الدُّعـاة الموظفون.. لا يمتلكون قرارهم

الرئيسية » بصائر تربوية » الدُّعـاة الموظفون.. لا يمتلكون قرارهم
alt

قال دعاة وعلماء دين: إنَّ طرق العديد من الدعاة لأبواب الوظائف الحكومية واللهث خلفها بدلاً من اللجوء إلى المشاريع الصَّغيرة والتجارة الحرَّة يُعدّ من "أضيق أبواب الرزق"، مشدّدين على أنَّ الأولى على العالم أو الداعية تنفيذ مشروع أو امتهان حرفة تمكنه من إعالة نفسه وأسرته وعدم التقييد بالوظائف الحكومية مهما بلغ منصبها.

وطالبوا "الدعاة" بأن يكونوا أصحاب أعمال حرَّة أسوةً بالسلف الصالح، ليصبحوا  قدوة للشباب في الخروج من إطار الوظائف الحكومية، وعدم الاقتصار عليها، والتقوقع فيها ليساهموا ولو بالقليل في النَّهضة التنموية والاقتصادية لبلادهم.

وقال هؤلاء الدعاة الذين استطلع (موقع بصائر) آراءهم : إنَّ الداعية أو العالم عندما يكون حرّ نفسه في عمله ومهنته سيصبح أكثر جرأة في قول الحق، ولن يخشى لومة لائم، وليس مطلوباً من كل الدعاة أن يكونوا فقط موظفين حكوميين أو خطباء مساجد، ولكن عليهم أن يخرجوا قدر المستطاع من عباءة الوظائف الحكومية.

يذكر أنَّ مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الإمام حسن البنا، كان قد أوصى أبناء جماعته، بالعمل في التجارة، والمهن الأخرى، وعدم الحرص على الوظيفة الحكومية، حيث قال في وصاياه: "لا تحرص على وظيفة حكومية لأنَّها أضيق أبـواب الرزق".

حلٌّ للبطالة

عن الأسباب التي تدفع الدعاة إلى اللجوء إلى الوظائف الحكومية بدلاً من الأعمال الحرَّة رأي الداعية "سلامة الصفدي" من مدينة غزة أنَّ الداعية يطرق باب الوظائف لأنَّها من أسهل أبواب الرزق وأيسرها على الإطلاق، ويحصل منها على راتبٍ آخر كل شهر، قد يكون دون أدنى مجهودٍ يُذكر.

ولفت إلى أنَّ الدعاة يجب أن يكونوا قدوة للشباب في الخروج من إطار الوظائف الحكومية وعدم الاقتصار عليها؛ بفتح مشروع صغير أو تجارة حرَّة أو حتَّى حرفة كـ" النجارة والفلاحة والحدادة".

وعدَّ  أبواب الحرف والمشاريع حتَّى لو كانت متناهية الصغر باباً أوسع وأرحب من الوظائف لأنَّها تلبي طموحات الشباب، مضيفاً: " كما أنَّها الحلّ الأفضل في حل مشكلة البطالة المتأججة في قطاع غزَّة وتعمل على تشكيل نهضة تنموية في البلاد... فبدلاً من أن يجلس الشاب في بيته بانتظار قبوله في إحدى الوظائف يكون قد افتتح مشروع ولبّى طموحاته وساعد في نهضة مدينته".

ومضى يقول: " إنَّ علماء السَّلف الصَّالح كانوا أصاحب حرف وتجارة حرَّة، ورفضوا أن يتبعوا للسلطان أو الحاكم تحت أي مسمَّى كالإمام أبي حنيفة النعمان الذي كان صاحب مشروع تجاري".

أغلقوا الأبواب

وشدَّد الداعية الصفدي على أنَّ العالم عندما يكون صاحب وظيفة حكومية يكون قراره ليس بيده ويصبح إمعة وغير قادر على اتخاذ موقف صائب وسليم لأنَّه يتبع للمسئول الذي أعلى منه درجة وسيتلوث بشكلٍ ما.
واستدرك: "لكن عندما يكون الداعية حرّ نفسه في عمله ومهنته سيصبح أكثر جرأة في قول الصواب، ولن يخشى لومة لائم أو قول كلمة حق في وجه مديرٍ جائر فرزقه غير مرتهن بوظيفته أو راتبٍ منه أول كل شهر..".

ولإغلاق هذا الباب أمام الدعاة أسدى الدَّاعية سلامة نصيحة للجهات المسؤولة "بأن تغلق الباب أمامهم في مجال الوظائف الحكومية الدعوية والاقتصار على التطوع فقط حتى لا يعتمد الداعية عليها بشكل دائم ومباشر، وليساهم الدَّاعية في نهضة تنموية لبلده في المجال الاقتصادي ولا يقتصر على الدَّعوي فقط".

من جهته، عدَّ الدكتور "ماهر السوسي" أستاذ الشريعة والفقه المقارن في الجامعة الإسلامية في غزة أنَّ الوضع الاقتصادي المتردي والأزمة المعيشية الخانقة التي يعيشها الأهالي في القطاع هي التي دفعت أغلب الدعاة إلى اللهث وراء الوظائف الحكومية لأنَّها أيسر الأبواب، وهي مدخل مفتوح للرزق.

ومضى يقول: " من باب أولى على العالم أو الداعية أن ينفذ مشروعاً صغيراً أو امتهان حرفة تمكنه من إعالة نفسه وأسرته، ولكن ذلك المشروع يحتاج إلى رأس مال، وقوة شرائية في المجتمع، وهذا غير متوفر لسوء الوضع المعيشي في فلسطين وخاصة في قطاع غزة".

رزق ثابت

ونوَّه إلى أنَّ العلماء في القرون الماضية كانوا أصحاب حرف ومشاريع تجارية، ولم يكن هناك مجال للتخصص في الدَّعوة، فكانوا متفرغين لدراستهم الشرعية بجانب تجارتهم ويعتمدون على أنفسهم في كلِّ شيء، وحياتهم تسير سهلة بسيطة خالية من أي تعقيدات.

وبيّن أنَّ العصر الحالي يختلف عن أي عصورٍ مضت؛ فالحياة بتعقيداتها المختلفة أدت إلى ضعف الحالة الاقتصادية والمعيشية وخفَّت القوَّة الشرائية لدى المواطن، وهو الأمر الذي دفع العالم والداعية إلى البحث عن مصدر رزق ثابت ووظيفة تقيه شرَّ السؤال.

وشدَّد على أنَّه ليس المطلوب من كلِّ داعية وعالم أن يكون موظفاً حكومياً أو خطيباً أو إماماً، ولكن عليه أن يتجه نحو تلك المشاريع إذا كانت إمكانياته تسمح بذلك ويخرج من إطار التبعية للحكومة.

مضيفاً: " فعندما يرى الشباب أنَّ إمامه في المسجد قد اتجه إلى تجارة معينة رغم أنه يحمل الشهادات العليا لن يجد فيها حرجاً بأن يحذو حذوه، ولن تكون عيباً في حقه.. وهناك الكثير من الدعاة المعروفين وأصحاب المراكز المرموقة قد ابتدئوا من مشاريع صغيرة إلى أن نمت وكبرت".

وشدَّد على أنَّه لا يجوز على الإنسان المسلم أن يجلس في بيته عاطلاً عن العمل بانتظار الوظيفة الحكومية، بل يجب أن يبحث عن عمل مهما كان لكي ينفق على نفسه وأسرته ولا يكون عالة على المجتمع، بل عليه أن يساهم بنهضة بلادة ولو بأقل القليل.

تعزيز المشاريع

حول أهمية المشاريع الصَّغيرة وقدرتها على التخفيف من حدة البطالة المنتشرة في صفوف الشباب، أكَّد الخبير الاقتصادي د.محمد مقداد أنَّ ما يعانيه قطاع غزة من نسبة بطالة عالية في صفوف الخريجين وأزمة الجلوس في البيت بانتظار الوظيفة الحكومية باتت السِّمة الدارجة في غزة.

مؤكّداً على أنَّ الحكومة لها دور أساس في دعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر لما لها من أهمية كبيرة في النهضة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وأضاف: يجب على الحكومة أن تنظر لهؤلاء الشباب العاطلين عن العمل وتدعهم وتعزّز في نفوسهم أهمية المشاريع الصغيرة".

وأوضح أنَّ مفهوم المشروع الصَّغير غائب ومغيَّب عن ذهن الشاب الخريج الذي قضى خمس أو أربع سنوات في دراسته الجامعية؛ فيجد أنَّه من العيب أن يقوم بمشروع يقيه شرَّ البطالة والجلوس فارغ اليدين.
ثقافة العيب

ويشدِّد الخبير الاقتصادي على ضرورة " أن نتكاتف جميعاً لمحو تلك الثقافة من ذهن الشباب، ونبادر في خلق فرص عمل لهم بعيداً عن التبعية للحكومة.. وحتَّى لا يكونوا عبيداً وأسرى لتلك الوظائف التي لا تسمن ولا تغني من جوع".

وبيَّن أنَّ تلك الثقافة يبدأ زرعها وغرسها من البيت؛ فالأسرة لها أشدّ الدَّور في ذلك، وعليها تعزيز ذلك لدى أطفالها وشبابها، كما أنَّ للدُّعاة ومن يتخذهم الشاب قدوة له لهم دوراً كبيراً.
وأضاف قائلاً: "فعندما يجدهم يعزفون عن الوظائف الحكومية ولا يلهثون خلفها، بل يفضلون عليها المشاريع، فبكل تأكيد سيتبعهم ويخلع عنه ثقافة العيب".

وعن أهم ما يميّز المشروع الصغير، قال مقداد: " مفهوم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر تختلف من دولة إلى أخرى.

وأوضح أنَّ تكلفة إنشاء المشاريع الصغيرة قليلة ولا تحتاج لرأس مال كبير، ولكنها بحاجة إلى دراسة جدوى معمَّقة وإداريين في مجال التوظيف حتى لا يكتسحها الفشل وتلقى مصير العشرات من المشاريع الفاشلة والمعطلة.

وينصح الدكتور مقداد كلَّ من يرغب في تنفيذ مشروع صغير بالبدء في إعداد خطة ليبدأ مشروعه ويشترط أن يكون ممتلكاً خبرة في مجال مشروعه، وألاَّ يقتحم أيَّ مجال لا خبرة له فيه، وعليه أن يدرس السوق، وأن يبحث مدى الطلب على المنتجات التي سينتجها المشروع، والتأكد من أنَّ السوق محتاج إليها أيضاً، بالإضافة إلى دراسة التكلفة والعوائد المتوقعة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …