الإبرة الغالية – بقلم: د. محمَّد ياسر القضماني

الرئيسية » حصاد الفكر » الإبرة الغالية – بقلم: د. محمَّد ياسر القضماني
alt

تزوج عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت شيبة، ولما دخل عليها يوم حنين بعد الوقعة قالت له: ماذا غنمت؟ فناولها إبرة، فإذا منادي النبي صلى الله عليه وسلم: "أن أدّوا الخياط والمخيط" فأخذ الإبرة منها، فألقاها في المغانم.[1]

كيف رأيتم؟!
والله إنَّ من يؤتمن على ردّ الصغير سيرقى إلى أن يردّ الكبير وهذا الذي جرى بعد الفتوح العظيمة!
زوج يأتي زوجته بعد غياب وتعب ومشاق فيعطيها إبرة لعلها تنتفع بها فترقع ثوباً أو كساء فلا يستقر عندها؛ لأنَّ الأمر النبوي جاء بمنع شيء قبل القسمة! فما كان اعتراض ولا تذمّر!
ورأيت أثراً لهذه الواقعة بشيء من التفصيل:
كان عقيل بن أبي طالب دخل على زوجته وسيفه ملطخ بدم، فقالت: إني علمت أنك قاتلت اليوم المشركين، فماذا أصبت من غنائمهم؟ فقال: هذه الإبرة، تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، ثم خرج فسمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أصاب شيئاً من المغنم فليردّه، فرجع عقيل إلى امرأته وقال: والله ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت منك، فأخذها فألقاها في المغانم([2]).

ما قيمة إبرة؟!

هذا الشأن من شؤون كثيرة لافتة للنظر في حال الصحابة الكرام رضي الله عنهم يستوقفنا، تعالوا:
إن المرأة إن جاءها شيء تأنس به من شؤونها النسوية تعلق به شأن أي نفس يستهويها ما تحبُّ وتألف.
فالتربية النبوية آتت ثمراتها: دعوا محبوباتكم! تركوا محبوباتهم، دعن محبوباتكنَّ! تركنها غير آسفات عليهن! ما قالت: إبرة تأخذ مني إبرة؟

كل هذه الغيبة ثم تضنّ عليَّ بإبرة؟!

والله إنَّ من يؤتمن على ردّ الصغير سيرقى إلى أن يردّ الكبير وهذا الذي جرى بعد الفتوح العظيمة!
فلما فتحت فارس وجاء الجند إلى عمر رضي الله عنه ببساط عجيب موشّى بالجواهر والذهب والفضة قال عمر: إن قوماً أدّوا هذا لأُمناء!
شاركت المرأة بتفرّغها وصبرها وقيامها على شؤون الولد والبيت، وشاركت في مصابرتها على أن ينزع منها ما ينزع لو كان فيه شهوتها ورغبتها!

تعالين يا أخوات
نعم! مهما كان العدد والخير كثيراً فالحق أحق أن يتبع!
هذا الدرس لن يُنسى لنعظِّم الحقوق العامة والمال العام!

قد مرَّ بالواحدة منكن أن رأت من تضنّ بثوب أن تكسو به عارية، أو لقمة تسد بها جوعة جائعة، أو شيئاً من ليرات تافهات فائضات عن الحاجة تشارك بهن في مشروع خيري تحتاج له الأمة وتنصر بها الملّة.
ولربما احتاج الناس في ملمة لمواساة وكان لامرأة من الزينة والذهب ما لو صرفت عشيرة لأغنى فتضنّ، ولربما لو ضاع لها خاتم وعندها أضعافه لاختلَّ دينها من جزعها وتلفظها بما لا يليق!

ما ذكرناه حال امرأة موافقة لزوجها المجاهد العفيف على التعفف والأمانة، وليس هذا الموقف نادراً؛ بل في الواقعة نفسها جاء رجل بكبَّة من شعر فقال: يا رسول الله أضرب بهذه برذعة لي: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك[3].
أي ليس لك!
وما الذي سيأخذه؟!
شعر يصلح به حلس حمار له، لا، لا حتى تقسم الغنائم فينتظر كم نصيبه فيأخذه حلالاً طيباً!
وهل هي قليلة حتى شدّ عليهم كل هذا التشديد في هذه الوقعة؟!
ورد عن ابن سعد وغيره: كان السبي ستة آلاف رأس – أي بين امرأة وغلام – والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة.
نعم! مهما كان العدد والخير كثيراً فالحق أحق أن يتبع!
هذا الدرس لن يُنسى لنعظِّم الحقوق العامة والمال العام!
درسٌ شاركت فيه امرأة من الفواطم الغاليات في الصور الأغرّ!

ونختم بتقرير هذا الأصل بأثر آخر بسند صحيح عند الحاكم عن عبادة بن الصامت  رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من بعير، ثم قال:  ((يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله تعالى عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدّوا الخيط والمخيط وإياكم والفلول، فإنه عار على أهله يوم القيامة)).

---------------------------------------

([1])سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للشامي5/338
([2]) المرجع نفسه.
([3])أخرجه أحمد 2/184(6729) قال : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، يعني ابن سلمة . وفي 2/218(7037) قال : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي . و((أبو داود)) 2694 قال : حدثنا موسى بن إِسماعيل . قال : حدثنا حماد . و((النَّسائي)) 6/262 و7/13 ، وفي ((الكبرى)) 4425 و6482 قال : أَخبرنا عَمرو بن يزيد . قال : حدثنا ابن أبي عَدي . قال : حدثنا حماد بن سلمة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …