نداءُ المغفرة في رمضان

الرئيسية » بصائر تربوية » نداءُ المغفرة في رمضان
alt

من طبيعة البشر الخطأ والسّهو والنسيان، ومن ثمَّ كان الوقوع في المعاصي والذنوب التي حثَّنا المولى تبارك وتعالى على اجتنابها وحذَّرنا من الوقوع في شِراكها، وأرشدنا إلى ضرورة الإسراع إلى محو آثارها ونتائجها بالاستغفار والتوبة، فالمغفرة هي ستر تلك الذنوب والمعاصي وعدم المؤاخذة بها، والله سبحانه هو الغفور، وهو مشتق من قولك: غفرت الشيء إذا غطيته، فكأنَّ الغفور هو السَّاتر لعبده برحمته، أو الساتر لذنوب عباده، والغفور هو الذي يكثر المغفرة، لأنَّ بناء المفعول للمبالغة.

ولإعلام عباده المؤمنين  بذلك، أخبر المولى عزّ وجل  أنَّه غفور وواسع المغفرة، فقال: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ}. (النجم:32)،  وقال: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ}، وبأنَّه سبحانه حقيق أن يتقى عذابه ويُطاع، وحقيق بأن يغفر لمن آمن به وأطاعه، فقال تعالى:{ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}. (المدثر:56).  ووعد عباده بأنّه كثير المغفرة لمن تاب إليه من معاصيه، {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}. وقال سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.  وهذه دعوة إلى أن تطلب أسباب المغفرة التي منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى:{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمَّ اهتدى }. (طه : 82).
عشرة أسباب موجبة للمغفرة، وهي : (الإخلاص، وأداء الفرائض، والإسلام، والتكبيرة الأولى من الصَّلاة، والطّاعة، والتوبة، والهجرة، والجهاد، الصلوات الخمس، والأعمال الصَّالحة).
وحثّ المؤمنين على إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال :{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}.
ففي هذه الآية الكريمة يطلب الله سبحانه من المؤمنين أن يسارعوا إلى المغفرة من الله، وذلك باتِّباع وعمل كلِّ ما يرضي الله من العبادات والمعاملات والأخلاق التي تؤدِّي إلى مغفرة الله للمؤمنين.

وعدّد الإمام ابن الجوزي في تفسيره (زاد المسير) عشرة أسباب موجبة للمغفرة، وهي : (الإخلاص، وأداء الفرائض، والإسلام، والتكبيرة الأولى من الصَّلاة، والطّاعة، والتوبة، والهجرة، والجهاد، الصلوات الخمس، والأعمال الصَّالحة).

ووصف الله سبحانه عباده المؤمنين بقوله : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } أي: إذا صدر منهم أعمال سيّئة كبيرة أو صغيرة، بادروا إلى التوبة والاستغفار وذكروا ربَّهم، وما توعَّد به العاصين، ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم والستر لعيوبهم مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها وعزمهم أن لا يعودوا.

فكلُّ خَلْق الله تعالى محتاج إلى مغفرته سبحانه، ولا غنى لأحد عن طلبها؛  فالرّسل الكرام علموا أنَّ الله قد غفر لهم ومع ذلك التزموا طلبها؛ فنبيُّ الله إبراهيم عليه السَّلام طلب المغفرة لوالديه، قال عزّ وجل على لسان إبراهيم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}، لكن القرآن الكريم بيَّن في آيات أُخر أنَّ طلبه الغفران لأبيه إنَّما كان قبل أن يعلم أنه عدو لله، فلما علم ذلك تبرأ منه كقوله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}.

وداود عليه السَّلام .. طلب المغفرة من ربّه بقوله: أستغفر الله؛ {فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعاً وأناب} : أي: وسقط ساجداً على الأرض، وأناب أي: رجع تائباً إلى ربّه.

وسليمان عليه السَّلام .. طلب المغفرة وأردفها بملك لا ينبغي لأحد من بعده، فقال : { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}.

وموسى عليه السّلام .. قال :{ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. (القصص:16). وقوله تعالى :{ فَغَفَرَ لَهُ} الفاء للتعقيب، أي: استجاب استغفاره فعجَّل له بالمغفرة.

