نوران:رمضان والقرآن- بقلم:د.أحمد نوفل

الرئيسية » حصاد الفكر » نوران:رمضان والقرآن- بقلم:د.أحمد نوفل
alt

في الحياة مواسم، تزداد فيها النفوس إقبالاً والقلوب تنوُّراً، والأرواح إشراقاً ورفعة، والهمم ترقِّياً، والأهواء انكفاءً وانكفافاً.

ورمضان هو أحد أبرز هذه المواسم وأعظمها؛ إن في رمضان لسرّاً وروحاً خفيّاً لا يدرك ذلك إلا من عاش تجربة الإقبال على الله في رمضان، وتجربه تغيير ما بالأنفس في موسم الخير هذا.

لا تفسير لهذا الأمر، ولهذه الشحنة الإيمانية العالية التي تعرو الناس وتجتاح أقطار نفوسهم إلا أن رمضان فيه من البركة وفيه من العطاء والنور والإشراق ما ليس في غيره.

هل سرُّ ذلك نزول القرآن فيه؟ لا ريب أن ذلك أحد أعظم مصادر البركة في هذا الشهر المبارك، وقد شهد الله بهذا الأمر إذ قال: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].

ولو لم يكن إلا هذا لكفى، لكني أعتقد أن في الأمر أمراً خفيّاً يضاف إلى هذا.. أرأيت سرَّ الفجر، وما فيه من خشوع وتجلٍّ .. إنه سرُّ الوقت؛ ولذا قال الله تعالى جامعاً بين مصدرين للتأثير: القرآن والفجر ذاته وكرَّر: {وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78].

فالقرآن عظيم في كل زمان، فلماذا خصَّه بوقت الفجر؟ إنه ملتقى قمتين تأثيريتين: القرآن والوقت.

وما سُقتُ هذا إلا لأُقرِّب سرَّ رمضان؛ إن رمضان هو فجر الزمان وربيع الأكوان، وموسم ازديان الجِنان ..

فإذا التقى المؤثران: رمضان والقرآن: فهو كما قال الرحمن: { نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35] لقد التقى النوران، واجتمع المؤثران، فَسَما الإنسان، وتهذَّب الوجدان..

لقد تمَّت النعم واكتمل بدر العطاء والمنن بهذا الاقتران، فيا سَعَد الإنسان المؤمن على هذه المنة العظمى والنعمة الجزيلة الكبرى، وموسم حط الذنوب، والإقبال على الله الكريم الذي يقبل توبة العبد إذ يتوب، وأوبته إذ يؤوب! إن الله يريد أن يتوب، فأين من يَقبل العرض ويُقبل على الله في هذا الشهر إقبالاً مضاعفاً، بأداء الفروض والسنن والازدياد من النوافل بالقيام والتلاوة.

وكما يقال للطالب: إذا هبَّتْ رياح الإقبال على الدراسة والكتاب فاغتنمها، واترك البطالة والكسل، يقال لطالب الآخرة ومتعشق الفردوس والجنة، دع المكاره لا ترحل لبغيتها، والزم جناب مولاك فأنت الآمن الآسي.

يا طالب الرضوان والقرب، إن لم يكن هذا موسمك فمتى يكون؟! إن لم تنتهز هذه الفرصة، فأنت مضيِّعٌ أعظم فرصة، ومفوِّتٌ أثمن كنز من كنوز الفوز في الآخرة.

تنوَّر رمضان باختيار الرحمن له من بين كل الأوقات والأزمان لتشرق فيه الأرض بنور ربها، ويتنوَّر بنو الإنسان بنور القرآن.

وتنوَّر رمضان بازدحام العبادات فيه، فأنت تحقق تماماً قول الباري تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7-8]. ووقت مُلىء بالعبادة أفلا يتنوَّر؟

وتنوَّر رمضان ثالثاً بتزين الجنان، وتصفيد الشيطان وأتباع الشيطان، وكفِّ الإنسان دوافعه ودواعيه وأهواءه واندفاع شهواته وغرائزه، وزمانٌ انكفَّ فيه سُعار الشهوات وسعيرها أفلا يتنوَّر؟

لقد ارتبط رمضان بالقرآن ارتباطاً لا تنفصم عروته إلى يوم القيامة، وارتبط ذلك كله بالقدر العظيم في ليلة القدر العظيم، في موسم تقترب فيه الأرض من السماء، بالسمع والطاعة والإصغاء، وتقترب فيه السماء من الأرض بالرحمات والبركات.

إن الله الذي يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء، اختار من الزمان صفوته، ليكون ظرفاً لنزول القرآن فكان رمضان، واختار في المكان مكة لتكون مكان تنزُّل كتاب الهدى والرحمة، فكانت مكة .. فاجتمع الزمان والمكان، واختار صفوة بني الإنسان لتنزل عليه الرسالة والكتاب الخالد الخاتم فكان أن اكتملت الأنوار في هذه المسألة ببعثة محمد .. { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].

فهذا النور الرابع: الكتاب ورمضان ومكة والرسول صلى الله عليه وسلم.

وصدق الله إذ قال فيه: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45-46].

{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35].

ولاقتران رمضان بالقرآن، فإن الناس ما كانت في يوم مقبلة على القرآن كما هو شأنها في رمضان؛ فأيديهم ملأى منه، وقلوبهم منوَّرة به، وأسماعهم نشوى بسماعه، وأبصارهم متمتعة بمرأى آياته، وعقولهم مسترشدة بهدي توجيهاته..

الليل نهار بنور الآيات، والمساجد جادها غيث المصلين فازدحمت بالمصلين، تزاحمت وتراحمت .

ما أعظم بركات هذا الشهر، وما أضوأ أنوار أيامه، وما أشد العطاء وأخصبه في مبارك ساعاته.!

هذا في الدنيا، فإذا انكشف الغطاء يوم القيامة بان من نور رمضان ما لم يكن في بال ولا حسبان:

{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الحديد: 12].

معلومات الموضوع

الوسوم

  • القرآن
  • رمضان
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

    هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …