصارى تغلب وهم عرب، فقالوا: إننا عرب ونأنف من كلمة الجزية، فنحن نعرض عليك أن ندفع ضعف الجزية، ولكن باسم الضريبة، فوافق عمر على ذلك رضي الله عنه، فلو كانت ديناً لما تنازل عنها، بل هي أشبه بما يسمَّى في حياتنا الآن: الخضوع لقوانين الدولة، ودفع الضريبة.

- هل في تقديرك هناك تعارض بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية؟

** لا يوجد تعارض بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية، لأنَّ الإسلام ضد الدولة الدينية، بل دولته دولة مدنية غير أنَّها ذات مرجعية إسلامية، فلم يعرف في تاريخنا أن حكمنا رجل دين، بل حكم المسلمين رجال حكم وسياسة مدنيون، فأبو بكر الصديق لم يكن عالم دين، وعمر بن الخطاب كذلك، فقد كان ابنه عبد الله أعلم منه وأكثر رواية بالحديث منه، وكذلك عمرو بن العاص كان أميراً على مصر، وابنه عبد الله كان أكثر فقها منه وعلماً ورواية للحديث عن رسول الله، ومع ذلك لم يحكم، بل حكم المسلمين في دول الإسلام رجال مدنيون.

- ماذا يعنى من وجهة نظرك الحزب المدني بمرجعية إسلامية؟

**يعني أنَّه حزب يرأسه مدني، وليس رجل دين أو عسكري، وإن كان متديناً، فليس معنى هذا نفيا للتدين، لكن ليس المعيار الذي سيكون فيه العلم الديني، بل العلم السياسي، ويضاف إليه تمسكه بالمرجعية الإسلامية، من حيث القيم والفضائل والثوابت الإسلامية، والأهداف العامة الإسلامية.

- الجدل في مصر حول حذف المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الاسلام المصدر الاساسي للتشريع.. ألا ترى أن وجود هذه المادة ينقص من قدر الدولة المدنية وينحاز لشريحة من المواطنين على أخرى؟

**هذه قضية يثيرها غلاة العلمانيين، وبعض من يجهل الشريعة الإسلامية، فيقول: وما ذنب غير المسلم أن يُحكم بشريعة غير شريعته، وأن ينص في دستور بلاده: أنَّ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع، أليس ذلك من باب عدم مراعاة مبدأ المواطنة، بل يتعارض تعارضاً تاماً معه بل ربَّما ينسفه نسفاً، ويدعو إلى دولة دينية؟!
وجوابنا: أنَّ هذا القول لا يصدر إلاَّ عن واحد من اثنين: إمَّا إنسان يجهل الإسلام جملةً وتفصيلاً، أو إنسان يشوّه الإسلام، ويريد طمس معالمه وحقائقه جملة وتفصيلاً؛ حيث إنَّ من المعلوم لكلِّ دارس للشريعة الإسلامية: أنَّ الشريعة تطبق على المسلم فقط، خاصة إذا اصطدمت شريعة الإسلام بشريعة غير المسلم، عندئذ يطبق على غير المسلم شريعته هو، ويحتكم إليها، ولا يجبر على الاحتكام لشريعة الإسلام. فمثلا: لو أنَّ مسلماً شرب الخمر فحدّه في الإسلام الجلد، ولو شربها غير المسلم وكانت شريعته تقضي بأنَّ الخمر حلال، فليس للحاكم المسلم أن يقيم الحد عليه، وهذا باتفاق الفقهاء. فكلُّ ما هو حلال في شريعة غير المسلم لا يعاقب عليه وإن كان حراما في الإسلام، ولو أن مسلما كسر زجاجة خمر لغير مسلم يفتي معظم الفقهاء بتضمينه، وعليه دفع ثمنها له، على الرَّغم من التحريم الشديد في الإسلام للخمر، وكل ذي صلة بها. وكذلك لو زنى غير مسلم بغير مسلمة فيحكم بينهما بشريعتهما لا بشريعة الإسلام، إلاَّ إذا طلبوا هم حكم الإسلام فيهم، وارتضوه.
وكذلك في مسائل المأكل والملبس؛ فقد ترك الإسلام لغير المسلم حرية الملبس والمأكل والمشرب إذا كان دينه لا يحرم عليه ذلك، في مقابل أنَّ الإسلام حرَّم على أبنائه لبس الذهب والحرير على الرجال، ومع ذلك يسمح الإسلام لغير المسلم بأن يلبس الحرير والذهب، ما دام لا يوجد في دينه ما يمنعه من ذلك. وقد كان الأخطل الشاعر النصراني يدخل على عبد الملك بن مروان خليفة المسلمين، وعلى صدره صليب من الذهب، وتقطر لحيته خمراً. كما حرَّم الإسلام على المسلم أكل لحم الخنزير، وسمح بذلك لغير المسلم إذا كان دينه لا يحرم عليه أكله.
وهذا ما طبقه الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم مع اليهود في تعامله معهم في الجانب الجنائي، فقد ترك لهم النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقضوا في أمورهم الجنائية بشريعتهم (التوراة) ولم يفرض عليهم الشريعة الإسلامية، إلاَّ إذا طلبوا حكمه، كما هو مشهور في حادثة سؤالهم له في جريمة زنى.
ومن مفاخر تراثنا في الدولة الإسلامية: أن وجدت كتب عنيت بالكتابة في التشريع الخاص باليهود والنصارى، فرأينا كتاب (المجموع الصفوي) لابن العسَّال، وهو كتاب في التشريع اليهودي، وكتاب (الأحكام الشرعية في الأحوال الشرعية) وكتاب (الخلاصة القانونية) وهما في التشريع المسيحي.
فعلى الأغلبية، أيّا كانت ديانتها، أن تراعي حقوق الأقلية، وعلى الأقلية أن تحترم الأغلبية وتنزل على رغبتها، وهذه هي أبجديات الديمقراطية، فليس من المقبول أن أجبر الأغلبية وألغي تشريعها، لصالح الأقلية، فما ذنبي كأغلبية مسلمة أن تنحي عن الحكم شريعة يطالبني ربِّي بالتعبّد له بها، والامتثال لأوامرها ونواهيها، في مقابل أنَّ شريعتي هذه لا تجبرك، كغير مسلم، على الامتثال أنت لها، بل تترك لك حرية اختيار الشريعة التي تدين بها وتُحكم بها!!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …