أثر نمط الرعاية الأسرية على الطفل

الرئيسية » بصائر تربوية » أثر نمط الرعاية الأسرية على الطفل
alt

عندما نتحدَّث عن نمط الرِّعاية، فإننا نشمل كلَّ ما يحدث حول الطفل ويؤثر في نمائه وتطور شخصيته، سواءً كان ذلك أفعالاً أو أقوالاً تصدر عن الكبار المهمين في حياة الطفل، وليس فقط الأفعال المباشرة في علاقة الوالدين مع الطفل، وإنَّما أوسع من ذلك لتضمَّ العبارات والممارسات والمواقف وعلاقات الأسرة مع الآخرين والعلاقات التبادلية بين أفراد الأسرة ، وطرق الكبار في التَّعبير عن ذواتهم.

إنَّ نمط الرعاية داخل الأسرة له أثرٌ كبير في دفع مراحل النمو والتطوّر للأطفال، أو إعاقة وإحباط هذا التطور، ويعتمد ذلك بشكل كبير على شكل ونوع الممارسات الوالدية كنمط يشكل محيط الرعاية للطفل، فالنمو لا يتم في فراغ وإنَّما في بيئة أسرية، فالتربية الأسرية القائمة على التشجيع والتسامح والاستقلالية تسهم وبشكل كبير في دفع طاقات الطفل وإمكاناته للتطور بأفضل صورة ممكنة؛ حيث يسهم الارتباط الآمن والتعلق العاطفي بالأسرة في تكيفّه مع المواقف والخبرات الجديدة. إنَّ نمط الرعاية داخل الأسرة له أثرٌ كبير في دفع مراحل النمو والتطوّر للأطفال ، أو إعاقة وإحباط هذا التطور
أمَّا التربية القائمة على القسوة والعنف كنمط شبه دائم لا شكَّ أنَّها ستؤدّي إلى إنتاج شخصيات خائفة وقاصرة، تميل إلى عدم تحمّل المسؤولية والتردد، فضلاً عن إمكانية إعاقة أو تعطيل طاقاتها وإمكاناتها الإبداعية، وقد تجعل الطفل عرضة لأنْ يقع في سلوكيات سلبية للتكيف مع هذه المعاملة القاسية؛ كالإحباط والعدوانية.

 وتشير الدراسات في هذا الصَّدد إلى تقسيم الرعاية الوالدية إلى أنماط من حيث مدى تساهل الآباء والأمهات وحزمهم في رعاية أطفالهم؛ حيث يعتمد هذا التصنيف إلى اعتبار ثلاثة أنواع من الأمهات والآباء:

1. الآباء المهملون والمتساهلون: لا يصدرون توجيهات، إذ لا يوجد في حياة الطفل حدود وقوانين وضوابط، ولا يوفرون الوقت الكافي، يتجنّبون المواجهة،  يعطون الحرية بلا حدود وهم ضعفاء حيث يتنازلون عن الحدود التي سبق وأن وضعوها ولا يلتزمون بها. وينمو الأطفال في هذه الحالة بدون وجود معايير تحكم سلوكهم وقواعد لضبطه وبلا موجهات، ممَّا يجعلهم يعجزون عن تمييز ما هو مناسب أو غير مناسب، وهنا يكون الطفل مدللاً لحد الإفساد؛ حيث تستجاب طلباته، وتلبى رغباته إلى أبعد الحدود.
وهذه الفئة من الأهالي تعتقد أنها قد قامت بواجبها تجاه أبنائها بإعطائهم كلَّ ما يريدونه وتوفير كل ما يحبونه، وهي نظرة قاصرة قد تؤدي إلى تدمير الأطفال سلوكياً ونفسياً.

2. الآباء المتسلطون: يصدرون الأوامر، يركزون على أهمية طاعة الطفل لتعليماتهم دون تفسير، هم أصحاب القرار، لا يوفرون فرص أو حرية للمشاركة، في الغالب يمارسون وصاية على الطفل .. حيث يضع الوالد القواعد والتعليمات وتفرض الطاعة والاستجابة لهذه القواعد المحددة. والآباء في هذا النمط يستخدمون الثواب والعقاب. إن مساوئ اعتماد المكافآت لضبط السلوك المتعلق بالطفل تتضمَّن أنَّ الطفل يتوقع أن " يدفع له" مقابل أن يكون ولداً طيباً وجيداً ويشعر بخيبة الأمل إن لم يحصل على التعزيز وقد يحبط ويتوقف عن الأداء الجيّد.
قد يقوم لأطفال بمسايرة وطاعة الوالد لتجنب العقاب والصراع وهم بذلك قد يتعلمون إرضاء الوالدين ونيل استحسانهم، كما أنهم قد يتعلموا أن يصبحوا خائفين من والديهم. وقد يحدث أحياناً أن ينقلوا هذه الخبرة مع أصدقائهم فيحرصون على طاعتهم ونيل رضاهم، والاعتماد عليهم فيما يجب عليهم عمله، وأنهم بذلك قد يصبحوا ضحية أصدقائهم الذين قد لا يوجهونهم بشكل صحيح أو مناسب.
نحتاج هنا نتذكر أنَّ الأطفال بحاجة إلى تعلّم
• الثقة بوالديهم لا الخوف منهم.
• فرصة للاختيار وتحمل المسؤولية المترتبة على الاختيار.
• إن الكلمات الرقيقة – وليست الجمل التأنيبية والضرب – هي الطريقة لحل المشكلات.

3.الآباء الحازمون: يراقبون، يمارسون رعاية على الطفل، أساليبهم للتأديب مساندة، وتقوم على التشجيع أكثر منها عقابية، يوجد حدود وقوانين وضوابط لتوجيه السلوك، متسامحون في التعامل مع السلوكيات غير المتوقعة، والتي لم يتم صياغة قوانين بشأنها، هذا النمط الديمقراطي يحقِّق التوازن بين مسألتي الحرية والحقوق من جهة والقواعد والمسؤولية من جهة أخرى، وهو يساعد الطفل على أن يصبح شخصاً مسؤولاً من خلال:
• وضع الحدود والقواعد
•  منح الطفل خيارات وبدائل ضمن هذه الحدود
إنَّ الدراسات تشير إلى أنَّ الآباء والأمهات الحازمين يسهلون عملية التطور السليم لأطفالهم أكثر من المتساهلين لدرجة الإهمال أو المتسلطين، فنموذج  الأم أو الأب الحازم يؤسّس لقواعد أسرية واقعية وثابتة ويشجع الحوار والتعبير عن الذَّات، في حين أنَّ النموذج المتساهل يغفل القوانين والحدود، والنموذج المتسلط يعدُّ القوانين هي ما يراه الآباء .... إنَّ كلا النموذجين على السَّواء لا يقدِّمان للطفل خبرات إيجابية، ولا يساعدانه على تحمّل المسؤولية أو التقدير الإيجابي للذات.

الوالد المثالي :
وهناك من يقسّم الأنماط الوالدية في رعاية الأطفال من حيث المسؤولية إلى الوالدية المثالية والوالدية المسؤولة.

الوالدية المثالية ..
من أكثر معوّقات النمو الطبيعي والسوي للطفل أن يتربَّى على يد والدين " مثاليين". والوالد المثالي هو الذي يكون منغمساً في والديته إلى درجة أنَّه يقوم بكل شيء بدلاً من أطفاله. فالوالد المثالي " يعتقد أنَّ من واجبه أن يكون خادماً لأطفاله، ويكون متأكداً من أن أطفاله يستيقظون في الوقت المناسب، وان يكون لباسهم في كامل أناقته، وكثيراً ما يكرر الوالد المثالي عبارة " كن طفلاً جيد" " أغلق أزرار المعطف"، " تأكد من نظافة حذائك". وهم لا يسمحون بأي أخطاء لأنهم دائماً على علم بكل شيء، وعندما يعود الطفل من مدرسته يبدأ الوالد " المثالي" بالقلق والتساؤل من جديد " كيف عملت اليوم؟ "،  " دعني أرى الواجب"، " غيّر ملابسك"، " كل غداءك"، " أسرع بالذهاب إلى النوم".
والأهل " المثاليون" يحبُّون أطفالهم كثيراً، ونواياهم في تربية الطفل تكون حسنة، ولكن سلوكهم يحرم الطفل من تكوين الاستقلالية وتطوير الثقة بالنفس. فهم دون وعي منهم يتحملون مسؤولية كل ما هو مفروض أن يقوم به الطفل. وهذا السلوك هو نتيجة اقتناعهم أنَّ سلوك أطفالهم يعكس قدرتهم على التربية الجيّدة. ونظراً لاهتمامهم بصورتهم في المجتمع، فإنَّهم يبالغون في تحمّل المسؤولية عن أطفالهم. وهذه المسؤولية من قبل الوالدين تحرم الطفل من التعلّم، بل وتعكس عدم احترام قدرة الطفل على التعلم من خوض التجربة. وهذا النوع يميل إلى الإشفاق والخوف على الطفل من الدخول في أي تجربة، بل نجده أحياناً يفضل أن يبقى أطفاله معتمدين عليه ليشعر هو كوالد بأهميته، وهذه الوالدية هي نتاج المجتمع الذي يضع الكثير من التوقعات، ولا يتقبل الأخطاء من أفراده.
ولعلَّ هذا النمط تقع فيه كثير من الأسر الملتزمة دينيا حيث يكثر الوالدان من التوقعات الإيجابية التي تضع الأطفال في قلق كبير لتلبية هذه التوقعات خاصة في مجال التفوق الدراسي والالتزام السلوكي الكامل بالأخلاق الإسلامية ممَّا يضع الأبناء في قلق دائم لتلبية هذه التوقعات والتي لا تراعي في الغالب قدرات وإمكانيات الأبناء، كما أنَّها تكون مثالية في الالتزام السلوكي الذي يصل إلى صورة الملائكية، ولا يمكن إلاَّ أن يقع الأطفال في مخالفته ممَّا يعرِّضهم لعقوبة قد لا يكونوا مستحقين لها.

الوالدية المسؤولة ..
إنَّ " الوالدية المثالية" يمكن استبدالها بالوالدية المسؤولة " والتي تهتم بتطوير مشاعر المسؤولية، والثقة بالنفس لدى الأطفال أكثر من اهتمامها بالصورة المرسومة والمتوقعة من المجتمع. والوالد المسؤول هو الذي يمنح الأطفال خيارات تجعلهم يعيشون التجربة والخبرة، ويختارون ويتحمَّلون نتيجة خياراتهم.
وفي الإجمال، فإنَّ أنماط الرعية الوالدية الدَّاعمة لنمو الطفل أو المسؤولة أو الإيجابية لها ممارسات تؤكدها، ذكرنا بعضها فيما سبق، لكنَّها تحتاج إلى تفصيل سنتناوله في مقالات قادمة، بإذن الله.
ولنا أن نتساءل أين نحن ؟ أين يمكن تصنيف أسرنا ؟ في خانة الأسر الدَّاعمة لنمو سليم لأطفالنا، أم في خانة الأسر المعوّقة لهذا النمو السليم بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على حاضر الأسرة ومستقبلها ومستقبل أفرادها ؟
إنَّ التربية الأسرية عملية صعبة ومَهمَّة شاقة تحتاج إلى علم وفهم ومهارة وهو ما سنحاول الوصول إليه من هذه السلسلة من المقالات حول الأسرة.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الأخوة والنعيم المفقود

ورد عن الإمام مالك قوله: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، …