الرّفق واللِّين في دعوة نبي الرَّحمة

الرئيسية » بصائر الفكر » الرّفق واللِّين في دعوة نبي الرَّحمة
alt
إنَّ الرِّفق واللِّين في مجال الدَّعوة إلى الله سبحانه وتعالى لهما فوائد جليلة في عودة النَّاس إلى طريق الحق والصَّواب، والتزامهم مبادئه وأحكامه، ومن ثمَّ التفافهم حول الدَّعوة، فيحصل كسبُ المزيد من الأنصار والمؤيدين والمناصرين للفكرة، فتنطلق الدَّعوة الإسلامية إلى ميادين أوسع وغايات أرحب، فالنَّاس اليوم بحاجة ماسة إلى دعاة يجدون عندهم على الدَّوام الاهتمام والرِّعاية والعَطف والسَّماحة والودّ والرِّضا، فبهذه الصفات الحميدة يستطيع الدّاعية أن يؤثر في عواطف النَّاس وقلوبهم ليسير بهم في رحاب الدَّعوة نحو الإيمان والعمل الصَّالح، ولا غروَ في ذلك، فقد كانت هاتان الصفتان ملازمتين لخير الدّعاة وإمامهم، محمَّد صلَّى الله عليه وسلّم؛ وقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة  نجاح دعوته عليه الصَّلاة والسَّلام في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}. (آل عمران:159). قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية : (إنِّي أرى صفة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلّم في الكتب المتقدمة، إنَّه ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيّئة السيّئة، ولكن يعفو ويصفح).
إنَّ الرِّفق واللِّين في مجال الدَّعوة إلى الله سبحانه وتعالى لهما فوائد جليلة في عودة النَّاس إلى طريق الحق والصَّواب، والتزامهم مبادئه وأحكامه، ومن ثمَّ التفافهم حول الدَّعوة، فيحصل كسبُ المزيد من الأنصار والمؤيدين والمناصرين للفكرة، فتنطلق الدَّعوة الإسلامية إلى ميادين أوسع وغايات أرحب
وللوقوف على واقع هذه الفضيلة في  سيرة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلّم نقتطف لكم نماذج من ورودها ورياحينها في جملة من أقواله وأفعاله، ونختم بما أثر عن سلفنا الصالح من روائع الأقوال والحكم لتثبيت وتعزيز هذا الخلق في ممارساتنا وواقعنا العملي..من أقواله صلَّى الله عليه وسلّم ..

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم :  ((ما كان الرِّفق في شيء إلاَّ زانه ولا كان العنف في شيء إلاَّ شانه)). (أخرجه الإمام مسلم في صحيحه). وقال عليه الصَّلاة والسَّلام : ((إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ في الأمر كلِّه، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف)). (أخرجه البخاري ومسلم).

من أفعاله  عليه الصَّلاة والسَّلام ..

مع اليهود : حيث كانوا يسيئون الأدب معه في حضرته وأثناء خطابه، فيلمزونه، ويحيّونه بتحية فيها من الأذى والتهجم ما يدلّ على سوء أخلاقهم، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاء ناسٌ من اليهود إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فقالوا: السَّام عليك يا أبا القاسم، فقلت: السَّام عليكم، وفعل الله بكم، فقال رسول الله  صلَّى الله عليه وسلّم: ((مه، يا عائشة، فإنَّ الله لا يحب الفحش ولا التفحش)).(رواه مسلم).

ففي هذا الموقف دعوة من الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام إلى عائشة أمّ المؤمنين بأن تنتهج الرّفق واللين حتَّى مع اليهود الحاسدين الحاقدين، وبيَّن لها أنَّ المسلم لا يجوز له أن يترك الغضب يتحكَّم في ردود أفعاله ولا تصرّفاته، فالرِّفق في الإسلام ثمرة لا يُثمرها إلاَّ حسن الخلق.

مع المتعلّمين الجاهلين : عن أنس بن مالك رضي الله عنه:أَنَّ أَعرابيًّا بال في المسجد، فقاموا إليه ( ليضربوه )، فقال رسول الله: ((لَا تُزْرِمُوهُ))، ثمَّ دعا بدلو من ماء فصُبَّ عليه.

وفي هذا الموقف تعليمٌ لدعاة المسلمين أن يرأفوا بالمتعلّمين وينزلوا إلى مستوياتهم المختلفة، فيخاطبوهم على قدر عقولهم، وأن يتحمّلوا إساءاتهم ونفراتهم وتصرّفاتهم، وأن يعملوا جاهدين في تنويع خطابهم وتجنّب التقريع والتوبيخ وكيل الشتائم، فسياسة قلوب العامة من النَّاس فن لا يتقنه إلاَّ الدُّعاة المخلصون الصَّابرون.

مع العصاة المذنبين : إنَّ فتى شابًّا أتى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  فقال : يَا رسولَ اللّه ائذن لي بالزِّنا .. فأَقبل القوم عليه، فزجروه، قالوا : مَهْ مَهْ .
فقال النَّبيّ  صلَّى اللّه عليه وسلَّم :  ((ادْنُهْ))، فدنا منه قريباً، فجلس، قال النَّبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم  :  ((أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ ؟)).  قال: لا ، واللَّه، جعلني اللَه فداءك ! . قال :  ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ ، أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ ؟ )). قال: لا واللَّه، يا رسول اللّه، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قال: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِم، أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ ؟  قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك،  قال : ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ )).  قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: (( ولا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟)) . قال : لا والله، جعلني الله فداءك. قال : ((ولا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِم)) . فوضع يده عليه، وقال:((اللَّهُمَّ اغفِر ذَنبَهُ وَطَهِّر قَلبَهُ وَحَصِّن فَرْجَهُ))، فلم يكن بعدُ ذلك الفتى يلتفت إلى شيءٍ .

وفي هذا الموقف تذكيرٌ للدُّعاة على رعاية الشباب اليافع وإيجاد المحاضن والأجواء الإيمانية التي تمنعهم من التفكير بالمعصية أو الوقوع فيها، فإن وقعوا في شراكها فما على الدّعاة إلاَّ إشاعة الأمل في قلوبهم وضرورة التوبة النصوح والرجوع إلى الله سبحانه، ونشر روح التفاؤل بعفو الله وغفرانه بينهم، لأنَّ رحمة الله ومغفرته لا تنقطع عن عباده المذنبين، فلا يملك أحدٌ في الدنيا حرمانهم منها.

من أقوال السَّلف ..

قال التَّابعي الجليل سفيان الثوري : (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلاَّ من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى)، وقال الإمام الشَّافعي: (من وعظ أخاه سرّاً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه). وقال أحمد بن حنبل  رحمه الله تعالى:(النَّاس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة ، إلاَّ رجلاً مبايناً معلنا بالفسق، فيجب عليه نهيه وإعلانه؛ لأنَّه يقال: ليس لفاسق حرمة ، فهذا لا حرمة له).

مراجع للاستزادة :
-الدَّعوة والدُّعاة – محمّد محمود الصّواف رحمه الله.
-حوار الرَّسول مع اليهود – د . محسن عبد النَّاظر.
-السيرة النبوية دروس وعبر في تربية الأمَّة وبناء الدولة – علي الصّلابي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

فرنسا من الداخل “مصادرة الآراء واضطهاد أصحاب الفكر المخالف”

خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …