من وسائل تحقيق الإيمان .. الخشوع في القرآن

الرئيسية » بصائر قرآنية » من وسائل تحقيق الإيمان .. الخشوع في القرآن
alt

يقول الله تعالى : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:16)
إنَّ الآية الكريمة، فيها توجيه رباني، وعتاب على سلوك بعض المؤمنين، حيث ركن بعضهم إلى الدنيا، وقلّ تأثرهم بالقرآن وقيامهم بالطاعة، فجاء القرآن معاتباً منبهاً على ضرورة الخشوع والتأثر. فروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : « لما قَدِم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأصابوا من لِين العَيش ما أصابوا بعْدَ أن كانوا في جَهدٍ، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوقبوا بهذا الآية . . . . »

وهذه الآية تحوي رسالة للفئة المؤمنة، مفادها أنَّه آن الأوان لهم أن يحقّقوا مفهوم الخشية والخضوع والتذلل لله، والتأثر بما تحويه هذه الآيات، فترق قلوبهم، وتقشعر جلودهم لذكره وقراءته، فتنعكس على جوارحهم وظواهر أعمالهم، فلا يتعلقوا بالدنيا، ولا يحيدوا عن المنهج الذي رسمه الله لهم، فيكونوا مؤمنين حقاً، مخالفين لغيرهم ممن قست قلوبهم وحرّفوا وبدلوا.

وقسوة القلب مرض يعتري النفوس، ومنها النفوس المؤمنة، حينما تبتعد عن آيات الله، وتعرض عن تدبره والتأثر به، فتحيد عن منهجها، وتتنكب لطريقها.
ولهذا، فإنَّ القلب يحتاج إلى ما يزيد من رقته وخشوعه، لأنَّه متقلب إذا ابتعد عن مصدر التأثير، قاسٍ إذ زاد الجفاء بينه وبين القرآن الكريم.
يقول سيّد قطب رحمه الله : " إنَّ هذا القلب البشري سريع التقلب، سريع النسيان . وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور، ويرف كالشعاع؛ فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير ولا تذكر تبلد وقسا، وانطمست إشراقته، وأظلم وأعتم!  فلا بد من تذكير هذا القلب حتى يذكر ويخشع، ولا بد من الطرق عليه حتى يرق ويشف؛ولا بد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد والقساوة ".

وفي الوقت نفسه ، يحذّر الله الفئة المؤمنة من التشبه بالكافرين من أهل الكتاب، الذين حرّفوا كتاب ربهم، وأعرضوا عما جاء فيه، وغيروا وبدّلوا رسالات الرسل، وتعاليمهم وتشريعاتهم، ولهذا لابد أن لا يكون المؤمنون كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم، حيث طال عليهم الوقت وهم منغمسون في الشهوات والملذات، فقست قلوبهم، وصارت لا تتأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب،  ولا تفرق بين الحرام والحلال. وأصبح كثير منهم خارجين عن الصراط المستقيم؛ فنسوا ما أوصوا به، فخالفوا أحكام شرائعهم، ولم يخافوا عقاب الله، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، وصار ديدناً لهم رويداً رويداً حتى رضوا بذلك، فقست قلوبهم، أي تمردت على الاجتراء على تغيير أحكام الدين.

قال الزمخشري: " والآية نهى للمؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب، وذلك أن بني إسرائيل ، كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا ورقّت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان، غلبهم الجفاء والقسوة، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره ".

ولهذا يريد الله من المؤمنين، تميّزاً عمَّن انحرفوا عن السبيل، وتاهوا في الظلمات، فلا يستوي المؤمنون، مع أولئك الكفرة الذين حرّفوا وبدلوا وغيروا بعد أنبيائهم، فتفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات.
إنَّ ما وقع به من قبلنا من أهل الكتاب، يؤكد على المصير السيئ الذي ينتظر القلب المنشغل بالدنيا عن التأثر بالرسائل الربانية، والطاعات التي تقربه إليه.

إنَّ المعاني التي حوتها هذه الآية الكريمة، جعلت نفوس السلف تتيقظ حينما تستمع لها، وتتأثر أشد التأثر حينما تتعرض لها.
فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، كما أخرج عنه ابن المنذر إذا تلاها بكى ثم قال : بلى يا رب بلى يا رب .
بل كانت هذه الآية سبباً في توبة بعض الناس، ورجوعهم إلى الله، فهذا هو الفضل بن عياض يذهب ليلاً لارتكاب ما نهى الله عنه، فيسمع قارئا يقرأ هذه الآية، فيرتجف ويعود أدراجه وهو يقول: بلى والله قد آن أوان الخشوع لذكر الله. اللهم إني تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام.

وختاماً.. كم مررنا على هذه الآية في أثناء قراءتنا للمصحف، فهل وعيناها حقَّ الوعي، وهل تدبرناها كما تدبرها السلف من قبلنا؟؟ نسأل الله أن يجعلنا من الخاشعين المتدبرين، من أهل القرآن الكريم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

alt

{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}

ها هو شهر رمضان الفضيل قد انقضت أيامه ورحلت عنّا لياليه المباركات التي كانت مليئة …