حاجتنا إلى القرآن الكريم

الرئيسية » بصائر تربوية » حاجتنا إلى القرآن الكريم
alt

لا يمكن أن يتصوَّر أحد وهو يقرأ تاريخ السلف؛ عزَّتهم وجهادهم وتضحيتهم وعبادتهم دون زاد فعّال، ومصدر مؤثر، جعل ظاهرهم كباطنهم، ومازج بين أرواحهم وعقولهم وأعمالهم، فكانوا مصاحف تدب على الأرض.
وفي الوقت نفسه، فقد أحدث هذا المصدر ثورة في النفوس، وتغيير في المفاهيم التي كانت سائدة، فأصبحوا متآلفين متماسكين، بعد أن كانوا أعداء متفرّقين، وصاروا ربّانيين، بعد أن كانوا متأثرين بما نادى به الجاهليون.
وهذا المصدر، عزيز كريم، مؤثّر فعّال، مرشد وموجّه، كيف لا وارتباط المسلم به ارتباط وثيق، فالإيمان به واجب، وقراءة جزء منه واجبة في كلّ صلاة، وغير ذلك من الأمور.
إنَّه القرآن الكريم، كلام الله المنزل على رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، المعجز فلا يأتي بمثله أحد، سرّ التأثير الذي يقلب كيان النفوس ويغير من أحوالها، ودستور الأمة التي تستقي منه نهجها، وتعرف منهجها، وثوابتها ووظيفتها. قال تعالى : { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}  [المائدة:16] إنّ القرآن، يشكّل معالم الشخصية المسلمة، التي تحمل الراية الإسلامية، وتحمل على عاتقها منهج التبليغ والإرشاد. وهو لا يعالج الأمور الظاهرة في حياة الفرد، بل يعالج ما خفي منها، وما كان الباطن مستقره، ليؤكد على شمولية الخطاب التربوي للفرد المسلم، حتَّى يكون حلقة من حلقات الإصلاح والتغيير في المجتمع.
أهمية القرآن
القرآن كنز عظيم، فيه ما يحتاجه الفرد والأسرة والأمة، للنهوض والوصول إلى العزّة والرفعة.
فهو يعالج الأخلاق الفردية، التي غفلت القوانين عن التعرّض لها مطلقاً أو معالجتها، بحجة الحرية الشخصية، إلاَّ أنَّ القرآن بآياته، يشكّل معالم الشخصية المسلمة، التي تحمل الراية الإسلامية، وتحمل على عاتقها منهج التبليغ والإرشاد. وهو لا يعالج الأمور الظاهرة في حياة الفرد، بل يعالج ما خفي منها، وما كان الباطن مستقره، ليؤكد على شمولية الخطاب التربوي للفرد المسلم، حتَّى يكون حلقة من حلقات الإصلاح والتغيير في المجتمع.

وفي الوقت ذاته، نجد بعض الآيات فيه، تعالج موضوع الأسرة، فتتحدث عن إعطاء الحقوق الزوجية، والصَّبر والتّحمل، والفرقة والإصلاح، وتعالج أكثر حالات الزوجية خصوصية، لأنَّ الأسرة المسلمة، الملتزمة بتعاليم القرآن، وروح التشريع، هي الزاد الأساسي للأفراد المسلمين، وبالتالي هي ركيزة من ركائز التغيير، ونجاح الدعوات وانتشارها.

أمَّا الأمَّة، فإنَّ القرآن الكريم، قد تحدث عن عوامل قوَّة الأمَّة ونهضتها، وحذَّر من عوامل التفرّق والاختلاف، وعالج قضايا المجتمع، فنهى عن الجرائم المجتمعية وغيرها، وشرّع العقوبات لمن يقوم بها، وأوجب على الأمّة القيام بها، وحثّ على التكافل والمناصرة، وأوجب الإعداد والتجهيز لحماية الأمَّة والدفاع عن محارمها.

إنَّ القرآن الكريم، لا يحث على العمل ويرغب به فقط، بل هو بتعاليمه يدفع المرء المسلم للتمسّك بتعاليم الإسلام، وديمومة العمل واستمراريته، فكلَّما كان تواصل المسلم مع القرآن أكبر وأقوى، كان عمله أكثر إخلاصاً واستمراراً وإتقاناً. ولهذا نجد أنَّ من سبق من سلف الأمَّة في العبادة وغيرها، كان القرآن قد أثر فيهم بحيث جعلهم يصلون إلى هذا المقام.

إنَّ للقرآن الكريم قدرة عجيبة على التغيير وتقويم كل من يقبل عليه، فهو له تأثير عجيب على المشاعر، بحيث يترجمها إلى أعمال وطاعات، لا تتسم بالتناقض بين الظاهر والباطن، بل يؤكد على التمازج بينهما، ولهذا نجد أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يوصفون بأنهم مصاحف يمشون على الأرض، وهذا يؤكد بشكل قاطع أثر القرآن عليهم، بحيث أصبح سلوكهم موافقاً لما يقرؤونه ويؤمنوا به.
إنَّ القرآن الكريم، لا يحث على العمل ويرغب به فقط، بل هو بتعاليمه يدفع المرء المسلم للتمسّك بتعاليم الإسلام، وديمومة العمل واستمراريته
إنَّ النفس البشرية تظل محتاجة لأيّ مصدر تستقي منه ما يلبي ذاتها، ويغذّي روحها، ولذلك نجدها حين تحيد عن المنهج السليم، تضيع في ظلمات الشهوات وتنحرف عما وضعت لأجله، وتتخبط في البحث عن ذاك المصدر الذي يلبي ما تريد. أما النفس المؤمنة، فهي تتشوق إلى القرآن كشوق الأرض الجافة للمطر، فتتأثر به، وتجد ضالتها فيه، فتتماشى مع أوامره، وتنضبط مع تعاليمه، فيكون صاحبها مؤمناً يستحق الثناء يوم القيامة.

إنَّ القرآن الكريم بوصلة المؤمنين؛ فهو الذي يمدهم بما يريدون، وهو الذي يوحدهم، وهو الكتاب الذي يرشدهم إلى سبيل الفوز والنجاة يوم القيامة، وإنَّ الأمَّة التي تتمسك بكتاب ربِّها، من جميع الجوانب، هي أمة ناجية، عزيزة قوية، لأنَّ القرآن الكريم يوجب على الأمَّة توفير كل أسباب القوة المادية والمعنوية.

إنَّ أعداء الأمَّة أدركوا أنَّ الأمَّة إذا عادت للقرآن، وفهمت ما فيه ووعت أحكامه، فإنَّ عروشهم ومن دار في فلكهم إلى الزوال سائرة، وهيمنتهم وسيطرتهم وعبوديتهم للأمة زائلة فانية، فصاروا يحاولون التشكيك به، ثمَّ الانتقاص منه، وحرقه أو تمزيقه، لكن هذه الهرطقات تزيد الأمَّة من الإقبال عليه، لأنهم يدركون أن لا عزة ولا رفعة إلاَّ به، لأنَّه الذي يحرك النفوس، ويوجه الأعمال، ويزيد من فاعليتها وديمومتها، ويجعل من الأمَّة أمَّة قويّةً متماسكة على منهج ربِّها، وعندها تكون عزيزة قوية منتصرة على من عاداها وحاربها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …