دروس وعبر في رحاب ذكرى الإسراء والمعراج

الرئيسية » خواطر تربوية » دروس وعبر في رحاب ذكرى الإسراء والمعراج
alt

في كلِّ عام تحلّ علينا هذه الذكرى العطرة، الإسراء والمعراج، والتي تحمل في ثناياها دروساً عديدة، وعبراً كثيرة، تجدّد العزائم، وتشحذ الهمم، وتنير الطريق للدّعاة والسَّائرين، رغم كل المعوّقات والعراقيل التي يتعرَّضون لها.

الإسراء والمعراج، ليست ذكرى عابرة، نستذكرها وننسى، وليست مناسبة تاريخية نسردها ونتغنَّى بها، بل لابدَّ وأن تكون كغيرها من الأحداث والمناسبات، محل دراسة وفهم، وتدبر وتفكر.
ولهذا كان من حق هذه الذكرى علينا، أن نستذكر بعض الدروس والعبر التي حوتها، لنستفيد منها في ضوء ما تشهده حياتنا من متغيرات وأحداث، وما تشهده الدَّعوة من عراقيل ومعوقات.

الصبر والنصرة

لقد كانت هذه الحادثة، بكل ما حوته من تفاصيل، نصراً لنبيّ الأمَّة عليه الصَّلاة والسَّلام، رغم ما تعرَّض له من صنوف الأذى والعذاب، للقد كانت هذه الحادثة، بكل ما حوته من تفاصيل، نصراً لنبيّ الأمَّة عليه الصَّلاة والسَّلام، رغم ما تعرَّض له من صنوف الأذى والعذابتحارب دعوته في مكة، وتضيق عليه الأرض فيها، ويقابل بالإساءة في الطائف، وتحارب الكلمة الطيبة لأنَّها كلمة حرَّة، لا تقبل المساومة ولا المهادنة، ولا ترضى بأنصاف الحلول.

فلو كان محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم يقبل بمساومة زنادقة الكفر على مبادئه وثوابته، والتفاوض معهم على ركائز رسالته وأركانها، لما لقي وأصحابه كل هذا العناء، وما عانوا وكابدوا كلَّ هذه المشاق، لكنَّه الإيمان الحقيقي، إيمان لا يقبل إلاَّ بتوحيد خالص من كلِّ شرك، نقي من كلِّ صور الرياء والنفاق.

إنَّ نبيَّ الأمَّة –صلَّى الله عليه وسلَّم- قرَّر لنا أنَّ الدعوة الحقّة، تحتاج إلى ثبات وصبر وتضحية، حتَّى تصل إلى مرحلة الظفر والتمكين. لذا لم يرض بكلِّ مغريات العيش التي عرضتها قريش لتستوعبه ودعوته، لأنَّ دعوته دعوة حرية، حرية في العقيدة من شوائب الشرك، وحرية للإنسان من براثن عادات الجاهلية، وحرية للبشرية من قيود شياطين الإنس والجن، إنها دعوة تحارب كل ظلم وضيم، وكل فئوية واستبداد، إنَّها دعوة إيمان وعدل، ومساواة وخلق، إنَّها دعوة لكلِّ فضيلة عرفها البشر منذ أن وجدوا على هذه الأرض.

ولهذا تعرَّضت الدَّعوة لما تعرضت له، وصبر قائدها ونبيّها، فصبر على شدَّة الأذى، وهمجية الشرك، ورأى من أهل الطائف أشد ممَّا رأى في مكَّة، يضرب بالحجارة من صبيان القوم وسفهائهم لأنَّه يقول كلمة الحق، فلا فرق بين كفرة مكة والطائف، فكرههم للدَّعوة نابع من حبّهم لسلطتهم، فالعداء واحد، مهما تغيَّرت الصور والهيئات والمسميات، والقمع والتنكيل ومصادرة الحقوق واحدة، وإن تغيَّرت أسماء الطغاة وأماكن سكناهم.

ولهذا كانت حادثة الإسراء والمعراج، بشرى للنبي –صلَّى الله عليه وسلّم – بأنَّ الصبر والتوكل، يجلب رضا الله عزوجل، ولا عبرة برضا الناس طالما رضي رب الناس.
إنَّ هذه البشرى، هي بشرى لكلِّ داعية على طريق الحق، وقّاف على ثوابت دعوته، صابر على ما تتعرَّض له دعوته من محاربة وعداء، وقمع وكبت للحريات. بأنَّ النَّصر والتمكين أمور محقّقة لا تفصلها عن واقعه إلا أيام معدودة، وسنوات قليلة. تماماً كما حصل مع رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم.
إنَّ هذه البشرى، هي بشرى لكلِّ داعية على طريق الحق، وقّاف على ثوابت دعوته، صابر على ما تتعرَّض له دعوته من محاربة وعداء، وقمع وكبت للحريات. بأنَّ النَّصر والتمكين أمور محقّقة لا تفصلها عن واقعه إلا أيام معدودة، وسنوات قليلة. تماماً كما حصل مع رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم-.
إيقاظ الإيمان.. والنجاة
لقد رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، في هذه الرحلة من آيات ربِّه الكبرى، ففي عروجه إلى السَّماوات العلا، رأى ما لم يره أحد، رأى الملائكة والأنبياء، ورأى النعيم والعذاب، ورأى أموراً كثيرة، جمعها أهل الحديث والرواية في كتبهم.

لقد ذكر لنا النبيُّ –صلى الله عليه وسلم – ما رأى، لنزداد إيماناً بربنا، ويقيناً بما وعدنا به وحذَّرنا منه، ونقل لنا صوراً من الجزاء لنزداد تقوى وحذراً وخوفاً من عصيان الله ومخالفة أوامره.

وفي الوقت نفسه، كانت تلك الحادثة امتحاناً لإيمان المؤمنين، واختباراً لمدى صدقهم، ويقينهم بالدَّعوة وما تدعو إليه، وكاشفة لنفوس المخلصين والصديقين، الذين آمنوا إيماناً صادقاً، فكانوا من الفائزين.

ولهذا فإنَّ الأصل في المسلمين عموماً، والدعاة خصوصاً، أن يتدبروا ما وصفه الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – حول هذه الرحلة، وأن يعقلوا ما فيها، ويتأملوا في جزاء المخالفين والعاصين، ويحذروا الناس منها، فهذه الأوصاف ليست كلمات تقرأ، وإنَّما أحداث تؤخذ منها العبرة والعظة، والحيطة والحذر.

إنَّ النفس البشرية، قد تستكين لرغد العيش، فتميل إلى اقتراف الذنوب والمعاصي، لذا فهي بحاجة إلى التذكير، والترهيب من عذاب الله، والطمع برحمته ومغفرته، حتى تظل متعلقة بالله، وحتى تتحلى بالصبر والثبات، على ما تحمله من رسالة وأمانة، فيكون صاحبها من الفائزين.

قضية أمَّة
لا يمكن أن نتكلَّم عن الإسراء بالنبي من مكَّة المكرمة، دون العروج على ذكر المسجد الثاني في الإسلام، وأول قبلة فيه، وهو المسجد الأقصى.
إنَّ الربط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام فيه دلالة واضحة، أنَّ الأقصى لا يقل قداسة وأهمية عن المسجد الحرام. وأنَّ الدفاع عن أحدهما واجب كالدفاع عن الآخر. وأنَّ التفريط بأحدهما يعني سهولة التفريط بالآخرإنَّ الربط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام في قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} فيه دلالة واضحة، أنَّ الأقصى لا يقل قداسة وأهمية عن المسجد الحرام. وأنَّ الدفاع عن أحدهما واجب كالدفاع عن الآخر. وأنَّ التفريط بأحدهما يعني سهولة التفريط بالآخر.

وإنَّ ممَّا يندى له الجبين، أن نجد الأقصى وقضيته نسياً منسياً في نفوس الكثير من الناس، فلا يعرفون عنه إلاَّ القليل، ولا يهتمون بما يجري فوق أو تحت أرضه من تهويد واحتلال، وانتهاك واغتصاب لقدسية تلك البقعة المباركة.
إنَّ الأصل في الأمَّة الإسلامية، أن تخجل من نفسها، في مثل هذه الذكرى، والأقصى تنتهك حرمته على أيدي قتلة الأنبياء، وأبناؤه يحرمون من الصَّلاة فيه، ويقتلون ويسجنون لا لشيء إلاَّ أنَّهم قالوا ربنا الله.

إنَّ قضية الأقصى قضية أمَّة، وإنَّ الاهتمام بما يجري فيه، ومناصرة أهله ودعمهم بشتى السبل والسَّعي لتحريره من ظلام الاحتلال هو واجب على الأمَّة جمعاء، لا استثناء لأناس دون غيرهم.

إنَّ أولئك الواقفين على مشارف الأقصى المدافعين عن مقدساته، إنَّما هم يدافعون عن كرامة أمة نسيت أن تناصر مقدساتها، ورضيت أن يبقى أقصاها محتلاً لأكثر من أربعين عاماً، بحيث يحرم أبناؤه من أبسط حقوقهم، وهي الزيارة والصلاة والاعتكاف. في حين يمنح الغرباء، وشذاذ الآفاق، الحق في تدنيسه وتهويده، بحجة حرية التدين والاعتقاد.

إنَّ على الأمَّة اليوم أن تسعى لتحقيق الوعد الإلهي بفتح المسجد الأقصى وتطهيره، بجعل القدس قضية لا تقبل المساومة والتفاوض، ودعم من يقاومون الاحتلال وتحريره وفك أسرهولهذا.. فإنَّ الأقصى له مكانة سامية في نفوس المؤمنين، وأنَّ تحريره واجب على الأمَّة جميعاً، وأنَّ قضيته تشكل البوصلة الحقيقية للأمَّة، مهما اختلفت أمصارها ولغاتها وأصولها، فقد سطر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، في هذه الذكرى العطرة، حدثاً لا ينساه التاريخ مهما تعددت أحداثه وشخصياته، فقد طهَّر المسجد الأقصى من الاحتلال الصليبي في هذه الذكرى، ليدخله فاتحا بعد ما يقارب قرناً من الاحتلال والاستعمار، فدخلها ليعيد هو وجيشه للأمة مجداً تليداً، ويذكرها بسلفها الأبطال الأماجد الذين رسموا لنا صوراً من العز والمجد والرفعة والسمو.

إنَّ على الأمَّة اليوم أن تسعى لتحقيق الوعد الإلهي بفتح المسجد الأقصى وتطهيره، بجعل القدس قضية لا تقبل المساومة والتفاوض، ولا تكون مطروحة على طاولة المفاوضات أو المساومات، والسعي بكافة السبل لدعم من يقاومون الاحتلال وتحريره وفك أسره من بين أيديهم، فهذا أقل ما يمكن أن نقدِّم للمسجد الأقصى قضية المسلمين الأولى والأهم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد علينا هذه الذكرى والمسجد الأقصى يزهو بتكبير الجند الفاتحين وتهليلهم وفرحهم بالنَّصر على عدوهم، إنَّه سميع مجيب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

كيف نحقق التوكل الصادق؟

لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …