كن القدوة وبادر

الرئيسية » بصائر الفكر » كن القدوة وبادر
alt

إنّ المبادأةَ في العمل هو سلوك الروّاد حيثما حطّت رحالهم، فكيفَ بهم وقد سلكوا أشرف دربٍ، ووطِئوا أرضَ العمل الجادّ في ساحات الدَّعوةِ الرَّحيبة.
و هم الرِّجالُ الذين تُحمل على كواهلهم تبعاتِ الانتظام في صفوف التنظيم الإسلامي، وعلى أمثال هؤلاء كان الحديثُ أول الأمر عن رواحلَ تَغُذُّ السيرَ قُدماً إلى فجرِ التمكينِ، محفوفةً بجلالِ الثوابتِ، وميزانِ الأولويّات، تبني بيئةً حرّةً في الدَّاخلِ الدعوي لتنقلها إلى مجتمعٍ يشهدُ إرهاصاتِ التغيير اليومَ على طولِ البلادِ وعرضها.
كُن إماماً ..
وكانَ الحثّ النبويُّ للصَّحبِ الكرامِ رضوان الله عليهم أنْ يكونَ كلّ واحدٍ من أولئكَ منارةً لمن يليه، فاستحقوا بذا أن يكونوا كما وُصفوا أَمَنَةٍ لهذه الأمَّة، فكانوا حصنها بعدَ غيابِ حبيب الله محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم .
ومن العجيب أن تقع وأنتَ تقرأ في سيرة النَّبي صلَّى الله عليه وسلّم على عظمةِ الدَّرسِ الذي قدَّمه لأتباعهِ ذاتَ مرّة، وقد اصطفّ القومُ للصَّلاة. صحيحٌ أنّها صلاة لا أكثرُ –قد تكون-، لكنّه اصطفافٌ لبناء الأمَّةِ، يُروى أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رأى في أصحابه تأخراً، فقال لهم: (تقدَّموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم. لا يزال قوم يتأخرون حتَّى يؤخرهم الله)(أخرجه مسلم).
فهو زَخَمٌ لحَشْدِ هممِ الأصحابِ للعمل والرِّيادةِ في آنٍ واحدٍ، فهو عليه الصَّلاة والسَّلام لم يُرضِهِ تأخّرٌ عند البعضِ أو تلكؤ في الاستجابة، وعلى هذا كان بابُ السِّباقِ بين الصَّالحين مُشرعاً بأنْ (سابقوا) في ضروبٍ شتى من الخير، لا بل والحثّ على خطّ طريق الخير للاَّحقين؛ ((من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء)). (أخرجه أحمد في مسنده، وله ورايات متعدّدة في معناه؛ منها ما أخرجه مسلم في صحيحه)
وهو دأبُ أبناءِ الدَّعوة العاملين، هِمّةٌ تدفع للتقدّم، واتّباعٌ صادق، ثمَّ يكونوا من بعدُ رؤوس حِراك الأمم، لا مكانَ بينهم لمتأخرٍ أو مؤخِرٍ.
امضِ .. بلا تردّد !!
وقفَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلّم يوم مؤتة في المدينة النبوية ليصفَ للقومِ أحداث تلكَ الغزاةِ قائلاً: (أخذ الرَّاية زيد بن حارثة فقاتل بها حتَّى قتل شهيداً، ثمَّ أخذها جعفر فقاتل بها حتَّى قتل شهيداً، ثمَّ صمت النَّبي صلَّى الله عليه وسلّم حتَّى تغيَّرت وجوه الأنصار وظنُّوا أنَّه كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهونه، قال: ثمَّ أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتَّى قتل شهيداً، ثمّ قال: لقد رفعوا إليَّ في الجنَّة فيما يرى النَّائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة  ازوراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: بِمَ هذا ؟ فقيل لي: مضيا وتردّد عبد الله بن رواحة بعض التردّد ومضى). وممَّا أثرَ أنّه تردد هنيهةً!! (القصة اتفق على  صحتها الشيخان، انظر: المستدرك على الصَّحيحين للحاكم).
وللذي نسيَ من يكون ابن رواحةَ ذاك ، فهو الذي شجّع النَّاس خطيباً بقوله: (والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون؛ الشَّهادة)، (المعجم الكبير للطبراني)، وثناهم يومها عن الرّجوع إلى المدينة. لكّنها القِسمة العدلُ من ربّ السَّماء حتَّى لو كان لشهيدٍ من خير سلفٍ، وحتَّى لو كانت هُنيهةً واحدةً، لا أكثر!!

كان أُمّةً
وما قصّةُ خليلِ الرَّحمن؛ إبراهيم عليه السَّلام بخافيةٍ على كلّ ذي لُبٍّ، فقد كان أُمّةً يهتدي السُراةُ بهِ إلى اليوم. وما وُصف أحدٌ من أنبياء الله بما وُصف هو به {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ}[النجم-37]، فلم يؤمر قطّ بأمرٍ من الله إلاّ وأدّاهُ على أحسن ما يكون الأداء، ليكون بذا عَلَماً، رأساً، أمّةً.
وإلى الذي تردّدت همّته، وأقعده همّه، وأعيتهُ الحُجّة تُردفها أختها للالتحاق بركبِ العاملين، فبين يديك كتابُ الله، أو لا تجدُ في السَّابقينَ قبساً يهدي؟!
فمرّةً يأتيكَ المؤمن من أقصى المدينةِ ساعياً، لتطيبَ نفسهُ في الجنّةِ بعد حينٍ قصير، ثم لا تلبث الآياتُ تنبيك بخبره وهمّته وما أهمّه أنْ {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}[يس-26]، وليُرفع ذكره في الآخرين من بعد بنِسْبةِ القوم إليه لا إلى ثلاثة أنبياء قاموا بأمر التبليغ{ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ}[يس-28]، تكريماً له من وجهٍ، وحثّاً من وجه آخرَ لمن يأتي من بعده حاملاً مشعل التغيير، داعياً إلى كلّ خير.
وفي نبأٍ عظيمٍ آخر، تبرز قصّة الأخدود وأصحابه، بغلامٍ لم يزل غضّ القوى –ربما-، لكنّه متيقّظ القلب، يحي به الله أمّةً من بعد ضلالٍ في مشهدٍ مهيبٍ شهدته السَّماء والأرض ومن فيها، يومها تقدّم ذاك الغلام، ليؤتم به، فأنعم به من إمام!!
ولم تنقطع سلسلةُ الأئمَّةِ يوماً عن أمَّة الخير، وقلّب صفحاتِ التَّاريخ والحاضر والمستقبل؛ لتجد الحسين وابن الزّبير رضي الله عنهما مرَّة، والشَّافعي وابن حنبل في أخرى، وابن تيمية والعزّ في ثالثة، والمُوفّق من كُتب اسمه في تلكم الصفحات.
أحسن وضوءك !!
ولأولئكـ الذين يرفعونَ أقدامهم في تثاقلٍ ليكونوا بالصَّدارةِ، أو أمثال مَنْ يقدّم خطوةً في بُطئٍ ثمَّ يرجعُ بأخرى، فلا أقلّ من أن تُحسنَ الاصطفاف حيثُ أُمرت، وقبلَ هذا فأحسنْ العُدّة لمثل هذا المقام.
قد رشّحوك لأمرٍ لو فَطِنتَ له  فارْبأ بنَفْسك أنْ ترعى مع الهَمَلِ
يُروى عن أبي روحٍ الكلاعي رضي الله عنه أنّه صلّى مع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقرأ بالروم فتردّد في آية، فلمَّا انصرف قال: (إنَّه لُبس علينا القرآن أنَّ أقواماً منكم يصلّون معنا لا يُحسنون الوضوء، فمن شهد الصَّلاة معنا فليحسن الوضوء).(رواه أحمد في مسنده،والنسائي في معناه).
فهي طهارةٌ ذاتُ معنىً حسيٍّ مرَّةً، ومعنويّ في أخرى، وكما كان الوضوء مبدأ الصَّلاة وسرّاً لقبولها وتمامها، كان التهيؤ لحملِ أمانة التبليغ والدعوةِ سراً أصيلاً في نجاحها.
إنّ التخليطَ في المُنطلق، أفسدَ على القائمين صلاتهم من قبلُ، ثمَّ هو يفسدُ على العاملينَ مقارعتهم الباطلَ اليوم. ليشهدَ العالمون منذ أمدٍ أنّ واحداً من أسبابِ الخشوعِ في الصَّلاةِ إحسانُ الوضوء، وكم يجمُل الإحسانُ فيه على المكارهِ!!
وحُسنُ وضوءِ الدَّاعيةِ قبل أنْ يهُمّ في لُجّةِ العملِ؛ نقاءُ ابتداءٍ، وكمالُ إعدادٍ للقلب والعقل، بنَهْلٍ من ضروبِ العلم، ونَهَمٍ في فهم القواعد والأصول، وبذلٍ لخيرةِ الأوقاتِ حتى في المكاره، وهل قومٌ غيرنا يعرفون بسيماءِ التحجيل؟!
وبعدُ، فلا يظنّنَّ قابعٌ في آخر الصفِّ أنّ مثلهُ لن يؤخر نصراً أو تمكيناً، فمِنْ قِبَلِهِ يُؤتى القومُ، وبمثله تُلبس عليهم آياتُ النَّصر في كتاب التغيير !!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الحريات في زمن عمر بن الخطاب

لست أدري من القائل: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، لكن ما أعلمه أنها قيلت …