د. صلاح الخالدي: القرآن ثورة على”الفرعونية”

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. صلاح الخالدي: القرآن ثورة على”الفرعونية”
alt

منذ مطلع العام ضجَّت بعض دول  العالم العربي بالحراك رفضاً للسياسات الرديئة المتخذة بحق أفراده منذ عقود، وأثبتت الشعوب وعيها وقدرتها على اختيار وتحقيق مطالبها وإحداث عرقلة لسياسات الكبت المتخذة بحقها وبطرق سلمية وبتضحيات جلّة لكنها آتت أُكلها وأثبتت نجاحها رغم أنوف المعارضين والمثبطين.

تونس ومصر.. ودول غيرها الآن... حطمت صورة الرئيس المخلد على عروش القيادة التي استطالت، وأصبح الكرسي إرثاً متداولاً، دون وضع أي اعتبار للمحكومين والشعوب التي تفشى فيها الفقر والبطالة وتركت سوء الإدارات علامات على كواهل كل نفس تحيى ضمن أفرادها..

الثورات العربية بميزان الشريعة والوحي القرآني.. الشباب المنتفض، واستخدامه لوسائل التكنولوجيا الحديثة كسلاح للتحرير والثورة على الطغيان، وماذا تخفي الأحداث من عبر ورسائل.. محاور عرضت على الدكتور صلاح الخالدي، أستاذ التفسير بجامعة العلوم الإسلامية العالمية:

بصائر : كنتم قد استخدمتم في كثير من مقالاتكم مصطلح الحاكم المتفرعن، وكأن فرعون ليس تلك الشخصية الوحيدة التي كانت في زمن موسى عليه السلام، فما أوجه الشبه بين الحاكم الظالم المستبد والفرعون؟
فرعون نموذج لكل حاكم ظالم مستبد مفسد، على اختلاف الزمان والمكان.
د. صلاح الخالدي: فرعون لقب أطلق على ملك مصر منذ زمن موسى عليه السلام، وليس اسماً لحاكم معين، وهو نموذج لكل حاكم ظالم مستبد مفسد، على اختلاف الزمان والمكان، وقد ذكر القرآن بعض صفات الفرعون المذمومة، وذكر بعض الملامح السيئة لحكم فرعون. ونعتقد أنَّ فرعون في زمن موسى عليه السلام كان مصاباٌ بمرض نفسي خطير، يمكن تسميته بمرض "الفرعونية"، وهذا المرض الفرعوني لا يصيب إلاَّ الحكام والزعماء والمسؤولين، ويقوم على: تكبر الصغير واستكباره وانتفاشه، وهذا التكبر يقود إلى ظلم الآخرين واستعبادهم وإذلالهم والاعتداء عليهم، ويقود إلى نشر الفساد في البلاد، ومحاربة الخير والصلاح، وينتهي بهذا الحاكم "الصغير" إلى أن يرى نفسه إلهاً، ويقول ما قال فرعون:" أنا ربكم الأعلى" و "ما علمت لكم من إله غيري" يقولها بلسانه كما قالها فرعون، أو يقولها بلسان حاله وتصرفاته وممارساته كما يقولها فراعين هذا الزمان، ولذلك لم نكن مبالغين إن ما تحدثنا عن مظاهر الفرعونية عند فراعين هذا الزمان.

بصائر : نجد أن هناك نزاعاً بين طرفين، طرف يسعى لنيل الحقوق ورفع الظلم، وطرف آخر يسعى لتثبيت ركائزه، واستقرار سلطته، فهل لهذه سوابق في القرآن، وما دلالة ذلك؟
القرآن ثورة على الطغيان والظلم، وحرب على الطغاة والظالمين وهو يدعو إلى الانتصار للمظلومين، وانصاف المستضعفين، ويبارك أي عمل أو ثورة أو تحرك ينتصر للمظلومين ويقف أمام الطغاة
د.صلاح الخالدي: لدينا نموذجان:  طرف يسعى لنيل الحقوق، وطرف يقابله ويحاربه، نعم. يمكن أن نسمي الطرف الأول "المظلومين"، وأن نسمي الطرف الثاني "الظالمين". وحديث القرآن مطوّل بين الظالمين والمظلومين،  والآيات صريحة في محاربة الظالمين وتحريم الظلم، وتقرير حقيقة ايمانية هي سنة ربانية وهي خسارة الظالمين وعدم فلاحهم. كما في قوله تعالى: "إنه لا يفلح الظالمون.."
وإنني اعتقد أن القرآن ثورة على الطغيان والظلم، وحرب على الطغاة والظالمين وهو يدعو إلى الانتصار للمظلومين، وانصاف المستضعفين، ويبارك أي عمل أو ثورة أو تحرك ينتصر للمظلومين ويقف أمام الطغاة.

بصائر : البعض يرى أن الانتفاضة والثورة في وجه الظلمة، تؤدّي إلى كثير من المفاسد، فمثلاً في فلسطين وفي غزة خصوصاً، قد خسر الناس الكثير من الأرواح والأموال على مدار عقود عديدة، فهل هذا المنطق سليم؟ وكيف نفند ادّعاءات من ينادي بالمسالمة والمهادنة؟

د. صلاح الخالدي: نعم.. نعترف بأنَّ الوقوف أمام الظالمين والانتصار للمظلومين والدَّعوة إلى التغيير يؤدي إلى خسائر مختلفة، وإلى دماء تسفك، وقتلى وجرحى ومسجونين ومطرودين.. لكن من هو المسؤول عن ذلك؟ ومن الذي يلام ويؤاخذ ويحاسب؟
ليس الذنب ذنب الشعوب المسحوقة، ولا مسؤولية الواعين الذين يتحرَّكون ويسعون إلى الإصلاح والتغيير. ان من يحملهم مسؤولية ونتيجة ما يجري الآن في عالمنا العربي ظالم لهم، وهذا المتكلم كان أصم أبكم أعمى طيلة عقود، لم يكتب كلمة ضد الظلم والطغيان، ولم يسمع له صوتاً في إنكار منكر الطغيان، فلما استيقظت بعض قوى الشعب تطالب بحقوقها صار مفتياً منظراً ناصحاً مشفقاً، يدعوها إلى العودة إلى العبودية!

أوجب الله علينا إنكار المنكر مهما كان صاحبه، ودعانا إلى عدم القبول بالذل والهوان والاستعباد، واعتبر هذا صورة من صور الجهاد المبرور، وهو من أعظم الجهاد، ومن استشهد على أيدي الطغاة هو سيّد الشهداء، وشعارنا في إنكار الظلم قول إمامنا الشافعي رحمه الله:
همَّتي همَّة الملوك ونفسي      نفس حرّ ترى المذلة كفراً

بصائر : دائماً ما يحاول الطغاة أن يبرّروا وجودهم بأنَّهم يحمون الناس من الفساد، كما كان يدعي فرعون، ثم نكتشف أنهم هم المحركون للاقتتال الداخلي كما بين المسلمين والأقباط في مصر أو أنَّهم الذين يقومون بقتل المسلمين كما يحدث في ليبيا. فما دلالة ذلك ؟

د.صلاح الخالدي: يزعم الطغاة أنهم يريدون الإصلاح ويحاربون الفساد، ويتهمون الذين يقفون أمامهم بأنهم المفسدون المخربون.. ويمثل هذا الزعم الطاغوتي قول فرعون عندما طلب من رجاله أن يسمحوا له بقتل موسى عليه السلام. قال تعالى:"وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد."

النبي موسى عليه السَّلام مفسد يظهر في الرض الفساد. وفرعون رسول خير وناشر إصلاح. ومحارب للمخربين والمفسدين، هذا المنطق الفرعوني يردِّده فراعين هذا الزَّمان، الذين يحاربون الدَّعاة والمصلحين وطالبي التغيير، ويقدِّمون أنفسهم على أنهم دعاة الإصلاح والخير.
ولكنَّ الشعوب التي بدأت تصحو وتتحرَّك وتطالب بحقوقها لا تصدقهم، وتعرفهم على حقيقتهم، وقد كشفت بعض الأخبار مؤخراً عن أرقام فلكية خيالية، لهؤلاء الحكام السارقين، تقدر بعشرات المليارات، سرقوها من قوت الشعوب.. وهذا قليل من كثير، والمخفي من سرقات الحكام أعظم.. وعلى الشعوب أن لا تتوقف عن المطالبة بحقوقها والوقوف أمام الطغاة السَّارقين..

بصائر : المعلوم أنَّ الثورات الحديثة تنسب للشباب الذي استخدم الأساليب الحديثة في تهيئة الشعب للثورة والمطالبة بالحقوق، فما مكانة الشباب في التغيير، وهل هناك اهتمام من القرآن بالشباب ودورهم؟
يدعو الإسلام قادة الأمَّة إلى الالتفات إلى الشباب وإحسان تربيتهم وتوجيههم وجعلهم أصحاب رسالة ودعاة إصلاح
د. صلاح الخالدي: نعتقد أنَّ الثورات الأخيرة في العالم العربي مباركة، وحقَّقت إنجازات جيّدة للشعوب، مثل هروب طاغيين تونس ومصر، وباقي الطغاة على الطريق، إن شاء الله.
وكان للشباب دورٌ كبير في هذه الثورات، ويدل هذا على أهمية الشباب ودورهم ومكانتهم ورسالتهم، واللطيف في الأمر أن الشباب أغلبية ملحوظة في أمتنا المسلمة، وأطفال اليوم شباب الغد، والإسلام يحتفي بالشباب ويهتم بهم، ويوجههم إلى المعالي والفضائل ويدعوهم إلى وضع أهداف في حياتهم، ورفع لواء القرآن والجهاد ضد الأعداء، والوقوف أمام مكائدهم.
ويدعو الإسلام قادة الأمَّة إلى الالتفات إلى الشباب وإحسان تربيتهم وتوجيههم وجعلهم أصحاب رسالة ودعاة إصلاح، كما يدعو الأمَّة إلى تقدير الشباب واحترامهم، وإلى حسن التخطيط والبرمجة والعمل والنشاط.
ومن ما يشكر عليه الشباب إقبالهم على وسائل الاتصالات التكنولوجية الحديثة مثل: (الفيسبوك واليوتيوب والتويتر) ومختلف مواقف ووسائل الشبكة العنكبوتية المتطورة، وحسن استخدامها، وتوظيفها في الثورة ومحاربة الفساد والدعوة إلى التغيير، ونعتقد أن استخدام هذه الأدوات والوسائل في هذه الأيام واجب شرعي وحسن استخدامها في الدعوة واجب على الدعاة.
تدل ثورات الشعوب على حياة الأمة وحيويتها، وأنها قد تسكت عن الظلم والإذلال إلى حين، لكن سكوتها ليس أبدياً، إذ سرعان ما تنتفض وتطالب بحقوقها
بصائر: ما هي الدروس والعبر المستفادة من ثورات الشعوب العربية، وكيف يمكن ترشيد مثل هذه الثورات لتحقق أهدافها؟

د. صلاح الخالدي: الدروس والعبر مأخوذة من الثورات العربية كثيرة وعديدة، ويجب علينا أن نقف أمامها طويلاً، وأن نحسن الاستفادة منها، كما أنَّه يجب علينا ترشيد هذه الثورات وإحسان توظيفها للإصلاح والتغيير المنشود، ومنع تحويلها إلى تخريب وإفساد، والانتباه إلى محاولات الأعداء، وفي مقدمتهم الأمريكان واليهود لصرف الثورات عن مسارها، وإفشال مخططاتهم، وتدل ثورة الشعوب على حياة الأمَّة وحيويتها، وعلى فشل كل المحاولات السابقة لإماتتها، كما يدل على أنَّ الأمَّة قد تسكت عن الظلم والإذلال إلى حين، لكن سكوتها ليس أبدياً إذ سرعان ما تنتفض وتثور مطالبة بحقوقها، ومحاربة الطغاة والظالمين والمفسدين.

وحركة الأمة هذه ستؤدّي إلى الانتصار في النهاية إن شاء الله، والذي لا يتحّرك مجاهداً في سبيل الله ستسقطه الأمَّة وتتخلَّى عنه، وإن المستقبل لنا والحق منصور، بإذن الله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

الإدمان على الأجهزة الذكية… خطر يجتاح بيوتنا

تجتاح وتغزو أجهزة التكنولوجيا الحديثة معظم بيوتنا، حتى إنها أصبحت من أساسيات الحياة وفي متناول …