مؤتمر .. الاختلاف والتنوّع طبيعية بشرية

الرئيسية » بصائر تربوية » مؤتمر .. الاختلاف والتنوّع طبيعية بشرية
alt

لا يمكن للإنسان أن يعيش حياته منفرداً، فالتعاون بين النَّاس من ضروريات الحياة؛ وقال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((من كان معه فضل ظهر فلْيعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فلْيعُدْ به على من لا زاد له))، ونظراً لأهمية التَّعاون في الإسلام ودوره  في النهوض بالأمَّة، انطلقت فعاليات المؤتمر الثاني للهيئة الشَّرعية للحقوق والإصلاح في مصر، وذلك بمشاركة كوكبة من علماء الهيئة منهم الشيخ الدكتور سعيد عبد العظيم الدَّاعية الإسلامي السكندري، والشيخ الدكتورهشام عقدة، والشيخ خالد عقدة، والشيخ خالد صقر، والشيخ هشام برغش، والأمين العام للهيئة الدكتور محمد يسري إبراهيم،  والذي عقد  بدمنهور –محافظة البحيرة تحت عنوان ((وتعاونوا على البر والتقوى)).

وفي كلمته أوضح الشيخ محمود أبو حبسه مدير عام أوقاف البحيرة أنَّ من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية؛ التعاون على البر والتقوى، وعلى مدى حاجتنا لمثل هذا التعاون لنبذ خلافاتنا، والنهوض بأمتنا.

وتحت عنوان ((مرجعية الشريعة الإسلامية وقيام التعاون عليها)) ذكر الشيخ هشام برغش مقرّر لجنة البحوث العلمية بالهيئة الشرعية، أهمية جمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، والذي جسَّده النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قولاً وعملاً من خلاله سيرته العطرة صلَّى الله عليه وسلَّم.

وذكَّر فضيلته بثمرة جمع الكلمة والتي ظهرت في أجلى صورها في الخامس والعشرين من يناير لهذا العام، والتي ضربت للناس أروع الأمثال في الاتحاد والقوَّة، وأنَّه بمجرَّد أن اتحدت قلوب المصريين فتح الله عليهم، وأجلى بهم الظلم الذي ظنه البعض لا ينجلي.

ونقل فضيلته إجماع الأمَّة على أنَّ السيادة في كلّ شيء للشَّرع، وأنَّ العقيدة لا تنفصل أبداً بأي حال من الأحوال عن الشريعة، كما أنَّ الشريعة ملائمة تماماً للأحوال الطارئة والمستجدات، وأنَّه لا يتصوّر تعاون واجتماع على غير مرجعية الشريعة الرَّبانية، لقوله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، وبيّن فضيلته أنَّ الاختلاف وتعدّد الاجتهادات من سنة الاجتماع البشري، بشرط ألا يكون في القطعيات، وألاَّ يصحبه تعصب يحول دون التنسيق والتعاون في مواضع الإجماع، أو أوقات الفتن والكوارث العامة.

وعن معوّقات ذلك التعاون أوضح الشيخ الدكتور هشام عقدة، أنَّ من أهم  هذه المعوّقات هو الاستبداد بالرَّأي والإعجاب به والخوف من تعلّق الأتباع بالآخرين حال التعاون معهم، وهذا الأمر قد يشوب إخلاصه ويضيع بسببه الكثير من المصالح.

وشدَّد فضيلته علي ضرورة الاقتداء  بأسلافنا، الذين كانت راحتهم وسعادتهم في حصول المطلوب دون التنافس على الصَّدارة  بخلاف ما آلت إليه أمورنا من تأثرنا بالصِّراع الإعلامي من أجل الظهور والتصدر، وأضاف بأنَّ من المعوّقات الظن بأنَّ التنازل عن الرَّأي والرئاسة في سبيل حصول التكامل والتعاون ضعف أو هزيمة، وما ذاك إلاَّ محض تزيين الشيطان حتَّى لا تقوم لأهل الإسلام قائمة، بل وربَّما يأتي الشيطان للدعاة من مدخل "أنتم أفضل من غيركم، وأنتم أصحاب المثالية؛ فلا تسمحوا لهم أن يكون أحدهم في المقدمة". ومن ثمَّ يصرّون على مقاماتهم وصدارتهم على حساب مصلحة الأمَّة كلّها.

ويفنّد فضيلته هذا النوع من التفكير السقيم بتزكية الرَّسول الكريم صلَّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي رضي الله عنه؛ بسبب تنازله عن مكانه –مع فضله- وقد قال النّبي صلىّ الله عليه وسلّم:  ((‏‏ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)).

وقد حدث ذلك بتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنهما طلبًا لوحدة المسلمين، حتى سُمّي هذا العام بعام الجماعة؛ لاجتماع النَّاس بعد هذا الموقف العظيم من الحسن رضي الله عنه.

ومن المعوّقات كذلك التي تحول دون التعاون بين المسلمين؛ يذكر الدكتور هشام : (السماع عن الآخرين أكثر من السماع منهم)، فيذكر أنَّ من العجب أن تجد داعيًا أو مصلحًا يرفض التعاون مع آخر بحجَّة أنَّه سمع أنَّ به كذا وكذا،  وربَّما كان هذا الآخر في المنزل المجاور له، فلا يفكر الأول في السماع منه مباشرة؛ مع أنه لو فعل لقضي الأمر، وقال: (إنَّ أهم خطوات التعاون أن يسمع بعضنا بعضًا دون واسطة، وأن يرى بعضنا بعضًا في المجالس لا من خلال الشاشات، وكم من المصالح تعطلت بسبب سماع الدّعاة بعضهم عن بعض، بدلًا من سماعهم من بعض"!

وأشار إلى أنَّ من المعوقات "المسلمات أو الثوابت الوهمية" التي ينظر من خلالها نظرة المفرّط في الأصول، والحقيقة أنَّ كثيراً منها يكون في محل الاجتهاد.

وأكَّد الشيخ عقدة أنَّ التعاون مع العاصي والمبتدع يجوز في بعض الأمور، إذا كانت في ذلك مصلحة لعامة المسلمين مثلا، ثمَّ إننا لو لم تتسع صدرونا لبعضنا فسيخسر بعضنا بعضًا، وتنسد أبواب التعاون والتكامل فيما بيننا دون سبب مقبول شرعي أو عقلي،  وخاصة أننا في وقت نقاتل فيه على أصول الدين وثوابته، وعلى هويتنا الإسلامية، وتعاوننا في القدر المجمع عليه ولا خلاف فيه، فلا يسوغ في هذا الحال التنطع في مسائل الخلاف وتمزيق الأمة بسببها.

وأخيراً، فمن المعوقات كما يراها الشيخ عقدة؛ الركون للظالمين وتقديم الحصول على رضاهم وتزكيتهم على الحصول على رضا إخواننا والتعاون معهم وكم عانينا من هذه الآفة في سنين القهر السَّابقة.

وفي  كلمته أوضح الشيخ الدكتور سعيد عبد العظيم، أهمية وحدة العلماء والدّعاة لمواجهة أعداء الأمَّة، وفرحه بتلك الهيئة التي تمثل محاولة صادقة لجمع كلمة العلماء والدُّعاة.

كما أكَّد فضيلته على أنَّ غالب الاختلافات التي تحدث التنازع والشقاق بين طوائف دعاة أهل السنة هي من باب خلاف التنوع أو الخلاف السَّائغ، والذي لا ينبغي أن يكبر أو يضخم.

وشدَّد على أمور ينبغي التنبّه لها في ظل تلك الظروف التي نعيشها، ومن أهم تلك الأمور التنبه إلى محاولات ومؤامرات الوقيعة بين العلماء والدّعاة من قبل بعض وسائل الإعلام، نافيًا أن يكون ما يروج - من شائعات خطف غير المحجبات وقطع الآذان وغيرها- سلفي أو غيره من طوائف الدعوة إلى الله.

وبعث فضيلته رسائل طمأنة إلى نصارى مصر، كما بعث برسالة طمأنة إلى الصوفية، وأنهى فضيلته كلمته بأنَّ المحافظة على هوية مصر الإسلامية تقتضي من علماء ودعاة أهل السنة نبذ الخلاف ووحدة الصف.

من جانبه، أكَّد الشيخ الدكتور محمد يسري إبراهيم الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح في محاضرته بعنوان "قواعد في جمع الكلمة" على عدد من القواعد الكفيلة بجمع الكلمة .
والتي من أهمها الاعتصام بالكتاب والسنة وأنَّ حقيقة الدعوات والتجمعات المعاصرة أنها وسيلة لإقامة الواجبات الكفائية والاجتماع على ما اتفق أهل السنة عليه، والتعاذر والتغافر فيما اختلفوا فيه. وتجنب نواقض الوحدة والائتلاف العصبية لشخص أو إمام أو رأي اجتهادي أو مذهب فقهي، وتقديم مصلحة الجماعة الحزبية على مصلحة الأمة المحمدية. وتوحيد الموقف العملي في المهمات. وعقد الموالاة على الأسماء الشرعية لا الأسماء أو الرّايات الحزبية.

والإيمان بأنَّ تخصّصات الدعاة لا يغني فيها تخصّص عمَّا سواه، ولا تتحقّق عافية الأمة بالاقتصار على واحد دون ما عداه. وأن يعتمد دعاة أهل السنة سياسة الجسور المفتوحة والأيدي الممدودة. وضرورة التزام الإنصاف الذي هو سمت أهل السنة مع أهل الملَّة وأهل الذّمة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …