محطَّة الإسراء والمعراج في مسيرة الدَّعوة

الرئيسية » بصائر تربوية » محطَّة الإسراء والمعراج في مسيرة الدَّعوة
alt

إنَّ الإسراء هي الرّحلة التي أكرم الله بها نبيّه محمَّداً صلَّى الله عليه وسلّم من المسجد الحرام بمكَّة المكرَّمة إلى المسجد الأقصى بالقدس، أمَّا المعراج، فيقصد به ما أعقب ذلك من العُروج به إلى طبقات السَّماوات العُلا، ثمَّ الوصول به إلى حدٍّ انقطعت عنده علوم الخلائق من ملائكة وإنس وجنّ، كل ذلك في ليلة واحدة، قال الله تعالى يصف هذه الرِّحلة، وقد سمَّى سورة باسمها  هي سورة الإسراء، قال تعالى:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. (الإسراء :1).

وهناك مواقف ومفاصل في هذه الرّحلة اتفق عليها جمهورُ العلماء، نوجز ذكرها في سطور دونَ الغوص في تفاصيلها، قبل أن نبحث في دلالاتها  التربوية والدَّعوية في واقع المسلمين والعمل الإسلامي اليوم...

-كانت هذه الرّحلة بالجسم والرّوح معاً، لذلك فهي معجزة من المعجزات الباهرة التي أيَّد وأكرم الله بها نبيّه محمَّداً عليه الصَّلاة والسَّلام.
-بعدما أسري بالنبي صلَّى الله عليه وسلّم  إلى بيت المقدس وصلاته فيه بالأنبياء، عُرج به إلى السَّموات السَّبع في ليلة واحدة.
- أتاه جبريل عليه السَّلام  بإناء  من خمر وإناء من لبن، فاختار عليه الصَّلاة والسَّلام اللبن، فقال جبريل : (اخترت الفطرة).
-في هذه الرّحلة فرضت الصَّلوات الخمس على المسلمين، وهي في أصلها خمسون صلاة في اليوم والليلة.
-كذبت قريش رسول الله في ما ذكره من تفاصيل هذه الرّحلة، وصدًّق المؤمنون، الذين كان منهم أبو بكر الصديق الذي قال: (إن كان قال ذلك لقد صدق، إنّي لأصدقه على أبعد من ذلك).

في دراستنا لهذه المحطَّة المهمَّة في مسيرة دعوة الرّسول صلَّى الله عليه وسلّم  لقومه لا يمكننا أن نغفل توقيتها الزَّمني، حيث إنَّها جاءت بعد سلسلة من المعاناة وألوان من المحن والابتلاءات التي لاقاها من قومه قريش، التي كان منها :
-موت زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، والتي كانت خير عونٍ له في دعوته.
- ثمَّ تلاها موت عمّه أبي طالب ، ليفقد بذلك الحماية التي كان يتمتّع بها ، حتى تجرّأت قريشٌ على إيذائه – صلى الله عليه وسلم – والنيل منه.
- ثمَّ زادت المحنة بامتناع أهل الطائف عن الاستماع له ، والقيام بسبّه وطرده، وإغراء السفهاء لرميه بالحجارة، ممَّا اضطرّه للعودة إلى مكّة حزيناً كسير النفس.
ومع اشتداد المحن وتكاثر الأحزان ، كان النبيُّ  صلَّى الله عليه وسلَّم  في أمسّ الحاجة إلى ما يعيد له طمأنينته، ويقوّي من عزيمته، فكانت رحلة الإسراء والمعراج.

من محنة التكذيب على منحة الإسراء ..

حمل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمانة ربّه بيقين، وبلَّغها أصحابه في بداية الدَّعوة بحكمة وصبر وإخلاص، لكنَّ قومه كذّبوه وصدّوه وأهانوه، وصفوه بشاعر وكاهن وساحر فصبر، وتوالت المحن فماتت زوجه خديجة التي كان يأوي إليها عند تعبه فتشدّ من أزره وعزيمته وتقوّيه، ثمَّ مات عمّه أبو طالب الذي كان يحميه، فلجأ إلى البلاد المجاورة  باحثاً عن رجال صدق يعينونه في تبليغ هذه الدَّعوة، فذهب إلى ثقيف ولكنَّها ردته رداً سيّئاً وأغرت به السّفهاء، فضربوه بالحجارة حتَّى أدميت قدماه الشريفتان، فيجلس تحت ظل شجرة يدعو ويشكو ما بلغ به إلى مولاه سبحانه وتعالى فيقول: (اللهمَّ إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِي، وقلَّة حيلتي، وهواني على النَّاس، يا أرحمَ الرَّاحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربِّي، إلى مَنْ تَكِلُني ؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِي ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحلَّ عليَّ سَخَطُك، لك العُتْبَى حتَّى ترضى، ولا حولَ ولا قوة إلاَّ بك) .
فتأتيه من ربِّ السماوات والأرض منحة الإسراء والمعراج إيناساً له صلَّى الله عليه وسلَّم من وحشة التكذيب والصّد، وسياحة له لتأكيد نبوّته ورسالته.. و في ذلك كلّه درسٌ لكلِّ داعية وصاحب مشروع، لكلِّ ذي همّ ومحنة ومصيبة، درسٌ بأن يلجأ إلى الله سبحانه ويعتصم بحبله ويوطّد علاقته به، فإنَّ الفرج مرهون بخطوة إنابة وحرقة استجابة ودمعة رقابة لله سبحانه.
تأتي ذكرى الإسراء اليوم، والمسجد الأقصى يتعرَّض لأكبر هجمة وأشرس عمليات التهويد والهدم، لتذكر الأمَّة الإسلامية بواجبها تجاه القضية الفلسطينية على وجه العموم، ومدينة القدس والمسجد الأقصى على وجه الخصوص
إمام الأنبياء وخاتمة الرّسالة ..

صلاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالأنبياء دليل على وحدة الأنبياء في دعوتهم، فالجميع جاء برسالة التوحيد الخالص من عند الله عزَّ وجل، الأنبياء إخوة ودينهم واحد، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]. وما جرى في اليهودية والنصرانية من الانحراف فيما بعد، إنَّما هو بفعل أيديهم، قال الله تعالى:  {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة:30].
ولصلاته بالأنبياء دلالة على  أنَّ النبوة والرِّسالة قد انقطعت فلا نبوة بعد رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام ولا رسالة، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالته خاتمة وناسخة لجميع الشرائع السماوية، قال سبحانه : {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}. [الأحزاب:40].

الثبات في المحن ..

كان خبرُ معجزة الإسراء والمعراج سبباً في زلزلة إيمان بعض من آمن بالرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، قال ابن كثير في معرض حديثه عن الإسراء والمعراج : (وارتد ناسٌ ممَّن آمن بالنّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام). لأنَّ  عند المحنة والابتلاء يظهر معدن الرّجال، وتتساقط أوراق أنصاف الرِّجال وأشبهاهم، فالصّدق سلعة غالية لا يتقنها إلاَّ الرِّجال، ومنهم أبو بكر الصّديق الذي جاءته قريش تقول له: انظر ما قاله صاحبك إنَّه يدَّعي أنَّه أتى في بيت المقدس وعاد في ليلة، ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً ذهاباً، وشهراً إياباً، فما كان منه رضي الله عنه إلاَّ أن قال: وهو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال:  (إن كان قد قال، فقد صدق).

نداء الفطرة السَّليمة ..

في اختيار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اللَّبن دليل على اختياره الفطرة، وأنَّ الإسلام دين الفطرة السَّليمة، وأنَّ أحكامه وتشريعاته كلّها تنسجم ولا تتعارض قيد أنملة مع نوازع الفطرة الإنسانية الأصيلة، فمهما  طغت بهارج المدنية الغربية الزَّائفة فإنَّ صوت الفطرة الأصيل سيظل موئل العائدين إلى الله الرَّاغبين في صفاء العقل وعمارة الرّوح بسرّ الوجود.

مسؤولية تحرير الأقصى ..

إنَّ الإسراء من مكَّة المكرَّمة؛ حيث بيت الله الحرام إلى القدس؛ حيث المسجد الأقصى لدلالة على  ضرورة أن يحافظ المسلمون على مقدّساتهم وأن يحموها من كلِّ غاصب محتل، فتأتي ذكرى الإسراء اليوم، والمسجد الأقصى يتعرَّض لأكبر هجمة وأشرس عمليات التهويد والهدم، لتذكر الأمَّة الإسلامية بواجبها تجاه القضية الفلسطينية على وجه العموم، ومدينة القدس والمسجد الأقصى على وجه الخصوص.
ولعلَّ صلاح الدين الأيوبي محرّر الأقصى قد استلهم دروس الإسراء، فأعدَّ القوَّة اللازمة لاسترداد  قبلة المسلمين الأولى ومهبط الأنبياء والمرسلين، وشاركه في ذالك علماء أفذاذ ودعاة مخلصون، لتصبّ جهودهم كلها نحو هدف التحرير، ونحن في هذه الذكرى نستشعر هذه الأمانة فنسعى إلى الحفاظ عليها من خلال الإعداد التربوي للجيل الذي يحمل هذه الرسالة، وهو يستبشر بقول صاحب الإسراء  صلَّى الله عليه وسلَّم : ((لتقاتلن اليهود فيختبأ اليهودي وراء الحجر أو الشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعال فاقتله)). رواه مسلم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …