رحلة العمر .. (1 -3 )

الرئيسية » بصائر العبادة والدعاة » رحلة العمر .. (1 -3 )
alt

النظر إلى بيت الله الحرام 
تنشط السياحة في مواسم العطلات، وتنشط كذلك الدعاية لها التي تجذب الجمهور لقضاء أمتع و أجمل الأوقات التي لن ينسوها، وجميع العروض تمتد ما بين الأخضر من جمال الطبيعة، أو الأزرق بلون البحر، أو البني بلون حجارة الآثار، أو تُقدم المادة من تسوق و ملاهٍ كسمة جذابة لمكان بعينه.
والسياحة و السَّفر محمودان؛ ففيهما تغيير للنفس، وتبديل للعادات، وتفتيح للمدارك، وتعارف بين الناس، إلاَّ أنَّ أسفار الدنيا لا تخلو من نقص يعتريها ولو كانت ممهورة بختم الخمسة نجوم، لأنَّ في القلب وحشة لا يملؤها كما يقول ابن القيم إلاَّ الأنس بالله، "و فيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه و الفرار إليه، و فيه فاقة لا يسدها إلا محبته و الإنابة إليه" و بهذا السفر إلى الله فقط تكتمل نزهة الرّوح و الجسد، ويتكلل الشوق باللقاء، ذلك الشوق الذي قاد سيدنا موسى سريعا تاركاً وراءه قومه ينادي: "وعجلت إليك ربي لترضى"...

في صحن الحرم ..
لا عجب أنَّ معظم ما وصلنا من سيرة الصَّحابة يغلب عليه الطابع الإيجابي والتفاؤلي حتَّى في التعامل مع أصعب وأكثر مشاكل الحياة تحديّاً وإيلاماً، و ما لها لا تكون حياتهم بهذه المثالية والرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بين ظهرانيهم، وهم يزورون بيت الجلال في مكَّة وبيت الجمال في المدينة خمس مرَّات في اليوم على الأقل، وبهنَّ ينجلي الحزن عن قلب كلِّ مهموم وينكشف الغمّ عن المكروب وتسري رحمة الله على الزوَّار، وتنطلق كلّ مناشط حياتهم صغيرها وكبيرها في الجد والترويح من جانب المحراب.

أنَّ أسفار الدنيا لا تخلو من نقص يعتريها ولو كانت ممهورة بختم الخمسة نجوم، لأنَّ في القلب وحشة لا يملؤها كما يقول ابن القيم إلاَّ الأنس بالله إذا سكنت في الليل إلى جانب الكعبة وبت لربِّك ساجداً وقائماً ستشعر بالفرحة تملأ المكان وتفيض حتَّى من بين دموع المتضرعين، فلقد ورد في الحديث في وصف الكعبة أنَّها تحشر كالعروس المزفوفة وكل من حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة، بل إنَّك بمجرَّد النظر إليها تكسب الأجر وتمتع البصر وتغمرك سكينة وهدوء نفسي لا يتحقق لك في أيّ مكان في الدنيا سوى في البيت الحرام.
نظرة إلى الكعبة تذكرك بلذة النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى التي يتجلَّى بها على عباده في الجنة، فما يرون نعمة ولا فضلاً يوازيها، ولكن نظرة قرة العين هذه تحتاج أن تصون ناظريك عن نظرات دونها "فإطلاق النظر ينقش صورة المنظور في القلب، والقلب كعبة، والمعبود لا يرضى بمزاحمة الأصنام"، ولكم رأينا الكعبة على التلفاز، ولكنَّها رأي العين أجمل وأجل و ذلك تحقيق الدعاء المأثور : "اللهم زد هذا البيت تشريفا و تعظيما و مهابة و براً، و زد من زاره ممَّن حجَّ أو اعتمر تشريفاً و تعظيماً ومهابة"

يغمرك شعور مجلَّل بالحمد مقرون بشعور التقصير، فلولا عفو الله و توبته عليك لما وصلت مكانك ولكنت من المحرومين لما جاء في الحديث الشريف : ((إنَّ عبداً أصححت له جسمه و أوسعت له في رزقه تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم))، و لكنَّه سبحانه نظر إليك بعين الرَّحمة، وناداك إلى بيته الأطهر في الأرض ليقربك إليه، وليُنعم عليك بشرف الزوَّار بعمل مقبول وذنب مغفور وتجارة بإذنه تعالى لن تبور، تكاد لرحمته تنسى ذنوبك وذاك من سعة مغفرة الله، فإنَّ القادر إذا عفا وتاب لا يعود ليذكر بالذنب، بل يزيد في الوصل ويبدل السيئات بالحسنات.
ملايين حولك وعبادة لا تنقطع في ليل أو نهار أو حرّ أو قرّ بكل اللغات والألسنة، أمم وأمم وتعددية في الأجناس والأعراق و توافق في المبدأ والرسالة، وسبحانه من لا تشتبه عليه الأصوات، ولا تغلبه الحاجات، ولا يشغله سمع عن سمع، سبحانه الذي لو قام عباده بإنسهم وجنهم في صعيد واحد فسألوه فأعطى كلا مسألته ما نقص ذلك في ملكه شيء.

ليل المسجد الحرام  ..
والليل في المسجد الحرام حالة حب مستمرة، وهو أجمل قصيدة شعر لم ينظمها شاعر، و أرق تنهيدة ما بين حبيب ومحبوب، وأدفأ دمعة شوق، الليل في البيت الحرام عجيب وللمحبين فيه شأن غريب " يحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب، فإذا جنهم الليل، واختلط الظلام، وفرشت الفرش، وخلال كل حبيب بحبيبه، نصبو أقدامهم، وافترشوا وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقونى بإنعامي، فبين صارخ وباك، وبين متأوه وشاك، وبين قائم وقاعد، وبين راكع وساجد، بعيني ما يتحملون من أجلى، وبسمعي ما يشكون من حبي‏" .
سيرة حبٍّ وصبر تحكيها أرجاء الكعبة، فرسولك عليه الصَّلاة والسَّلام سجد هناك، وألقوا القاذورات على رأسه وهمّوا بقتله وتحمّل كلَّ صنوف الأذى لتصبح أنت مسلماً و تصلك الرِّسالة محفوظة كما نزلت من لدن ربِّ العزَّة، فتخجل من نفسك عندما تنظر ماذا قدمت أنت لدينك ويلطمك ابن القيم وهو يسألك "يا مخنث العزم ! أين أنت والطريق طريقٌ تعب فيه آدم، و ناح لأجله نوح، و رُمي في النار الخليل، و أُضجع للذبح إسماعيل، وبِيعَ يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضُرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمَّد صلَّى الله عليه وسلمّ  بينما تزهو أنت باللهو و اللعب؟!"
يتراء لك عبد الله بن مسعود ضعيف الجسد قويّ الرّوح يصدح بقل يا أيها الكافرون ويتحمّل الضرب، وأنت الآن أجبن من أن تقول كلمة حق في وجه سلطان جائر، وتمارس دينك كالمهزوم المستعبد بحب الدنيا وتنازعها وطول الأمل وكراهة الموت.
تسمع عمر بن الخطاب ينادي سادة قريش في ناديهم "من أراد أن تثكله أمه، أو يرمل زوجه، أو ييتم ولده فليلحقني وراء ذلك الوادي فإني مهاجر" فتدعو الله أن يقيض لهذه الأمة عمرا آخر يعز به دينه و يعيد عهد الفتح العظيم ليتمكن المسلمون من شد الرحال إلى المسجد الثالث، المسجد الأقصى، و ينالون أجره البدء بالعمرة و الحج منه كما ورد في الحديث" من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى غفر له ما تقدم من ذنبه أو وجبت له الجنة"

سهرة في صحن الحرم تجعلك تأمل بمثلها في المسجد الأقصى لتستشعر ما أحسه بشر الحافي فقال"لم يبق لي من لذات الدنيا إلاَّ أن أستلقي على جنبي بجامع بيت المقدس".
والزيارة فضل ومنَّة، وهي تظل قصيرة وإن طالت، ولكن المهم أن يبقى رب البيت والبيت في قلبك أينما استقر بك المقام، فعبادة الدوام في الخلوة وبين الناس وفي الغفلة والحضور هي مناط نظر الله، وهو يصل البعيد كما يصل القريب وصدق من نصح "إن لم تطف بالبيت لأنه عنك بعيد،فلتقصد رب البيت فإنه أقرب إليك من حبل الوريد، وإن لم تسعى بين الصفا والمروة، فلتسع في الخير أينما تجده، وإن لم تقف بعرفة فلتقم لله بحقه الذي عرّفه، وإن لم ترجم إبليس بالجمرات، فلترجمه بفعل الخيرات وترك المنكرات، وإن لم تذبح هديك بمنى، فلتذبح هواك هنا فتبلغ المنى" .

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

alt

بكري الطرابيشي .. أعلى إسناد على وجه الأرض

كان شيخاً جليلاً موقراً ذا تواضع جمّ، يجلس في حلقته الكبير والصَّغير .. والعالم والمتعلّم …