د. القضاة:المجاهرة بالإفطار في رمضان جريمة مضاعفة

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. القضاة:المجاهرة بالإفطار في رمضان جريمة مضاعفة
alt

إنَّ من نعم الله على المسلم إشراقة شهر الرَّحمة والخير عليه، بأن كَتب له عمراً جديداً في طاعة الله والتنسم بأريج أيام المغفرة، وفتح أمامه المجال لأن يحاسب النفس المقصرة، ويعاتبها على ما اقترفته من ذنوب وتقصير، أن يعوّد نفسه على اجتناب أوامر الشيطان ووساوسه، ويحاذي مرضاة الله في كلّ أمره، ليكون رمضان نافذة خير لحياته المقبلة، وتجديداً إيمانياً يمنحه راحة النفس بالطّاعة في الدنيا.. والسّعادة السرمدية في الآخرة.

إنَّ التعبير عن مقدم شهر رمضان لا يكون بتكديس الطعام والمشروبات، وإحياء الخيم والاجتماعات، ومتابعة برامج الفوازير والمسلسلات... كما يسود ذلك في الكثير من أطياف المجتمع إلاَّ من رحم ربي.. كيف لي أن أستغل شهر رمضان وأجعل منه بداية لحياة إيمانية جديدة؟ وما أحب الأعمال إلى الله في هذه الأيام؟

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل جليل ويزداد عظمة إن كان في موسم مضاعفة الحسنات... فما السبيل لتحقيقه؟ وبلوغ ليلة القدر أسمى الأمنيات.. محاور عديدة تلك التي كانت موضوع حوارنا مع  الدكتور شرف القضاة الأستاذ في الجامعة الأردنية ..


بصائر: فرض الله الصّيام تطهيراً للنفوس وتأديباً لها على الالتزام بالشرائع، وللإحساس بمعاناة المحرومين وإدراك مدى النعمة التي يحيون فيها، لماذا لا يتلمس المرء هذه المعاني في حياة المجتمع في كثير من الأحيان، وكأنَّ رمضان مجموعة من العادات فقط ولا علاقة لها بالتربية الإيمانية للنفوس؟

د.شرف القضاة: لا شك أنَّ كثيراً من الناس يتلمس هذه المعاني بدرجات متفاوتة، وقليل جدّاً من لا يحس بذلك مطلقاً، وبعضهم لا يحسّ بها بدرجة كافية، ولعلَّ السبب في ذلك أنَّه لم يتعلمها أصلاً، أو تعلمها ولكنَّه نسيها، ويعيش في بيئة لا تذكره بها، أو أنَّه غارق في عمل طويل يملك عليه كل وقته، ويجعله لا يتنبه لغيره، أو أنَّه يفهم رمضان شهر طعام وشراب ونوم ومسلسلات، وهكذا.
يجب على العلماء تعليم الناس معاني الصيام، بأساليب مختلفة وشيقة، وكذلك يجب هذا الأمر على الوالدين، والملتزمين والدعاة.
ولذلك يجب على العلماء تعليم الناس هذه المعاني بأساليب مختلفة شيّقة، وبطرق تناسب الصغار والكبار، كما يجب على الأهل أن يكونوا قدوة لأولادهم في ذلك، وأن يجعلوهم يعيشوا هذه المعاني يومياً، ويجب على الملتزمين والدعاة التذكير المستمر بذلك بأساليب مناسبة مؤثرة، وأن ينبهوا الغارقين في الدنيا بأن يجعلوا نصيباً من وقتهم وحياتهم لله، وللحياة في ظل معاني رمضان، فإن الحياة في ظل هذه المعاني سعادة في الدنيا وفوز في الآخرة، كما علينا جميعا أن نجسّد هذه المعاني في نشاطات جماعية من خلال الجمعيات وغيرها، ومن خلال مؤسسات تغرس هذه المعاني منذ الطفولة.

بصائر:  بلوغ رمضان نعمة جليلة، وفرصة جديدة لإعادة الحسابات وبداية لمرحلة إيمانية قويَّة مع الله عزَّ وجل، لكن ليس كلّ بالغي هذا الشهر الفضيل يتمكنون من تحقيق ذلك.. كيف يمكن للمرء تحقيق الاستغلال الصَّحيح في هذا الموسم المبارك؟

د.شرف القضاة:
شهر رمضان دورة إيمانية في التقوى بمعناه الشامل، والهدف الرَّئيس من هذه الدورة رفع المستوى الإيماني والسلوكي عند المسلم، وفي هذا الشهر تتضاعف الحسنات فهو حقيقة فرصة عظيمة للتوبة وتصحيح المسار ورفع الدرجات.
شهر رمضان دورة إيمانية في التقوى بمعناه الشامل، والهدف الرَّئيس من هذه الدورة رفع المستوى الإيماني والسلوكي عند المسلم.
إنَّ التاجر يقوم سنوياً على الأقل بحساب الأرباح والخسائر، فعلى المسلم أن يقوم بذلك سنوياً على الأقل، بل ينبغي أن يكون ذلك يومياً، بل إنَّ المسلم دائم التفكير في ذلك، وهو كالمسافر الذي يفكر دائماً كم قطع من الطريق وكم بقي.

لقد جعل الله شهر رمضان دورة تدريبية، وهو كالدورات التي تعقدها المؤسسات لموظفيها لرفع مستواهم، وكالدَّورات التي تعقد للطلاب وبخاصة الثانوية العامة لرفع مستواهم، فالله سبحانه يحب لنا أن ننجح، بل أن نتفوَّق، فجعل لنا مواسم لرفع المستوى. كيف يستغل الناس مواسم التنزيلات إذا كانت كبيرة وحقيقية، هكذا هو رمضان ، فإذا فهمنا رمضان كذلك فسنقوم باستغلال كل ساعة فيه.

ولذلك علينا أن نضع برنامجاً لرمضان مستمّداً من السنة النبوية لقضاء هذا الشهر يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، ابتداء من وقت السَّحر وما فيه من دعاء وتضرّع، مروراً بصلاة الفجر جماعة، وقراءة جزء من القرآن على الأقل يوميا، والمحافظة على الصلاة وبخاصة صلاة الجماعة، والانشغال بما فيه خير وأجر، وترك ما فيه تضيع للوقت، وانتهاء بصلاة التراويح والنوم المبكر نسبياً استعداداً ليوم جديد، وكلَّما كان البرنامج مفصلا وجماعياً مع الأهل والأصدقاء كان أنجح إن شاء الله.

بصائر: بعض النَّاس _هداهم الله_ ممَّن لا يحافظ على أداء الرّكن والصيام في رمضان، لا يكتفون بذلك بل يجاهرون بالمعصية، فتراهم يفطرون في الطرقات وعلى مرأى العامة.. كيف يتم التعامل مع هؤلاء من قبل الأفراد أو حتى المسؤولين؟ ما الذي يجب في هذه الحالة؟

د.شرف القضاة: في البداية لا بد من أنَّ عدد الذين يفعلون ذلك قد انخفض كثيراً ولله الحمد، فالناس عموماً مقبلون على الفرائض، بل كثير منهم يصوم النوافل أحياناً. الإفطار في رمضان عمداً دون عذر من الكبائر، أمَّا المجاهرة بالإفطار فهي جريمة مضاعفة. ويجب على الجميع المشاركة في إنكار هذا المنكر، كل حسب موقعه.
والإفطار في رمضان عمداً دون عذر من الكبائر، ولا بد له من توبة بشروطها كلّها حتى يقبل الله توبته، وأمَّا المجاهرة بالإفطار فهي جريمة مضاعفة.

ويجب على الجميع أن يشارك في إنكار المنكر، كلٌ بحسب موقعه، وكما قال صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فالعالم يشارك ببيان الحكم الشرعي، وعلى من يعلم ذلك أن ينصح، وأن ينكر، وأن يعرف الأسباب التي تجعل مسلماً يفعل ذلك لمعالجتها بما يناسبها، وعلى المسؤولين أن يكونوا جادين في منع ذلك، ومعاقبة من يتجرّأ على المجاهرة بذلك، ولا يكفي في ذلك بيان سنوي يهيب فيه المسؤولون برعاية حرمة الشهر الفضيل ثمَّ لا نجد تطبيق ذلك، وعلى المسؤولين كباراً وصغاراً أن يكونوا قدوة للناس في الالتزام بحرمة الشهر لا أن يكون بعضهم منتهكاً لذلك علانية.


بصائر: غالباً ما يصاحب حلول هذا الشهر الكريم الارتفاع الفاحش في أسعار السّلع، واحتكارها، ما يحول بينها وبين المواطنين وأصحاب الدخل المحدود والفقراء... ما الرِّسالة الموجّهة للتجّار للحدِّ من هذه الظاهرة؟

د.شرف القضاة:
شهر رمضان ليس شهر الطّعام، بل هو شهر الصّيام، ومن العجيب أن يزداد استهلاك الناس في رمضان، والحقيقة أنه يجب أن يقل الاستهلاك للطعام في رمضان، فالمسؤولية الأولى على الناس الذين يبالغون في الاستهلاك في رمضان.

وأمّا التجّار فليسوا سواء؛ فمنهم من يحتكر ويرفع الأسعار ومنهم من يتبرَّع ويتصدَّق، والمطلوب من إخواننا التجَّار أن يتذكروا آخرتهم ووقوفهم بين يدي الله تعالى، فإن المال الذي يجمعونه بالاحتكار ورفع الأسعار لن ينفعهم يوم القيامة (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) وعليهم أن يتذكروا بأن شهر رمضان فرصة لمضاعفة الحسنات، لماذا لا يخفض التجار أرباحهم في رمضان ابتغاء مرضاة الله تعالى؟ لماذا لا يكون رمضان موسم التنزيلات الحقيقية؟.
كما أنَّ للمسؤولين دوراً في منع الاحتكار، والمحافظة على الأسعار، بل تخفيضها في رمضان.

بصائر:: ما هي أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله في هذا الموسم العظيم؟ وما هي أبرز الوصايا التي يقدّمها الدكتور شرف القضاة للمسلمين في هذه الأيام المباركة؟

د. شرف القضاة: شهر رمضان شهر الخيرات التي لا تحصى، والسعيد هو الذي يستفيد منها، ولا يترك باباً من أبواب الخير إلاَّ سلكه، ومن أهم ذلك:

* التوبة: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ) ولكن التوبة لا تقبل إلا بشروطها الأربعة، وهي: الندم على المعصية، وتركها، والعزم على عدم الرجوع إليها، وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، سواء كانت لله أو للناس.

* تحقيق معنى الصوم، وذلك بأن يصوم الإنسان عن المعاصي، بل عن كلِّ ما يضيّع الوقت والمال والجهد، وأن لا يكثر من الطعام والشراب والنوم، وأن لا يضيع شيئا من وقته في سفاسف الأمور في هذا الشهر المبارك.

* الإكثار من قراءة القرآن الكريم، فما أحوجنا إلى القرآن الكريم يصحّح لنا تصوراتنا وأفكارنا، ويقوم لنا سلوكنا، ويدلّنا على كل خير، ففي رمضان نزل القرآن، وهو سبيل السَّعادة والنجاح في الدنيا والآخرة {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}.

* الإكثار من الدُّعاء، وما أحوجنا أفراداً وجماعات وشعوباً إلى الدُّعاء، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم : (ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ) سواء كان قبول الدعاء عاجلا أو آجلا، أو المطلوب نفسه أو غيره، أو في الدنيا أو في الآخرة، وكل ذلك إذا لم يمنع مانع من قبوله كعدم اتخاذ الأسباب، أو الأكل من الحرام، أو الإقامة على معصية.

* الإكثار من الصدقات، سواء كانت زكاة مال أو زكاة فطر، أو صدقات تطوعية، وصلة رحم، ولا شك أن هذا تدريب على الجود والصلة والإنفاق والإحساس بمشاعر المحرومين.

بصائر:  يكثر الكلام في رمضان عن ليلة القدر، فماذا عن فضلها؟ ومتى تكون؟ وما هي علاماتها؟

د. شرف القضاة: لا شكَّ أنَّ ليلة القدر هي أعظم ليلة في السنة كلّها، قال تعالى {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} وفيها قمة المضاعفة للحسنات، حيث تضاعف بأكثر من ثلاثين ألف ضعف، وتستجاب فيها الدعوات، وهي في العشر الأواخر ولذلكليلة القدر أعظم ليلة في السنة كلها، وليست بالضرورة ليلة السابع والعشرين، بل هي في الوتر من ليالي  الشهر، وعلى المسلم أن يحتاط فيما إذا كانت بداية الشهر غير صحيحة، وينبغي عدم الاعتماد على بعض ما يتداوله الناس من علامات لا صحة لها بخصوص هذه الليلة. (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ (جَدَّ واجتهد) وَأَحْيَا لَيْلَهُ (كله) وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) بل هي في الوتر منها (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)، بل هي في السبع الأواخر (مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) فهي إذن في الوتر من السّبع الأواخر، فهي إمّا ليلة خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين (الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ) أي من العشر الأواخر، فهي ليست بالضرورة ليلة سبع وعشرين.

وهذا مع مراعاة أن تكون بداية الشهر صحيحة، فإن كانت غير صحيحة أصبحت الليالي الفردية زوجية والزوجية فردية، فعلى المسلم أن يحتاط لذلك.

وليس لها علامات واضحة تدل عليها، وبخاصة قبلها أو أثناءها، فينبغي عدم الاعتماد على بعض ما يتداوله الناس من علامات لا صحة لها.

كلمة أخيرة:
لقد كان الصَّحابة والتَّابعون يتمنون أن تكون السنة كلّها رمضان، لكثرة ما فيه من الخيرات، فرمضان فرصة لا تعوَّض، والعاقل من استغلها، ولم يُسَوِّف ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)).

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الصيام
  • حوار
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

    شاهد أيضاً

    لحياة مهنية أفضل… الشهادات لا تغني عن تطوير الذات

    لكل جانب من الحياة مستلزمات نجاح خاصة، فالتفوق الدراسي يحتاج للعلم، بينما العلاقات الاجتماعية يلزمها …