التَّشريع الإسلاميِّ.. وتطبيقاته في الحرب مع اليهود ( 1-2 )

الرئيسية » بصائر الفكر » التَّشريع الإسلاميِّ.. وتطبيقاته في الحرب مع اليهود ( 1-2 )
alt

لم تشهد قضيَّةٌ في تاريخ العرب والمسلمين، بل وتاريخ العرب المعاصر جدلاً ونقاشاتٍ على مختلف المستويات، الإعلاميَّة والسِّياسيَّة، بل وفي دوائر المخابرات والأمن القوميِّ، مثلما شَهِدَتْ وتشهد قضيَّة الجهاد، والسبب بسيطٌ ومعروفٌ، وهو ارتباط هذه المسألة بأمرَيْن أساسيَّيْن؛ الأوَّل هو أنَّ الجهاد بات طريقًا مُهمًّا- مهما كانت صعوبته- نحو استعادة الأُمَّة المُسلمة لهيبتها وسيادتها القديمة.

الأمر الثَّاني أنَّ الجهاد والجماعات الجهاديَّة صارت هي العدو الرَّئيسيُّ الآن للمشروعات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة في العالم العربيِّ والإسلاميِّ، وكلاهما أمرٌ غير مرغوبٍ فيه من جانب التَّحالُف الغربيِّ- الصُّهيونيِّ.

وفي الإطار، ومع تحوُّل العالم الإسلاميُّ إلى العدو رقم واحد للغرب و"الحضارة المسيحيَّة- اليهوديَّة"، تحوَّل مفهوم الجهاد إلى مفهومٍ آخر هو "الإرهاب"، وبات الفكر الجهادي مساوٍ لمصطلحٍ آخر هو "الفكر المُتطرِّف" في الأدبيَّات السِّياسيَّة والإعلاميَّة الغربيَّة؛ حيث صارت، كما كان الحال خلال عقود وسنوات الحرب الباردة، وسائل الإعلام والأدبيَّات والكتابات السِّياسيَّة أداةً مُهمَّةً من أدوات الصِّراع، فيما يُعرف باسم "القوَّة النَّاعمة" أو الـ"Soft Power" التي تقوم "حرب الكلمة والمُعْتَقَد" الحالية التي يقودها الغرب ضد الإسلام والمسلمين بكلِّ ما أوتي مِن قوَّةٍ، وبمختلف أشكالها، بما فيها القُوَّة المُسلَّحة.

هذه الحرب الضَّروس لا يمكن تصوُّر ردِّها إلى مصلحةٍ سياسيَّةٍ أو اقتصاديَّةٍ عاديَّةٍ، وإلا كان أولى بالغرب خوضها ضد الاتحاد السُّوفيتيِّ قبل امتلاكه السِّلاح النَّوويِّ في مطلع الخمسينيَّات الماضية، ولا يُمكن تفسيرها إلا بكونها حربًا ذات طابعٍ دينيٍّ وقِيَمِيٍّ؛ حيث الدِّين هو الدَّافع الأقوى دائمًا في الصِّراعات والحروب التي شهدها التَّاريخ الإنسانيِّ في القرون الماضية وفق معظم الخبراء والدَّارسين.

ولا يغرنَّنا فترة الهدوء النِّسبيِّ الحالية في العلاقات بين الغرب والولايات المتحدة تحديدًا، وبين العالم الإسلاميِّ، فهي راجعةٌ إلى مصلحةٍ أمريكيَّةٍ بالأساس وفق حساباتٍ مُعقَّدةٍ لدى الإدارة الأمريكيَّة الحالية، وكذلك في جانبٍ منها، ولا ننكره، إلى طبيعة الرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما ذاته.

شرعية الجهاد:

مع تعقُّد سياقات السِّياسة الدَّوليَّة، وتشابُك المصالح، بالإضافة إلى عامِل ضعف وعدم رشادة أو صلاح الحُكم في الكثير مِن البلدان العربيَّة والإسلاميَّة، دخل على خطِّ معارضة التَّيَّارات الجهاديَّة، العديد مِن الأنظمة والحكومات العربيَّة والإسلاميَّة التي إمَّا بالفعل وجدت أنَّ التَّيَّار أعلى منها، فرأت الحفاظ على الحدِّ الأدنى من الاستقرار الدَّاخليِّ ومصالح شعوبها، أو رغبت في الحفاظ على وجودها في الحكم من خلال ملائمة المشروعات الغربيَّة، والاستجابة للطَّلبات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة.

وكان مفهوم الجهاد في قلب المعركة، وإنْ كانت الفكرة يتمُّ محاربتها من خلال وسائل الإعلام والأدبيَّات السِّياسيَّة؛ فإنَّ الحركات الإسلامية التي لا تزال تلتزم بالفكر الجهاديِّ يتمُّ مُحاربتها بقوَّة السِّلاح، كما جرى في المجزرة الصهيونية على قطاع غزَّة في شتاء العام 2008/20119؛ حيث كانت الحرب لا تستهدف سلاح حماس أو غيرها، ولكنها تستهدف اجتثاث الفكرة ذاتها، فكرة الجهاد ومن يعبر عنها، وهو ما لم يبخل علينا قادة الصهاينة بالتصريح به.

وهو ما يجري في أفغانستان يوميًّا، وكما هو الحال في العراق وفي غيرها من بقاع العالم العربي والإسلامي.

وللأسف تحوَّل الإطار العام المرتبط بقضيَّة الجهاد إلى مجالاتٍ ممجوجةٍ في الإعلام العربيِّ، فبرغم الهجمة الشَّرسة التي يواجهها الفكر الجهاديِّ في وسائط القوَّة النَّاعمة الغربيَّة، المسيحيَّة واليهوديَّة غالبًا يظلُّ لها طابعٌ عامُّ من الجِدِّيَّة، سواءٌ في دراسة المُصطلح أو حتى عند التَّرويج ضده.

ولكن للأسف الشَّديد الوضع في الإعلام العربيِّ ليس كذلك؛ حيث صار لأهل "الفنِّ" دورهم في التَّرويج ضد المصطلح، وصار الفكر الجهادي متداولاً مِن قِبَلِ أقلامٍ وأصواتٍ لا علاقة لها بالعِلم الشَّرعيِّ، وأدخلوه حتى في إطار محاولاتهم ثني الفنان الفلاني أو الفنَّانة العلانيَّة عن قرارات اعتزالهم ما بات يُطْلَق عليه زورًا وبهتانًا اسم الفن!!

ولسنا في هذا الإطار، في مَعْرِض الدِّفاع عن المصطلح وما صدقه في الشَّريعة، فهو مِن ثوابت هذا الدِّين، والله تعالى يقول: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، كما أنَّ الله تعالى مُتِمُّ نوره ولو كَرِهَ الكافرون.

ومع كون الجهاد هو الوسيلة الأولى للدفاع عن الإسلام وشريعته؛ فإنَّ الله تعالى كفيلٌ بمؤازرة المجاهدين ودعمهم من فوق سبع سماواتٍ، وحتى لسنا في الإطار في مَعْرِض الرَّدِّ على الاشتباهات المثارة في إعلامنا وإعلام الآخر حول الجهاد، فكل ما يقولونه متهافتٌ، ولكنَّنا فقط في مَعْرِض نقض بنيان المنطق الذي يبنون عليه اعتراضاتهم وشبهاتهم.

ومن بين هذه الاشتبهات ما هو شرعيٌّ بالأساس، وهو أمرٌ مقصودٌ- أي أمرٌ مقصودٌ جعل الاشتباهات المثارة حول أمر الجهاد شرعيَّةٌ لإخفاء حقيقتها السِّياسيَّة، ومن بين ذلك:

أولاً: أنَّها في النِّهاية تدخل في بند "الأعمال الانتحاريَّة"، وأنَّها تؤدِّي إلى إهلاك النَّفس.

ثانيًا: هي من أعمال المخاطرة غير المحسوبة، وغير فعَّالة؛ حيث لن تؤدِّي إلى القضاء على العدو في النِّهاية، فلا تُوجد فيها إذن مصلحةٌ محسوسةٌ.

ثالثًا: تعريض المسلمين في مناطق العدو لأعماله الانتقاميَّة في مقابل الأعمال التي يقوم بها المجاهدون، وخصوصًا العمليَّات الاستشهاديَّة.

رابعًا: عدم صدورها بناءً على آراء خبراء ومُتخصِّصين عسكريِّين لحساب درجة المخاطرة والتَّأثير المُرتَقَبْ.

ويروِّج هؤلاء للعديد من الآراء التي تتحدَّث عن عدم وجود أصلٌ شرعيٌّ للعمليَّات الاستشهاديَّة أو للأعمال التي فيها مخاطرةٌ بالنَّفس أثناء القتال، ولم تكُن موجودةٌ بهذه الصُّورة على عهد الرَّسول الكريم "صلَّى الله عليه وسلَّم"، أو أنَّ الجهاد بالمفهوم الإسلاميِّ انتهى بظهور الإسلام وانتشاره واستقرار الدَّعوة في العالم، وكلها أمورٌ مردودٌ عليها.

ولكن وحتى مع التَّسليم بالعديد ممَّا يُقال في هذا السِّياق، فإنَّنا سوف نحاول مناقشته من وجهة نظرٍ شرعيَّةٍ، ولكن ذات طابعٍ سياسيٍّ أيضًا، فلو كان هناك حتى اعتراضاتٍ شرعيَّةٍ على الأعمال الجهاديَّة في صورتها الصَّميمة، مثل العمليَّات الاستشهاديَّة أو غيرها، فإنَّ هؤلاء الذين يعترضون عليها مِن الزاوية الشَّرعيَّة يتجاوزون تمامًا عن بابٍ كاملٍ في الشريعة والفقه الإسلاميَّين، وهو باب المصلحة ودورها في التَّشريع، وهو ما تناقشه هذه الورقة.
وفي الحلقة القادمة نتحدث عن فقه المصلحة  والحرب مع اليهود

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ …