وتنزع الملك ممن تشاء – د. صلاح الخالدي

الرئيسية » حصاد الفكر » وتنزع الملك ممن تشاء – د. صلاح الخالدي
alt


لما وضع ابنا حسني مبارك في سجن "طرة" في القاهرة قبل أيام ، ووضع "حسني" مع زوجته في المستشفى العسكري في "شرم الشيخ" ، وتدهورت حالته الصحية بسبب التحقيق معه ، وصلينا الفجر جماعة في صباح اليوم التالي ، قرأ الإمام في الركعة الأولى آيات من سورة آل عمران ، ومنها قوله تعالى :{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ..} [آل عمران:26].
سرحت مع هذه الآية الكريمة ، ومع دلالاتها وإيحاءاتها وظلالها ... واستحضرت مشهد "حسني" و زوجته وابنيه وأعوانه ورجال عصابته ، كما استحضرت مشهد "ابن علي" وزوجته وأنسبائه وأصهاره من قبل "حسني".

الحاكم يمضي في الحكم سنين عديدة ، قد تستمر عشرات السنين ، حتى تصل إلى ثلاثين ، كما حصل مع "حسني" ، وقد تزيد على الثلاثين كما حصل مع "علي صالح" ، وقد تزيد على الأربعين ، كما حصل مع "العقيد" ، ومع ذلك لا "يشبع" الحاكم من الحكم ، ويخطط للحكم مائة سنة !!

وينسى الحاكم في أثناء استبداده و "فرعنته" أن الله هو الذي آتاه الحكم . ويعتقد أنه هو الذي خطط له وجلبه لنفسه ، فيطغى ويظلم و"يتأله" ، ويستعبد شعبه ، ويسرق خيراتهم ..ويأتيه أمره الله من حيث لم يحتسب ، و"ينزع" الله عنه ملكه ، ويبدل حاله من عز وعلو وكبرياء ، إلى ذل وضعف وهوان !!

ووقفت أمام التعبير بالنزع ، في الحديث عن أخذ الحكم من الحاكم : "وتنزع الملك من من تشاء".إن أخذ الملك من الملك ، والحكم من الحاكم ، بالقوة والشدة والإكراه والمفاجأة ، لا يناسبه إلا فعل "تنزع" ، والقرآن"معجز" في اختيار الكلمات ، والكلمة التي يذكرها في جملته القرآنية هي الأنسب ، والأكثر اتفاقاً مع السياق ، ولا يمكن أن تحل محلها أَية كلمة أخرى !

إن "نزع" الشيء هو "قلعه" بشدوة وعنف ، ولا يستعمل إلا في قلع الشيء الراسخ المتجذر المتمكن المتعمق ، وهذا هو المتفق مع نزع الملك والحكم ، لأن الحاكم يتعمق ويتجذر في ملكه ، ويكون التصاقه بالكرسي قوياً متيناً ، ويحرص على أن لا يفصله عن كرسيه أي فاصل ، مهما تحرك الشعب وقام بالثورة والاعتصامات والمظاهرات والمسيرات .. ولا أدري ما نوع "الغراء" الذي ربط العقيد القذافي نفسه به على الكرسي !!
ولكن الله ينزع هذا الحكم من الحاكم فجأة ، ومن حيث لا يحتسب أو يتوقع ، ويجعله مغلوباً مهزوماً ، ذليلاً مهاناً .. ويتحول من "سيادة الرئيس القائد الملهم" إلى : الرئيس السابق المخلوع المطرود المحبوس المتهم المحاكم ..". وترى الحاكم في المحاكمة في غاية الذلة والمهانة ، بعد أن كان متألهاً متفرعناً مستكبراً مستعلياً !! وكم فرحنا بهذا المصير لحسني وزوجته وابنيه وحاشيته !!

سبحانك ربي ما أعظمك وأحكمك ، يا مالك الملك ، أنت الذي آتيت الملوك والحكام والملك ، ولما نسوك نزعت الملك منهم نزعاً ، وحولتهم من أعزة إلى أذلة ، كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً. سبحانك يا مذل الجبابرة ، ويا فاضح الطغاة ، ويا كاشف سوءات الحكام الظلمة ..
واذا كان موقف الحاكم المستبد بهذه الذلة والمهانة في محكمة البشر ، فكيف سيكون ذله وهوانه في محكمة الله يوم القيامة ، عندما يقول لملائكته : وقفوهم إنهم مسؤولون

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …