شكراً زوجتي – بقلم: ديمة طهبوب

الرئيسية » حصاد الفكر » شكراً زوجتي – بقلم: ديمة طهبوب
alt

تشيرُ بعض الدراسات الحديثة في العلاقات الاجتماعية أنَّ الذوقيات تبدأ في التناقص بين الزَّوجين بعد ثمانية أشهر من الزواج بنسبة 20%، وبنسبة 60% بعد إنجاب أول طفلين؛ إذ تتحوَّل الحياة بعدها إلى دوامة من المسؤوليات والحقوق والواجبات والإعالة والروتين في زمن يرهق الأزواج والأمهات والآباء إلى الحدِّ الأعلى!
غريبة هذه الدِّراسات التي ترضخ للأمر الواقع بسلبيته، وتنسى أنَّ الإنسان كلَّما زاد عليه الضَّغط زاد احتياجه إلى كلمة رقيقة، ولمسة حانية، ونظرة محبّة، وكلمة مشجعة تعينه على احتمال مصاعب الحياة، و لكنَّ بالرَّغم من بساطة هذه الأمور وبساطة المعروف الذي قيل في وصفه: "المعروف شيء هيِّن: وجهٌ طليقٌ و كلام ليِّنٌ" إلاَّ أننا نبخل في تقديمه، وبالذات لأقرب الناس وأكثرهم استحقاقاً من زوج و ولد!
بل قد نجامل الغرباء أكثر ممَّا نشكر الأقرباء، ونأخذ البيت كمحطة راحة من حسن الخلق وحسن الكلام وحسن الهندام بحجة أنَّ لنا دالة و"نمون" على أهل البيت وأم العيال، وأنَّ عليهم احتمالنا في ساعات الشروق وما أقلها، وساعات العواصف وما أكثرها!
ربَّة البيت تقوم بأمور المنزل من الألف إلى الياء، و تبذل حبّاً وطواعيةً من نفسها ومشاعرها وصحتها، وقد قضى بعض المفتين أنَّها غير ملزمة بذلك شرعاً، وإنَّما من كرم نفسها وأخلاقها، ويرضيها القليل من الشكر واليسير من الود والتقدير والاحترام لها ولعملها، ومن يزيد في الخير، فإنَّما يقدِّم لنفسه كما وصف القرآن، هناء في الدنيا وأجراً في الآخرة. الإنسان كلَّما زاد عليه الضَّغط زاد احتياجه إلى كلمة رقيقة، ولمسة حانية، ونظرة محبّة، وكلمة مشجعة تعينه
ولكن الأزواج المنشغلون بالحياة والوظيفة وعالم ما خارج البيت لا يلحظون دائماً معنى أن يكون البيت مرتباً، والأكل مطبوخاً، والملابس نظيفة مكوية، والأولاد مهذَّبون مجتهدون، و هم على الأغلب في غياب تام  عمَّا تحتاجه هذه الأمور من جدٍّ وكدٍّ، لتصل إلى الصورة التي يرضى عنها الأب ويفخر بها و يفاخر أمام الناس، ولقد ورد في قصة طريفة أنَّ رجلاً عاد من عمله، فوجد أطفاله الثلاثة أمام البيت يلعبون في الطين بملابس النوم التي لم يبدلوها منذ الصَّباح، وفي الباحة الخلفية تبعثرت صناديق الطَعام وأوراق التغليف على الأرض، وكان باب سيارة زوجته مفتوحاً، وكذلك الباب الأمامي للبيت، أما البيت فقد كان يعج بالفوضى، فقد وجد المصباح مكسوراً والسَّجادة الصَّغيرة مكومة إلى جدار الحائط وصوت التلفاز مرتفعاً،وكانت اللعب مبعثرة، والملابس متناثرة في أرجاء غرفة المعيشة، وفي المطبخ كان الحوض ممتلئاً عن آخره بالأطباق، وطعام الإفطار ما يزال على المائدة، وكان باب الثلاجة مفتوحاً على مصراعيه! صعد الرجل السلم مسرعاً ،وتخطى اللعب وأكوام الملابس باحثاً عن زوجته، كان القلق يعتريه خشية أن يكون أصابها مكروه! فوجئ في طريقه ببقعة مياه أمام باب الحمام! فألقى نظرة في الداخل ليجد المناشف مبللة والصابون تكسوه الرغاوي، ومناديل الحمام مبعثرة على الأرض، بينما كانت المرآة ملطخة بمعجون الأسنان! اندفع الرَّجل إلى غرفة النوم فوجد زوجته مستلقية على سريرها تقرأ رواية !نظرت إليه الزَّوجة، وسألته بابتسامة عذبة عن يومه؟! فنظر إليها في دهشة وسألها: ما الذي حدث اليوم؟! ابتسمت الزَّوجة مرَّة أخرى، وقالت: كل يوم عندما تعود من العمل تسألني باستنكار: "ما الشَّيء المهم الذي تفعلينه طوال اليوم أليس كذلك؟!" أجابها الزوج: نعم؛ فقالت الزوجة: "حسناً .. أنا لم أفعل اليوم ما أفعله كلَّ يوم"!
قد نقدر الانشغال والضغط في ظروف الحياة الصَّعبة، ولكن الضغط أيضاً موجود في البيت، وبإمكان الزوج أن ينفسه بشيء من الود والحكمة، فقد قيل: "إذا رأيت الرّجل يقتر على عياله، فاعلم أنَّ عمله مع الله أخبث"، والتقتير ليس ماديّاً فقط، وإنَّما تقتير المشاعر أقبح وأوجع، ولقد قرَّع الرَّسول صلَّى الله عليه و سلم الأعرابي الذي أخبره أنه لا يقبل أولاده ولا يحنو عليهم، وقال له: "ما أفعل لك إن نزع الله الرحمة من قلبك؟!"
أحبك..شكراً لك.. تسلم الأيادي.. حياتنا من دونك لا معنى لها...الأيام تمر ولكنَّك تصبحين أجمل...كلمات قليلة وجمل قصيرة تجعل المرأة تحمل الجبال على أكتافها ولا تنوء بها، فقد سبق لها أن احتملت الآم الولادة والوضع حبّاً وشوقاً، هي من أقسى الآلام كما يصنفها الطب!
لقد شهد عمر بن الخطاب المعروف بالشدَّة في الحق شهادة فضل وامتنان لزوجته، فقال : "تطبخ طعامي، وتغسل ثوبي، وتطحن دقيقي، وتربِّي أولادي، وتسكن بها نفسي عن الحرام".
وشهد كذلك طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه لزوجته سعدى بالحكمة وحسن الرأي والخلق، إذ دخلت على زوجها ذات يوم، فرأت منه ثقلاً أي: عدم نشاط كحال المهموم، فقالت: مالك، لعلَّه رابك منّا شيء فنعتبك: أي نطلب رضاك عن الإساءة، قال: لا، ولنعم حليلة المرء المسلم أنت، ولكن اجتمع عندي مال، ولا أدري كيف أصنع به ؟ قالت: وما يغمّك منه؟ ادع قومك فاقسمه بينهم: فقال: يا غلام، علىّ بقومي، وقسم بينهم أربعمائة ألف، وهي نموذج للمرأة التي تكون عوناً لزوجها في الدنيا وعونا على طاعة الله، وليست عوناً للدنيا والشيطان وهوى النفس عليه، و لولا أنّه كان طيّباً لما جزاه الله بطيبة مثله.
وبمقابل حسن التقدير هذا، كان هناك شكوى جحود بثتها خولة بنت ثعلبة لربها ورسولها صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت:" أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني حتى إِذا كبرتْ سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني و لي منه ولد إذا ضممتهم له ضاعوا وإذا ضممتهم لي جاعوا". ربَّة البيت تقوم بأمور المنزل من الألف إلى الياء، و تبذل حبّاً وطواعيةً من نفسها ومشاعرها وصحتها، وقد قضى بعض المفتين أنَّها غير ملزمة بذلك شرعاً،
وما أكثر الجحود والجاحدين في أيامنا هذه!! و ما أقل الودودين الذين يألفون ويؤلفون ويحفظون الجميل إلى آخر لحظة، وما أجملها من قصيدة كتبها شاعر سعودي إلى زوجته بعد مرضهما يشكرها على حياة مليئة بالحب والعطاء، فقال:
أ أرحل قبلك أم ترحلين
وتغرب شمسي أم تغربين
ويَنْبَتُّ ما بيننا من وجود
ونسلك درب الفراق الحزين
فإن كُنْتُ بادئ هذا الرحيل
فيا حزن رُوْحٍ براها الحنين
وإن كُنتِ من قد طواها المدى
فيا فجعة لفؤادي الطعين
لقد كُنتِ لي سعد هذا الوجود
ويا سعدنا بصلاح البنين
سلكنا سويا طريق الحياة
وإن شابها كدرٌ بعض حين
لقد كُنتُ نعم الرفيق الوفيّ
وأنتِ كذاك الرفيق الأمين
لك الحمد يا رب أن صغتها
خدينة دينٍ وعقلٍ رصين
تسابقني في اصطناع الجميل
وتغبطني في انثيال اليمين
فيا زخَّة من سحاب رهيف
ويا نفحة من سنا المتقين
حياتي بدونك حرٌّ وقرٌّ
وأنت على صدق ذا تشهدين
وحقاً لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلاَّ ذو فضل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …