داء التنظير .. إشكالية الهروب من الواقع

الرئيسية » بصائر من واقعنا » داء التنظير .. إشكالية الهروب من الواقع
alt

إنَّ داء التنظير لم يكن رهين زمن معين، أو أناس مخصوصين، بل دائماً ما يستنسخ نفسه في أشخاص جدد ومسمّيات مستحدثة، تارة تحت مسمَّى العلم والشَّرع، أو تحت مسمَّى الفكر والعقل، وأخرى تحت مسمَّى النهضة والقيادة، وغيرها من المسمَّيات التي يختبئ تحتها أصحاب هذا المرض المعدي الفتَّاك المؤثر سلباً بوحدة الأمَّة وقوتها.
ويتسم أصحاب هذا الدَّاء، بأنَّهم يقضون وقتهم في النقاشات الجدلية، والتنظيرات الفلسفية، وهم في الوقت نفسه ، يتنكرون لواقعهم، ويبتعدون عمَّا يحتاجه، ويتناسون قضاياه، لأنَّ الواقع يحتاج للعاملين الفاعلين، والمشمّرين المجتهدين، والمجاهدين المضحين.
وحتى إذا أراد البعض الخوض في الواقع، فإنَّه يكون متشائماً لأبعد الحدود، فيراه بصورة سوداء قاتمة، وينزع عنه الخير والأمل، ويبث بين من يعرفهم اليأس والإحباط، لأنَّه ينادي بحالة مثالية بعيدة عن الواقع، وهو في الوقت ذاته ، دائم الوصف بالعموميات والكليات، بعيداً عن التفصيلات، والملاحظات الدقيقة، لأنَّها تحتاج إلى من يكشفها من خلال عمله، وجهده.
ومن ناحية أخرى، فإنَّ أصحاب هذا الدَّاء، يظنون أنفسهم أوصياء على الأمَّة، ومصحِّحون لمسيرة العاملين، فيرون أنفسهم أصحاب العقل والفهم والخبرة، ويلمزون غيرهم بالسطحية وسوء الفهم وضحالة الفكر، بأساليب مستفزة، تنزع عنهم كلّ خير، وتصفهم بأقبح الأوصاف والسمات.
ويزداد هذا المرض فتكاً وخطورة، إذا تسلل لنفوس العاملين، فيجعلون كلَّ عمل تقوم به الدعوة، خاضعاً لمقاييس الأهواء والعقول الفردية، ويزداد هذا المرض فتكاً وخطورة، إذا تسلل لنفوس العاملين، فيجعلون كل عمل تقوم به الدعوة، خاضعاً لمقاييس الأهواء والعقول الفردية، متنكرين للعقلية والخبرة الجماعية، ويبدؤوا بوضع مقاييس جديدة للدعوة، يتهمون فيها غيرهم ممَّن خالفهم بالشذوذ، والانحراف عن المنهج، والرجعية والتخلف والتقليد والجمود، ويوجهون سهام نقدهم للقيادات المعروفة بإخلاصها وتضحياتها، ليكونوا في صف واحد مع المشككين، والمنتفعين، وإن كانت الأسباب مغايرة، ثم يتركون الصف، ظانين أنَّهم بتركهم سيقيمون دولة الخلافة، أو سيغيرون الواقع بتنظيراتهم، والتي ستؤثر بشكل قوي وسريع، وأكثر فاعلية –حسب ظنهم-  من جهود عشرات السنين التي بذلتها الدَّعوات وقدَّمت الغالي والرَّخيص لتحقيقها وإنجاحها.
وممَّا يزيد هذه الظاهرة بشاعة، سوء فهم العبارات، والتعامل مع الأفكار والكتب، بطريقة لم يردها أصحابها، فيظن أحدهم مثلا، أنَّه لو قرأ كتاباً لأحد المفكرين، صار صاحب حوزة الفكر، وأستاذ النهضة الأوَّل، وصار المرجع الأول والأخير لتقييم العاملين، بجرة قلم، أو بأحرف مطبوعة على حاسوبه، بينما يبذل العاملون جهودهم ويجابهون العوائق والصعاب، ليصلوا إلى أهدافهم المرحلية والمستقبلية.
وتزداد هذه الظاهرة خطورة، مع انتشار وسيلة الانترنت، وسهولة التواصل بين الناس، وبخاصة على الشبكات الاجتماعية، حيث يقوم هؤلاء، بتثبيط العاملين، والتشكيك في المواقف، والتركيز على السلبيات  وتضخيمها، والتقليل من أي فعل إيجابي، مرتكزين في ذلك إلى عبارة مجتزأة عن سياقها، من كتاب فلان أو فلان، دون مراعاة للسياق، أو للزمن الذي قيلت فيه العبارة، ودون مراعاة لفرق الزمن والأحوال والظروف، والتي تجّوز التغير في الاحكام والآراء والأفعال.
إنّ هناك من لا يتقن سوى التشدق بعبارات الانتقاد للآخرين، فهو يبني نفسه على انتقاد العاملين  والمضحين، ويرفع مقامه على هدم سمعتهم، ويتسلق على غيره بالشتم وكيل الاتهام، وفي الوقت ذاته، ينسى أنَّه لم يقدّم لأمته شيئا، سوى كلمات وأحرف، وعبارات وأقوال، في حين يسير العاملون في منهجهم، ويغيّرون واقعهم، لينعم به الناس جميعاً، ومنهم هؤلاء المنظّرون.
إنَّ المنظرين كالطبول الفارغة، التي تملأ ما حولها ضجيجاً وإزعاجاً، إن المنظرين كالطبول الفارغة، التي تملأ ما حولها ضجيجاً وإزعاجاً ، فهؤلاء ابتعدوا عن ميادين العمل، ومقارعة الظلم، وتغيير المنكر، وظلوا رهن بيوتهم، يطلقون التنظيرات الفلسفية، ويبرزون في المناقشات الجدلية البيزنطية التي لا طائل منها ولا فائدة.
إنَّ أفعال المرء نابعة عن اهتمامه، وأهدافه، وإنَّ المرء حينما يكون هدفه إظهار نفسه، فإنَّه يقوم بتجريح الآخرين، وهدم أفعالهم، خلافاً لمن يهتم بمصلحة الدَّعوة، وتحسين أدائها فيقوم بالنصيحة بعيداً عن الغوغائية والفوضوية، والتشكيك والتخوين.
كما أنَّ هناك فرقاً واضحاً ، بين إبداء الرأي الناشئ عن صحة التصور، وسلامة المقدمات، وبين التنظير البعيد عن الواقع والمتنكر له. فأصحاب الرأي والنصيحة البنَّاءة، هم من تنجح بهم الدَّعوات، وتتقدَّم وتسمو عن أي زلة أو خطأ، في حين أنَّ أصحاب التنظير والتشكيك، يزعزعون الصف الداخلي، ويبثون فيه الفرقة والانقسام، عبر الانشغال بقضايا لا فائدة منها، سوى أنَّها تجلب الاختلاف والعداء بين الأفراد.

 

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

فرنسا من الداخل “مصادرة الآراء واضطهاد أصحاب الفكر المخالف”

خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …