د.جرار: صنّاع القرار مطالبون بخطة لصناعة شعوب قارئة

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د.جرار: صنّاع القرار مطالبون بخطة لصناعة شعوب قارئة
alt

كانت الأمَّة الإسلامية في عهد مضى لها ارتباط وثيق بما بين دفتي الكتب من سطور، ورغم عموم الأمية في بدايات تاريخها إلاَّ أنَّ هناك من فقهوا أهميته ودوره في الريادة، فشيّدت له المكتبات وأوقف لنسخه وطباعته النُّساخ، وأجزل للكتاب والمؤلفين العطاء، وعكف الباحثون على الترجمة وكان الناس تضرب لدار الحكمة والمعصومية أكباد الإبل، فساد العرب وهابتهم أجناس المشرق والمغرب، وتغنى الشعراء بالكتاب كرمز لهذه الحضارة، واعتبره الشاعر الأوفى والأحق بالصحبة.. والتاريخ يحوي جزيل الخبر...

أمَّا اليوم.. ففي كلِّ عام تشير الإحصائيات بالمزيد من التراجع لأهمية الكتاب في حياة الفرد العربي، وأصبح الكتاب "ديكوراً" في بيوت الأثرياء، لا أدري إن كان يعدُّ رمزاً تاريخياً أو أحد المظاهر القديمة التي تحنّ إليها النفوس حتى مع تقدم التكنولوجيا..
وغلب طابع الكتب المقتناة من قبل الشباب على المقررات الدراسية الجامعية وراج اقتناء الروايات وكتب الفوازير وبعد الكتب المشهورة واللامعة أسماءها..

والسؤال ما السبب لهذا الواقع المرّ؟ ولماذا أصبح الاهتمام بجديد المؤلفات والكتب في ذيل أولويات العربي رغم أنَّ لديه هوساً في البحث عن كلِّ جديد في مناحي الحياة كافة ؟ هل من أمل في التغيير وعودة الأجيال القارئة؟ وما التجديد الذي طرأ على الكتابة العربية بكافة فنونها؟ حاورنا الدكتور مأمون جرار.. أديب وشاعر وصاحب دار المأمون للنشر في عمّان.. والذي وافانا بإجاباتٍ طيّبة على ما عرضناه ... وإلى تفاصيل الحوار :

بصائر : دراسات عديدة تصدر كلَّ عام تكشف أنَّ الكتاب في العالم العربي في أواخر اهتمامات الفرد، ومعدلات القراءة لا تتجاوز نصف كتاب سنوياً، بينما هي أعلى بكثير عند الفرد الغربي، هل ترى أنَّ هذه الدراسات تحاكي الواقع، أم أنها تجنٍّ على الفرد العربي؟ وإن كانت حقيقة، فما أبرز ملامح لذلك؟

د.مأمون جرار: هذه الدراسات حقيقية، والمعلومات الواردة فيها صحيحة ، والكتب التي تجد الرَّواج في الغالب هي المقرّرات الدراسية الجامعية وبعض الكتب الدينية لدى فئة من المثقفين الإسلاميين ، وبعض الكتب الفكرية والأدبية التي تروّج لدى بعض مثقفي اليسار.

الحقيقة مرَّة في الشأن الثقافي ولكن لها أسبابها ، فالطفل الغربي ينشأ منذ نعومة أظفاره مع الكتاب الذي يوضع بين يديه والذي يقرأ له قبل أن يبلغ سن القراءة، هذا في البيت، وفي الحيّ مكتبة للأطفال فاعلة تؤدِّي دورها، وفي المدرسة مكتبة لها حصة مكتبية والثقافة جزء من العملية التعليمية والتربوية ، والمكتبات العامة للكبار كثيرة وتشغل في حياة الناس مكاناً حيّاً، ويبدو أنَّ للرخاء المادي إضافة إلى الوعي الثقافي أثر في ذلك.

والأمر على عكسه عندنا، فالوضع الاقتصادي يجعل منزلة الكتاب ثانوية وفق سلم الضرورات، ونادراً ما يكون للكتاب وجود في حياة أطفالنا ، ومكتبات الأطفال غير شائعة والموجود منها لا يروّج له في الأحياء التي توجد فيها، ومكتبات المدارس معطلة والحصة المكتبية مفقودة من الجدول الدراسي وخاصة في المدارس الحكومية، والمكتبات العامة للنخبة فقط، وكثير من طلبة الجامعات يدخل الجامعة ويتخرَّج ولا تقوم بينه وبين المكتبة صلة حقيقية ، كلّ ذلك يؤدِّي إلى انحسار علاقتنا بالكتاب.

بصائر : كصاحب دار للنشر والتوزيع، أما زال الكاتب العربي يحظى من خلال كتبه بالاهتمام؟ وهل ثقته بطريقه النشر التقليدية ما زالت كما كانت في السَّابق؟ أم أنَّه بات يتجه لطرق أخرى في عرض أفكاره ونشرها لتحتل مكانتها بين النَّاس؟ وبرأيك ما هي الموضوعات الأكثر جذباً للقارئ العربي في هذا الوقت؟

د. مأمون جرار: علينا أن نكون صرحاء مع أنفسنا، زماننا ليس زمن الكتاب الكبار، حال كثير من الكتاب كحال حقل العشب الذي تتساوى نباتاته ولا يخلو من شجيرات وأشجار هنا وهناك ترتفع قاماتها، بمعنى أننا لسنا في زمن القامات الكبيرة في الفكر والأدب، وهذا أمر طبيعي فالقمم الفكرية والأدبية تتجلى من حين إلى آخر، والكاتب يحتاج إلى وقت ليعرف وإلى حسن تسويق ليروج فكره وأدبه، والطباعة والنشر بلا شك وسيلة مهمة في هذا المجال، لكن لا ننسى أننا في العصر الإلكتروني عصر المدونات والفيسبوك وعصر النشر الإلكتروني ، وكثير من الكتَّاب دخلوا هذا المجال، ولكنَّه لن يكون بديلا للنشر الورقي بصورة كاملة.
لابد أن يكون لدى صنّاع القرار التربوي خطة لتحويل الشعب إلى شعب قارئ، لأنها ثمرة منهج تربوي ورؤية اجتماعية ثقافية.
ولكن لا بد أن نعترف أنَّ هناك تواضعاً في عدد ما ينشر من الكتب في ضوء تراجع مبيعات معارض الكتب العربي وارتفاع كلفة المشاركة فيها . أمَّا الرائج من الكتب فهي الكتب الإسلامية وخاصة التراثية، وكذلك الكتب التي تمثل اتجاهات معينة حيث يحرص أتباع كل تيار على متابعة ما يصدر لرموزه يضاف إلى هذا كتب المقررات الجامعية، وأمَّا الشعر والقصة وكتب الأدب عامة فليس لها رواج كبير إلاَّ لأسماء معيّنة محدودة.

بصائر : كيف يمكن أن يصبح المجتمع العربي مجتمعاً قارئاً؟ ما هي أولى الخطوات لتحقيق ذلك من وجهة نظرك؟

د. مأمون جرار: القراءة ثمرة منهج تربوي ورؤية اجتماعية ثقافية، ولذلك لا بد أن يكون لدى صنّاع القرار التربوي خطة لتحويل الشعب إلى شعب قارئ، وهذا يقتضي إيجاد آليات تواصل بين الناس والقراءة، في المكتبات العامة ومنها مكتبات الأطفال، وتفعيل مكتبات المدارس في الحصص المكتبية، وتكوين المعلم القارئ، وتسويق المكتبات العامة شعبيا، وكذلك تسويق الكتب وتنمية حب المطالعة عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية فضلا عن المقروءة، إن فعلنا ذلك من السهل أن نصبح أمَّة اقرأ من جديد، وهناك محاولات لتوفير الكتب بأسعار رمزية تقوم بها وزارة الثقافة من سنوات قليلة في مختلف مجالات المعرفة .

بصائر : الدكتور مأمون جرار كاتب وأديب، وله خبرته الكبيرة في مجال الكتابة والتأليف، كيف تقيّم ما شهدته المؤلفات والمطبوعات العربية من تطور وتغيير خلال العقود التي عاصرتها لها؟

د.مأمون جرار: هناك تكاثر في عدد دور النشر والمكتبات ، ولكن لا بد أن أكون صريحاً وأقول: إنَّ كثيراً من المؤلفين لا يعرفون حقوقهم وكثير منهم من يبيع كتابه بثمن بخس، وإن كان هناك قسم منهم تمرس وصار ذا خبرة يقارع بها أكبر الناشرين.

لقد تطوَّرت الطباعة وفنون الإخراج والتصميم ، وهناك بعض الأسواق العربية متعطشة للكتب وخاصة المقررات الجامعية مما يفتح المجال للناشرين والمؤلفين ، ولكن كثير من دور النشر أخذت تلجأ إلى طباعة كميات قليلة من النسخ بآلة(الريزو) التي تعتمد التصوير، وذلك حذرا من تكديس الكتب لمدد طويلة في المستودعات ممِّا يؤدي إلى الخسارة.

بصائر : على الهامش، لكم عدد من المجموعات الشعرية " قصائد للفجر الآتي" و"مشاهد من عالم القهر" هل ما  زال الشعر برأيك له دوره في نصرة القضايا والتأثير في الناس؟ وكيف تنظر لما يسمى بالشعر الحديث؟
العرب أمة شاعرة ، والشعر فطرة إنسانية ، والشعراء في كثير من الأمم أشهر من الحكام والأثرياء
د. مأمون جرار: نعم ، وقد طبعت الأعمال الشعرية التي تضمّ شعري من عام 1966حتى 2009، ولكن طبعت مئتي نسخة فقط طبعة تجريبة . ولابد أن نذكر أنَّ العرب أمة شاعرة ، والشعر فطرة إنسانية ، والشعراء في كثير من الأمم أشهر من الحكام والأثرياء يبقى ذكرهم وتتناقل الأجيال أسماءهم وأشعارهم ، ولكن يبدو أنَّ الإعلام الحديث حلَّ محل الشعر في الوظيفة الإعلامية ، وبقي للشعر أثر كبير وكبير جداً حين يتم إنشاده ، عندها يسير على الألسنة وتتلقفه الآذان لا باعتباره شعراً فحسب، بل لأنَّه أناشيد وأغانٍ تصدح بها الحناجر الذهبية.

وأمَّا السؤال عن الشعر، الحديث فيحتاج لشيء من التفصيل، فهناك شعر التفعيلة الذي شاع وانتشر وهو يحافظ على موسيقى الشعر وفق قدرة الشاعر، وهذا شعر، أمَّا الغثاء المسمَّى بقصيدة النثر فهو نوع من اللعب بالمصطلحات، فالشعر جواز سفره الموسيقى، فإن خلا نصٌّ من الموسيقى فليس شعراً وإن كان جميل الصياغة محلق الصور فيه إبداع، فلنسمه ما شئنا، لكن لا نظلمه ونظلم الشعر حين نسميه قصيدة النثر. !!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

“الأيام العشر” فرصة ذهبية للتقرب إلى الله.. فكيف نحسن استغلالها؟

تتسلل إلى أيامنا خير الأوقات وأفضلها .. إنها "عشر ذي الحجة" والتي تتزامن مع الصيف …