الأقصى والمرابطون و(مساطب العلم) – بقلم : لمى خاطر

الرئيسية » حصاد الفكر » الأقصى والمرابطون و(مساطب العلم) – بقلم : لمى خاطر
كان مشهداً رائعاً ذاك الذي أظهر حلقات لعشرات المرابطين من الداخل الفلسطيني والقدس في ساحة الحرم القدسي، وطلاب مشروع (إحياء مساطب العلم في المسجد الأقصى المبارك) الذي ترعاه (مؤسسة الأقصى للوقف والتراث)، وكانت روعته نابعة من ملامح الحياة التي أعادها إلى ساحات المسجدين (القبلي والقبة) في الحرم، ومن كونه شكل عائقاً أمام الاقتحامات المتكررة للجماعات اليهودية المتطرفة والمستوطنين التي دأبت على تدنيس ساحات المسرى خلال الأيام الماضية!

كان العجب قد تملك الكثير من المتابعين والمهتمين بالشأن المقدسي حين مرّت اقتحامات العصابات اليهودية للأقصى مرور الكرام، ودون صدى أو ضجيج، سواء على المستوى الإعلامي أم الميداني داخل وخارج فلسطين، رغم أنها اقتحامات لم تختلف في قذارتها وجرأتها على حرمات الله عن اقتحام شارون المشهور للأقصى والذي تفجرت على خلفيته الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أيلول 2000، ولكن الفرق هذه المرة أن أياً من المنابر الإعلامية الهامة التي كان لها دور في صناعة الأحداث التاريخية لم يغطّ الحدث ولم يوله العناية الكافية، وذلك في غمرة الانشغال بمتابعة تفاصيل الحراك العربي في أكثر من بلد.

أما ميدانياً، وداخل فلسطين على وجه الخصوص، فلن نبالغ لو قلنا إن الشارع الفلسطيني سقط في اختبار انتهاك الحرم الأول، وإن صمته المطبق تجاه التطورات في ساحة الحرم، أو على الأحرى عدم سماعه بها، كان عامل إغراء مركزي شجع الجماعات اليهودية على تكرار فعلتها، وعلى استقطاب مستوطنين من مستوطنات الضفة ليقتحموا ساحة الحرم ويدنسوها.
علينا أن نعيد للأقصى اعتباره في النفوس، وأن نربط الأرواح به بحبل وثيق، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق حملة نصرة كبيرة رسمية وشعبية
غير أن فكرة المرابطة في ساحات الحرم التي اجترحها فلسطينيو القدس والداخل كانت وأضحت درع المقاومة الوحيد أمام طوفان التهويد والانتهاك الصهيوني للأقصى، ولولا أن هيأ الله سبحانه وتعالى هذه الثلة المباركة لتحمل همّ القدس وتذود عن حمى مسراه، لكن حال الأقصى اليوم متراجعاً أضعاف ما هو عليه الآن، فحلقات العلم التي انتشرت على مدّ ساحات الحرم كانت تنبض تحدياً وأصالة وإصرارا، وكانت تعبيراً صادقاً عن الالتصاق بالمقدسات والانتصار لها بالفعل، والانغراس فيها حين يحيق بها الخطر.

بطبيعة الحال لسنا نطالب أهل غزة والضفة بالرحيل إلى الحرم والمرابطة في ساحاته في ظل واقع الحصار المضروب حولهم وحول الأقصى، والذي بات معه وصول أهل الضفة إلى القدس واحداً من المستحيلات الكبرى، لكن كلّ ميدان قادر على نصرة الضفة في حدود إمكاناته، وما زال بإمكان الضفة التي تحتضن القدس أن تترجم انتصارها لها هبة شعبية جديدة تعيد للقدس اعتبارها في وعي أهل فلسطين ووجدان الأمة، وتفرضها قضية أولى على واجهات الإعلام والسياسة والتضامن العالمي.

وقبل ذلك علينا أن نعيد للأقصى اعتباره في النفوس، وأن نربط الأرواح به بحبل وثيق، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق حملة نصرة كبيرة رسمية وشعبية تترجم فصولها على جميع المستويات؛ في المساجد والمدارس والمخيمات الصيفية ووسائل الإعلام المحلي والميادين، فعملية الإحياء التي يحتاجها وعي شعبنا اليوم تتطلب جهوداً متعددة ومستمرة، دون الاكتفاء بالتعويل على نهضة تعقب شرارة أو حدث ميداني كبير.

وليكن حال أهلنا في الداخل الفلسطيني (مناطق الـ48) قدوة ومثالا، فهؤلاء؛ يعيش المخلصون منهم همّ المقدسات الإسلامية على الدوام، وتتربع القدس باستمرار على أجندة نشاطهم، وتظل عنواناً دائماً له، فهم لا يتعاملون مع الأقصى بإملاء العاطفة وحدها أو الارتهان لردات الفعل، بل عبر سلسلة مشاريع فعلية ومثمرة بدأت منذ سنوات، وما زال عطاؤها متصاعداً ومستمرا، وما مشروع (مساطب العلم في المسجد الأقصى المبارك) إلا أحدها.

المصدر: صحيفة فلسطين (غزة)

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

في معنى الأُسوةِ الحسنة.. هل يكفِي أن نمدح محمّدا؟

"لَقدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذكَرَ …