الصوم أقصر الطرق لتحقيق التقوى ..

الرئيسية » بصائر تربوية » الصوم أقصر الطرق لتحقيق التقوى ..
alt

يقول الله سبحانه وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

آية عظيمة جليلة، بينت حكم الصيام، وغايته، في كلمات بسيطة، ببلاغة قرآنية فريدة.

تبدأ الآية الكريمة بمخاطبة المؤمنين، بصيغة "يا أيها الذين آمنوا"، وهذه الصيغة هي للتحبيب وتسهيل تقبل المكلف للأحكام، فهي تحرك فيهم مشاعر التقوى، وتذكي فيهم جذوة الإيمان، لذلك حينما نجعل خطاب التحبيب، قبل خطاب التكليف، فإننا نجد لدى المكلف قبولاً للامتثال للأمر وأدائه على أحسن وجه. خلافاً للأمر المجرد الذي لا يترك في نفس المأمور إلا التثاقل والكسل عن القيام بما كُلف وأمر به.
لابد أن يقوم القادة والمسؤولون بتجميل أوامرهم وتكليفاتهم بخطاب المودة والتحبب، حتى يكون هناك حرص لدى المكلف للقيام بما أمر به
ولهذا فالمؤمن حينما يسمع الخطاب الذي يخصه، تتهيَّأ نفسه لاستماع ما بعده، لأنَّ هذا الخطاب خاص به وحده، وهي علامة محبة واصطفاء، عن غيره من الناس. وفي هذا درس للمربين والمسؤولين وغيرهم من القادة، أن يجمّلوا أوامرهم وتكليفاتهم بخطاب المودة والتحبب، حتى يكون هناك حرص لدى المكلف للقيام بما أمر به، وإذا كان الخالق المستغني عن خلقه يخاطب عباده بصيغة التودد والمحبة، أفلا نستخدمها بيننا ونحن المخلوقون المحتاجون لبعضنا البعض!!

ثمَّ يبيّن الله سبحانه الأمر المطلوب من المكلفين، وهو وجوب الصوم، والصوم في المفهوم الشرعي، امتناع عن الطعام والشراب والجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لكن الصوم في الحقيقة يحمل مفهوماً أكبر من ذلك، فهو مفهوم يحوي معانٍ شرعية وتربوية وسلوكية، وكما يرى المفسر الشهيد سيد قطب، فإن الصوم: " مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة؛ ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد؛ كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها، إيثاراً لما عند الله من الرضى والمتاع"

وذلك لأنَّ الصَّوم فيه ترفّع للمرء عمَّا تعلّق به من ملذات الدنيا، فهو يتحرر من عبودية الطعام والشراب والملهيات، ويرتقي ليصبح عبداً حرّاً يتوجه بالعبادة لله الواحد الأحد، فتنعكس على أموره وتصرّفاته، فيكون حرَّ الكلمة والموقف وكلّ شيء.

حكم وعبر
ثمَّ يشير الله سبحانه وتعالى، إلى أنَّ الصَّوم كان مفروضاً على مَنْ سبقنا من الأمم والأنبياء، فهو ليس أمراً مبتدعاً لأمَّة الإسلام، بل هو أمر تشترك فيه أمَّة الإسلام مع غيرها بالشكل، وتختلف ببعض التفاصيل، كالوقت، وما يفسد الصِّيام وغيره. وممّا يدلّل على أنَّ الصَّوم كان موجوداً قبل الإسلام، ما روي في الصَّحيحين، عن عائشة رضي الله عنها : "كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية".

وفي بيان فرضية الصَّوم على من قبلنا حكم وعبر، يجملها العلاَّمة ابنُ عاشور في تفسيره إلى ثلاثة أمور:
1-    الاهتمام بهذه العبادة، لأنَّ شرعها علينا بعد أن كانت مفروضة على من كانوا من الأمم السَّابقة يدلِّل على صلاحها وكثرة ثوابها، والمسلم حريص على تحصيل الثواب والتنافس على جنة عرضها السماوات والأرض، بل إن القرآن شرع التنافس بين المسلمين في الخير والطاعة، فقال تعالى: " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"
2-    التهوين على المكلفين، فبيان فرضية عبادة الصوم على السَّابقين، تهوين للعباد، وتسهيل لهم على الاقتداء بالغير مما يعني تحمل ما يلحقها من مشقة وعناء، وكما قال علماؤنا :الامور الشاقة إذا عمت طابت، أي سهل القيام بها وتنفيذها على أكمل وجه.
3-    إثارة العزائم وشد الهمم للقيام بهذه الفريضة ويقوموا به بقوة وإتقان أكثر مما قام به السابقون من المكلفين.

تحقيق التقوى
وفي ختام الآية يشير الله سبحانه إلى الغاية من فرضية الصيام، وهي تحقيق التقوى، والتي تحبب المؤمن في الطاعة، وتزرع فيه الخوف من عذاب الله وبطشه، فهي التي تميز المؤمنين بعضهم عن بعض من المؤمنين وغيرهم، فهي كما يقول سيد قطب: " التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثاراً لرضاه. والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية"  لذا فهي نبض تميز المسلم ، وثباته على طريق الحق واستقامته عليه، وهي علامة نجاح العبادة، فكم من الناس مارسوا العبادة ظاهرياً دون مضمون، فلم يشعروا بلذتها، ولم تنعكس على سلوكهم، فلم يحققوا معنى العبادة وغايتها.
الصَّوم طريق مختصر لتحقيق التقوى، لمن فقه فلسفته وروحه
لكنَّ المؤمن الحق يعلم أنَّ العبادة طريق لتحقيق التقوى، والتي تميّزه وتعلي مقداره، ولهذا نجد من فقه غاية الصَّوم وفلسفته يستقبل رمضان بلون خاص ومميّز، فهو ومن معه من المؤمنين الصَّادقين كما يقول الإمام الشهيد البنا : " أدوا ما أمرهم الله به من صلاة وصيام وتلاوة وقيام ومسارعة إلى الخيرات وإحسان وصدقات، ولكنَّهم لم يقفوا عند ظواهر الأعمال، بل فهموا عن الله فيها، وعرفوا ما يراد بهم منها،  وتغذت بصائرهم إلى لباب أسرارها، فعرفوا لرمضان معنى لم يعرفه غيرهم، وفازوا بربح لم يفز به سواهم، واكتسبوا منه تزكية النفوس وتصفية الأرواح، وأولئك ذؤابة المؤمنين وصفوة العارفين.  فهموا من فريضة الصوم وآداب القيام أنهم سيتركون الطعام والشراب، ويقلّلون المنام، ويحرمون الجسوم هذه الثلاثة، وهي مادة حياتها، وقوام نشاطها، وإذن فليختف شبح المادة، ولينهزم جيش الشهوات، ولتتغلب الإنسانية بمعانيها السامية على هذا الجسم الذي احتلها من قديم فعطل حواسها، وكتم أنفاسها، وأطفأ نورها، وكبلها بما زيّن لها من زخرف الشَّهوات وزائف اللذائذ."

والصَّوم طريق مختصر لتحقيق التقوى، لمن فقه فلسفته وروحه، ولهذا كان رمضان مصدراً للتقوى وسبيلاً لديمومتها خلال السنة، ففي رمضان تتدرب النفس على تحقيق التقوى، عبر سموها على الماديات والملهيات، وكما قال صلى الله عليه وسلم : " الصّوم جنة" أي: وقاية من الوقوع في الإثم، والعذاب يوم القيامة، والوقوع في المهلكات، وما يضيع الإيمان وغيرها من الأمور.

------------------
المراجع :
1-    في ظلال القرآن – سيد قطب.
2-    التحرير والتنوير – ابن عاشور.
3-    خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي.
4-    مجلة الإخوان المسلمين-1933م.عدد 23.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …