من مقتضيات الخاتميّة .. بناء داعية مثقف

الرئيسية » بصائر الفكر » من مقتضيات الخاتميّة .. بناء داعية مثقف
alt

لا جدلَ في أنّ ثقافة الدّاعية وعلمه من أهم عوامل نجاحه وتأثيره وتحصينه، خصوصاً في هذا الزّمن التي تنوَّعت فيه الثّقافات وتضخّمت فيه الفرق، وانتشرت وسائل الإعلام، وقدّم أكثرها الغثّ، وهزلت فيه التّربية، وضعفت الهِمَم، وانتشرت الملهيات، وقلّت جهود التّعليم، واستهدف الدّين ودعاته فكريّاً وثقافيّاً، وتوسّع الاختلاف، وشطَّت الفتاوى، وتباينت آراء المفكّرين والعلماء كما لم تتباين من قبل في قضايا الأمّة الكبرى.

وفي بيان فضل العلم والتّعلّم، ومكانة صاحب العلم، الذي يُفهم منه ضمناً فضل ثقافة الدّاعية، نسوق بعض الأدلّة الشّرعيّة كقول الله تعالى: "وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً" (طـه: 114)، وقوله أيضاً: "هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" (الزمر: 9)، وقوله تعالى في موضعٍ آخر: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" (المجادلة: 11)، وقد قال أيضاً: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (فاطر: 28).

وكما ورد في صحيح الإمام مسلم قول النّبي صلى الله عليه وسلّم: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له طريقاً إلى الجنة)).
فليست الدّعوة بحاجة إلى إضافة ذهنيّات التّلقين والحفظ، فإنّ منهجيّة الشّحن والتّفريغ قاصرة عن خدمة دين الله في هذا العصر
والدّاعية وريث الأنبياء، ومن مقتضيات خاتميّة الرّسالة وتوقّف خطاب الوحي للبشر وتصويبه لمسارهم، وذلك بوفاة النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، تأتي أهمّيّة فقه خطاب الشّرع والقدرة على التحرّك السّليم به، وشرح تصوّراته للعامّة، وتربية النّاس عليه، ودفع شبه الحاقدين، ومحاولة تنزيل مضامين الدّين كقناعات سهلة الفهم والاستيعاب.. وهذا ما لا يقدر عليه داعية مهزوز الثّقافة ضعيف الفكر.

وأظنّ أنّ ما يبعد ثقافة الدّاعية عن الثّغرات أن تنطلق من أسس ثلاثة؛ وهي:
1-    التّكامل والبعد عن الصّبغات الثّقافيّة الأحاديّة: فكلّ أبواب الثّقافة مهمّة، وإن كان أهمها بالأخذ الثّقافة الشّرعيّة والدّعويّة. لكن لا غنى عن ضمّ المعارف المفيدة المختلفة بعضها إلى بعض. أمّا الاقتصار على صبغة واحدة من العلوم والثّقافات لن تمكّن الدّاعية من التّأثير، وهذا لا يعني إهمال التّخصص أو التّبحّر في العلوم، فالدّاعية تلزمه الموافقة بين ثقافة واسعة رصينة وتخصّص دقيق. ومن متعلّقات التّكامل الاطّلاع على القديم والحديث، وعدم التحيّز لعلوم جنسٍ معيّنٍ أو بيئة بعينها، أو كاتبٍ واحدٍ أو وسيلة واحدة، وإن كان الكتاب لا يزال الوسيلة الأفعل، مع تقرير فائدة ما تحويه الدّوريّات والمجلّات والدّراسات والمقالات والوثائق والدّراسات والمسموعات والمرئيّات وغيرها.

2-    التّحليل والنّقد: فليست الدّعوة بحاجة إلى إضافة ذهنيّات التّلقين والحفظ، فإنّ منهجيّة الشّحن والتّفريغ قاصرة عن خدمة دين الله في هذا العصر، والحاجة للثّقافة المتفقّهة القائمة على التّمحيص والتّحليل والنّقد والتّقويم والفِطام ضد المدسوسات والضّعيفات، ومعرفة خلفيّات الكاتب ومنهجه. ومؤلّف الكتاب مهما علا قدره بشرٌ يعتريه الخطأ والمبالغة والغفلة، وبالمقابل هذه ليست دعوة للثّورة ضد الحفظ والتّلقي؛ إنّما هي صرخة للتّوازن لتحقيق التّلقي المستبصر، والتّلقين في بعض الأحيان خير كلّه. وممّا يسهم في التّحليل والتّلقي المستبصر دوام المناقشة ومجالسة العلماء والمفكّرين وأهل الاختصاص، والحرص على سؤالهم، ولقد رُوي عن لقمان أنـَّه قال لابنه: "يا بني جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإنَّ الله يحيي القلوب بالحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السَّماء". كما الاهتمام بالتّلخيص والكتابة والوقوف عند المسائل الجوهريّة من أهم ما يزيد نوعيّة الثّقافة.

3-    وجود خطّة منهجيّة للبناء والارتقاء: وهذه الخطّة المنهجيّة والطّريقة تحتاج إلى وقفاتٍ واستشاراتٍ ومراجعاتٍ، ومعرفة المهم والأهم؛ وهما يتغيَّران بتغيّر الأحوال والمراحل، وعدم الاعتماد على ما هو معروض للبيع، أو ما هو موجود في المكتبات العامّة أو التي تبيع العامّة، والبعض يعدُّ أنّ مجرَّد قراءته عدداً مطّرداً من الصّفحات كفيلٌ ببناء ثقافة، وقد لا ينتبه إلى أنّه يقرأ ما لا يمكنه فهمه، أو أنّه يلزمه قراءة أشياء قبل ذلك. أو قد يتفاجأ أنّ حصيلته المعرفيّة لا تتناسب مع الجهد المبذول، أو بالمقارنة مع الأتراب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
يعمل في مجال الاستشارات الإداريّة، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية ودبلوم عالي في MIS، وشهادتي ماجستير في MIS والعلوم السياسية ودكتوراه إدارة الأعمال. لديه العديد من المؤلفات من أهمها: نحو فهم لظاهرة التعلق بين المربي والمتربي، رسالة في الطريق إلى دعوتنا، الموجز الميسر في ثقافة دعاة العصر، مصادر القوة والتميّز عند الداعية، الابتسامة وأثرها في عمل الداعية. له الكثير من الأبحاث والمقالات السياسية والفكرية والتربوية والدعوية.

شاهد أيضاً

لماذا تغيظهم حركة حماس؟

في مثل هذا اليوم انطلقت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كحركة مقاومة فلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني …