حال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند تلقي الوحي

الرئيسية » بصائر قرآنية » حال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند تلقي الوحي
alt

حين ينزل الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل صلصلة الجرس، يكون الوحي ثقيلاً وشديداً عليه، فيثقل جسمه ويسخن، حتى يتصبَّب منه العرق في أيام البرد، لكنّه يكون في أقصى درجات الوعي واليقظة، فإذا انصرف عنه الوحي، يكون قد حفظ ووعى ما أوحي إليه.

يقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه:"كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أنزل عليه كُرب لذلك"(1) أي أصابه الكرب.  وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها:"ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً"(2).

ويصف أبو أروى الدوسي ما شاهده من حال النبي -صلى الله عليه وسلم- عند نزول الوحي عليه فيقول:"رأيت الوحي ينزل على رسول الله، وإنه على راحلته، فترغو وتفتل يديها، حتى أظن أن ذراعها ينقصم، فربما بركت، وربما قامت موتدة يديها حتى يُسرَّى عنه من ثقل الوحي، وإنه ليتحدّر منه مثل الجمان"(3). ويصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان يعرفه من حال النبي -صلى الله عليه وسلم- عند نزول الوحي، فيقول:"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه دويٌّ كدويِّ النحل"(4).

أوصاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- المتعلقة بتلقي الوحي
وصف القرآن الكريم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأوصاف عديدة فيما يتعلق بالوحي فقال: {إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون تنزيل من رب العالمين} [الحاقة/40-43]. وقال:{وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} [يس/69].
وقال: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم.. } [العنكبوت/48-49].
وقال:{وما صاحبكم بمجنون، ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين}.[التكوير/22-27].  وقال:{ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون} [القلم/1-2].

الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين يوصف بأنه رسول كريم، لم يتعلم الشعر ولا ينبغي له ذلك، ولم يكن كاهناً ولا مجنوناً، ولم يكن قارئاً أو كاتباً... كل هذه الصفات احتياط للقرآن وحفظ وصيانة له، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- بلغ ما أنزل إليه من ربه كما أنزل دون زيادة أو نقص أو تحريف أو تغيير، وكل هذا تم بشهادة القرآن نفسه. وإن قوله سبحانه وتعالى في وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم-:{وما هو على الغيب بضنين} [التكوير/24] ليدل دلالة مؤكدة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكتم من الوحي كلمة أو حرفاً، وكلمة (بضنين) تعني البخل وعدم الإعطاء، وقد قرئت أيضاً (بظنين)(5)، أي بمتهم، وهي شهادة للرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكن متهماً على الغيب الذي أوحي إليه، فهو مؤتمن على هذا الغيب، مبلغ له بشهادة الله سبحانه وتعالى.

فإذا عرفنا بعد ذلك أن الله سبحانه هيأ للقرآن جيلاً من الصحابة هم خيار هذه الأمة، أصفاها قلوباً وأرقّها أفئدة وأعظمها إيماناً، وأكثرها حرصاً على القرآن الكريم ورغبة في الخير، بالإضافة إلى ما عُرِفُوا به من قوة الحافظة وصفاء الذهن وتوقد القريحة، وما تربوا عليه من حب للقرآن وشغف به وحرص على تلاوته وحفظه وتدبره، أدركنا – بغير شك- أن القرآن الكريم تهيأت له أسباب الحفظ والتوثيق على أكمل وجه وأحسن حال، وأنه حُفِظَ بطريقة لم تتح لكتاب سواه.

----------
الهوامش
(1)  انظر: صحيح مسلم بشرح النووي11/190، ودلائل النبوة 7/54.
(2)  انظر: صحيح البخاري 1/4.
(3)  انظر: الطبقات الكبرى 1/197.
(4)  انظر: مصنف عبد الرزاق 3/383، وسنن الترمذي 5/305، ودلائل النبوة 7/55.
(5)  قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس (بظنين) والمعنى:"وما هو على الغيب بمتهم، بل هو الثقة فيما يخبره عن الله تعالى. وقرأ الباقون من القراء (بضنين) والمعنى أنه يخبر بالغيب ولا يكتم منه شيئاً بـل يبلغ جميع ما أنزل إليه من ربه. انظر: الموضح في وجوه القراءات وعللها / للشيرازي 3/1344-1345، والنشر في القراءات العشر/ لابن الجزري 2/ 398-399، وتفسير القرآن العظيم/ لابن كثير(6/358).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

alt

{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}

ها هو شهر رمضان الفضيل قد انقضت أيامه ورحلت عنّا لياليه المباركات التي كانت مليئة …