المرجعية الإسلامية للدولة المدنية – بقلم: إبراهيم البيومي

الرئيسية » حصاد الفكر » المرجعية الإسلامية للدولة المدنية – بقلم: إبراهيم البيومي
alt

يحتدم الجدل هذه الأيام بين تيارات الفكر السياسي المتنافسة في مجتمعاتنا العربية بين دعاة الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، ودعاة الدولة المدنية ذات المرجعية العلمانية. فالأولون يرون أن الإسلام يفرض بناء نظام الدولة على أسس مدنية يكون الشعب فيها هو مصدر جميع السلطات، مع الفصل بين هذه السلطات وتحقيق التوازن فيما بينها، وأن يكون مبدأ الوحدة أعلى وأولى من جميع المنافسات السياسية، وأن يكون الحاكم وحكومته موضع المساءلة والمحاسبة وفق إجراءات واضحة وقانونية تكفل رقابة فعالة على كل من يتولى مسئولية السلطة العامة.

أما الآخرون وهم دعاة الدولة المدنية ذات المرجعية العلمانية، فيطرحون فكرتهم الأساسية من منظور "فصل الدين عن الدولة"، ويركزون جل اهتمامهم لنشر هذه الفكرة بدعوى أنها كفيلة بتحقيق "مدنية الدولة"، وأنها كفيلة أيضاً بأن يكون الشعب مصدر السلطات وأن تكون الحكومة مسئولة عن أعمالها.

وكنت أظن أن ما يقوله أنصار "مدنية الدولة بمرجعية علمانية" له نصيب من المنطق. ولكن متابعتي لمجمل ما يطرحونه أكد لي أن الحجتين السابقتين ليس لهما ظل من الحقيقة، وأنهم فقط يثيرون الخوف والفزع من أنصار مدنية الدولة ذات المرجعية الإسلامية لكونهم يمتلكون خطاباً سياسياً أكثر قرباً من أغلبية المواطنين، وأكثر تعبيراً عن آمالهم وطموحاتهم، في الوقت الذي يعاني فيه الخطاب السياسي لأنصار الدولة المدنية ذات المرجعية العلمانية من الانفصال عن نبض المواطنين ويعجز باستمرار عن استمالتهم إلى ما يدعوهم إليه.

قولهم إن المرجعية الإسلامية ستكون مدخلاً للدولة الدينية، هو قول مرسل، ولا يقوم عليه دليل واحد لا من أصول المرجعية الإسلامية، ولا من وقائع تاريخ السلطة في الاجتماع السياسي الإسلامي. ومع ذلك يظل أنصار مدنية الدولة ذات المرجعية العلمانية يرددون هذه التهمة، ويلقونها هكذا على عواهنها دون أن يدعموها بدليل يؤيدها، أو برهان يثبتها. أما التهمة الأخرى التي يرددونها فهي أن "المرجعية الإسلامية للدولة المدنية" تعبير عائم وغائم. يقولون هذا رغم وجود كثر من الاجتهادات القيمة التي بذلها مفكرو التيار الإسلامي في هذا الموضوع بالذات. وكنا قد أسهمنا ـ قبل سنوات ـ في شرح المقصود بالمرجعية الإسلامية للدولة المدنية من المنظور السياسي.

ففي يوم بتاريخ 4 مارس سنة 2007 ألقيت محاضرة بعنوان "نحو فهم جديد للمرجعية الإسلامية". وكان الفهم السائد لمعنى "المرجعية الإسلامية" آنذاك يتسم بالعمومية، ولا يخرج عن إطار التأكيد على ضرورة التمسك بمبادئ الشريعة ومقاصدها في تنظيم الشئون العامة للمجتمع والدولة. وجاءت تلك المحاضرة بدعوة من مؤسسي حزب الوسط الجديد  -كان لا زال تحت التأسيس وقتها- وقد ألقيتها في جمع من المثقفين بالمركز الدولي للدراسات بالقاهرة. وكانت التساؤلات قد كثرت آنذاك بشأن قبول أو رفض تأسيس أحزاب سياسية مدنية بمرجعية إسلامية، وما المقصود تحديداً عندما نقول "حزب سياسي مدني بمرجعية إسلامية" أو "دولة مدنية بمرجعية إسلامية"؟. وكانت المناسبة التي أثارت هذه التساؤلات هي التعديلات الدستورية التي كانت مطروحة للنقاش العام وتم الاستفتاء عليها في 25 مارس 2007.

كان الهدف الأساسي من محاضرتي هو تقديم مساهمة نظرية تؤدي إلى الانتقال من مستوى التعميم في استعمالنا لمصطلح "المرجعية الإسلامية" إلى مستوى التخصيص، ومن الإجمال إلى التفصيل. وبدأت محاضرتي تلك بتأصيل نظري لمعنى "المرجعية الإسلامية" وما مصادرها؟ وما وظائفها؟ ثم تكلمت عن عشرة مبادئ، اعتبرت أنها تشكل في مجموعها المعنى الذي نشير إليه عندما نتحدث عن "دولة مدنية" أو "حزب سياسي" بمرجعية إسلامية. وهذه المبادئ العشرة هي:

أولاً: الكرامة الإنسانية، وأساس هذا المبدأ هو قول الله تعالى" ولقد كرمنا بني آدم، "  وتكريم الإنسان في الإسلام سابق على ارتباطه بأي نوع من الروابط الاجتماعية أو الدينية أو السياسية، أو غير ذلك من الروابط التي تؤطر الوجود الحياتي له، وهذا يعني أنه مكرم في ذاته ولذاته. ويعني أيضاً أن كل سياسة أو قرار أو مشروع أو ممارسة تنتهك شيئاً من كرامة الآدمي هي انتهاك لإسلامية الدولة، وإهدار لشرعية السلطة التي تقوم على شئونها بنفس القدر الذي تنتهك به الكرامة الآدمية. وقلنا إن "كرامة الآدمي " هي القلب النابض لفكرة المجتمع المدني التي أتى بها الإسلام لبناء دولته المدنية.

ثانياً: إعلاء قيمة العقل، والدعوة لتحريره من كل قيد يمنعه من التفكير والإبداع. وخاصة قيود الخرافات والتقليد والأمية. وإطلاق حرية التفكير باعتبار أن العقل هو النعمة الكبرى التي أنعم بها الله على بني الإنسان، وجعل التفكير فريضة من فرائضه، ونظر إلى المقصر في أدائها كالمقصر في أداء الصلاة، أو الصيام أو الزكاة، وغير ذلك من سائر فرائض الإسلام. وكل سياسة أو قانون أو ممارسة لا تضمن للعقل حريته فهي مناهضة لشرعية الدولة المدنية المؤسسة على مرجعية إسلامية.

ثالثاً: العمل بمبدأ الشورى، لمنع الاستبداد، وتجنب الاستئثار بالسلطة، وقطع الطريق على شهوة الانفراد بالرأي. ومن مستلزمات الشورى أن تتخذ السلطة كل ما من شأنه تشجيع المواطنين على المشاركة وإدانة السلبية والانعزال. ومن ذلك أيضاً عدم الاعتراف لفرد أو حزب أو جماعة أو لحكومة بالعصمة وأن العصمة للأمة ؛ أي لمجموع الشعب، وإرادته العامة التي يتم التعرف عليها من صناديق الاقتراع الحر، وبصفة دورية.

رابعاً: نقض السلطة الدينية، وتقويض أركانها، وتجفيف منابعها. والسلطة الدينية تعني فرض وصاية أو رقابة على ضمير الفرد أو محاسبته على إيمانه المستكن في قلبه. فالإسلام يعتبر أن أي تسلط على ضمير الفرد أو إيمانه أو عقيدته عملاً غير مشروع، وانتهاكاً لحريته الأساسية في الاختيار والاقتناع بما يريد. وعليه فإن وجود أي سلطة تدعي لذاتها حقاً ـ صغر أم كبرـ في التدخل في ضمير الفرد أو الرقابة عليه أو معاقبته على أساس معتقده فهي سلطة غير شرعية، وتدهم شرعية الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية من أساسها. ونحن نؤمن بأن الإسلام ليس فيه سلطة دينية إلا سلطة الوعظ والإرشاد العام فقط؛ وأسلوبها هو الحكمة والموعظة الحسنة، وبعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

خامساً: أن كل إنسان معصوم الدم والعرض والمال بآدميته فقط، ولا يحل لأي كان أن ينال من ذلك شيئاً؛ إلا بجناية ارتكبها وفق قواعد القانون وبحكم قضائي عادل.

سادساً: إعلاء قيمة العمل، والعمل وحده ـ ذهنياً أو بدنياً ـ هو المصدر الوحيد للكسب. وهذا يقتضي تجريم كل مصدر آخر للكسب مثل الرشا، والسرقة ، والغصب، وأكل المال العام، والاستيلاء على ممتلكات الغير بالباطل.

سابعاً: إقرار العدل لإبطال الظلم. والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، دون زيادة أو نقصان؛ وضمن ذلك وجود قضاء حر ومستقل. وإن أي سياسة أو قانون أو ممارسة ينتج عنها ظلم تعتبر باطلة، وتنتقص من شرعية السلطة الحاكمة، وتنتهك إسلامية مرجعية الدولة المدنية.

ثامناً: إقرار التعددية الدينية ، وحماية المختلفين في العقيدة وحقهم في البقاء عليها، وتجريم أي عدوان يقع عليهم بسبب عقيدتهم. ومن باب أولى إقرار التعددية الفكرية والسياسية، واختلاف الآراء في تقدير المصلحة وصوغ السياسية الملائمة للمنفعة العامة، ورفع كفاءة المجتمع على مواجهة مشاكله وتحسين نوعية حياة أبنائه؛ فالمرجعية الإسلامية تقرر الاختلاف والتعدد، وتجعل الفيصل في اختيار رأي على آخر، وتفضيل سياسية أو برنامج على برنامج لرأي أصحاب المصلحة وهم جمهور الشعب.

تاسعاً: تجريم الإقصاء السياسي والاستبعاد الاجتماعي، ومن ثم عدم الاعتراف لفرد أو حزب أو جماعة أو فئة أو طائفة كائنة ما كانت بأنها تمتلك وحدها الحقيقة الكاملة، أو إنها معصومة من الخطأ، ولهذا فقد أمرت المرجعية الإسلامية بالشورى، وحضت على الاستشارة كطريق للمساعد على التوصل إلى الصواب النافع والمحقق للمصلحة.

عاشراً: بناء القوة وإدانة الضعف. فالقوة المادية والمعنوية، الصلبة والناعمة، مطلوبة لحماية استقلال الوطن وعزة الشعب وتحريره من أية هيمنة أجنبية تسلبه إرادته، أو تهين كرامته. والسلطة التي تفرط في القوة، وتتسبب في ضعف المجتمع والدولة تفق شرعيتها وفق معايير المرجعية الإسلامية للدولة المدنية.

تلك هي المبادئ العامة للمرجعية الإسلامية للدولة المدنية، ولما يتفرع عنها من أحزاب سياسية. وهي أيضاً معايير تمكننا من تقويم أدائها، وتقدير مدى اقترابها أو ابتعادها عن المعايير الإسلامية في إدارة شئون المجتمع والدولة.

.............
نقلا عن صحيفة السبيل الأردنية

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الانتخابات مدخلاً لإصلاح البيت الفلسطيني؟!

تداولت الأوساط الفلسطينية بارتياح تطورات الحوار بين فتح وحماس في إسطنبول، التي يبدو أنها قطعت …