وأتباع موسى عليه السَّلام قالوا :{ فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ}. قال ابن عاشور في تفسيره : (وقدّم المغفرة على الرَّحمة، لأنَّ المغفرة سبب لرحمات كثيرة، فإنَّ المغفرة تنهية لغضب الله المترتب على الذنب، فإذا انتهى الغضب تسنى أن يخلفه الرِّضا، والرِّضا يقتضي الإحسان).

وخاتم النبيين عليه الصَّلاة والسَّلام  كان يستغفر مولاه في اليوم سبعين مرّة، فيقال له : كيف وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وتأخر، فيقول: (( أفلا أكون عبداً شكوراً)).

وفي معرض حديثه عن تأييده  النّصر  وحثه على الصَّبر، أمر الله  رسوله عليه الصَّلاة والسَّلام بالاستغفار {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}.

وأمره الله سبحانه بأن يستغفر للمؤمنات المبايعات، فقال:{واستغفر لهن الله} أي: أطلب الله تعالى لهنَّ المغفرة لما سلف من ذنوبهن وما قد يأتي.
وخاطبه في سورة النّصر بقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}. أي: اطلب منه المغفرة توبة منك إليه.

والملائكة الأطهار الأبرار يستغفرون للذين آمنوا، قال الله تعالى:{ الذين يحملون العرش ومَن حوله يسبحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا}. (غافر:9). والاستغفار لمن في الأرض : طلب المغفرة لهم بحصول أسبابها، لأنَّ الملائكة يعلمون مراتب المغفرة وأسبابها، وهم لكونهم من عالم الخير والهدى يحرصون على حصول الخير للمخلوقات وعلى اهتدائهم إلى الإيمان بالله والطاعات، ويناجون نفوس الناس بدواعي الخير.
في رحاب شهر رمضان المبارك تكثر أسباب الغفران، فمن أسباب المغفرة فيه صيامه وقيامه إيماناً واحتساباً، وإحياء لياليه بالقيام وقراءة القرآن والدّعاء والذكر والابتهال
وعباد الله المؤمنين يستغفرون لإخوانهم في الإيمان: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} لرابطة الإيمان التي تربطهم بهم، ولعلَّ هذا السرّ في ذكر إيمانهم لأنَّ المؤمنين إخوة واستغفارهم هو طلب المغفرة من الله للمؤمنين من عباده.

وفي رحاب شهر رمضان المبارك تكثر أسباب الغفران، فمن أسباب المغفرة فيه صيامه وقيامه إيماناً واحتساباً، وإحياء لياليه بالقيام وقراءة القرآن والدّعاء والذكر والابتهال، ولعلَّ  المغفرة تكون في أوسط هذا الشهر كما ورد في الأثر؛ يقول الإمام ابن رجب : (أمَّا أوسط الشهر، فالأغلب عليه المغفرة فيغفر فيه للصَّائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصَّغائر فلا يمنعهم من المغفرة كما قال الله تعالى : { وإنَّ ربك لذو مغفرة للنَّاس على ظلمهم}. ).

وفي ليالي رمضان وأسحاره يقبل المؤمنون على طلب المغفرة منه سبحانه، قال تعالى: {الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}: السَّائلين ربَّهم المغفرة في آخر الليل وقت السّحور؛ يتهجدون آخر الليل وقبيل طلوع الفجر يكثرون من الاستغفار وطلب المغفرة، يتضرَّعون إلى الله وينادونه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ويسألونه بحاجاتهم وفقرهم، ولا ينسون إخواناً لهم في مشارق الأرض ومغاربهم بطلب الاستغفار، فاللهمَّ يا غفّارُ، ويا غفورُ، اغفر لنا ذنوبنا، وجميع إخواننا المؤمنين، فإنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

مصطلح “تأثير الفراشة” ودوره في تغيير مسار الحياة

عندما سقط مسمار من حِدوة الحصان، سقطت الحِدوة من ساق الحصان، فتباطأ الحصان في سيره، …