انتفاضة الأقصى (1).. الأسباب والدَّوافع

الرئيسية » بصائر من واقعنا » انتفاضة الأقصى (1).. الأسباب والدَّوافع
alt

ليس غريباً على الشعب الفلسطيني أن ينتفض على من احتل أرضه عقوداً طويلة، وشرّد أهلها منها دون وجه حق، فيظهر أنواع القوة كافة في مواجهة بطش آلته العسكرية وهمجيتها، ليؤكّد أنّه باق رغم كلّ محاولات الاحتلال في ثنيه عن المطالبة بحقوقه، والثبات على ركائز قضيته، تارة بالقمع والقتل، وأخرى بالتفاوض والمساومات، إلى غيرها من الأساليب.

هي سنة طبيعية، أن يقف المظلوم في وجه الظالم المستبد، فلا يأبه بما يملكه الظالم من عتاد وقوة، لأنَّ هذا المظلوم وغيره ممن يشاركونه الحال والواقع، يتوكلون على ربّهم، ويتسلحون بقوَّة الإيمان، فينتفضون على كلّ ممارسه للظالم المجرم، ليعلنوها مدوّية، أنَّ للحق أصحاباً لا يتنازلون عنه، وأنَّ للقضية أنصاراً لا يفرّطون بها، وأنّ في الشعب رجالاً، لا يخافون من قوة الاحتلال وجبروته.

انتفاضة الأقصى، حلقة تضاف إلى سلسلة من حلقات صمود الشعب الفلسطيني، سطّر فيها صوراً رائعة من ملاحم العزّة والبطولة، وأكّد أنّه شعب يرفض الضيم وسلب الحقوق، تماماً كما أكّده أسلافهم من عزّ الدين القسَّام، إلى عبد القادر الحسيني، مروراً بثورة البراق، وانتفاضة الحجارة، وحرب الفرقان فيما بعد، وذلك لأنَّ مقارعة الاحتلال والثبات أمامه، لا تختص بجيل دون جيل، فهم جميعاً سواء، يؤمنون بقضية واحدة، لا تقبل أنصاف الحلول، ولا يتنازل عن أي ذرة منها للمحتل، مهما مرت الأيام والسنون.

انتفاضة الأقصى، انتفاضة خالفت جميع التوقعات، وصدمت اليهود قبل غيرهم، في انتشارها وحيويتها وشمولها لكافة أقسام الوطن المحتل، الضفة، وغزة، وسكان الأرض المحتلة عام 1948. وألحقت بالمحتل خسائر بشرية ومادية، لم يعهد في تاريخه أن شهد مثلها، وأظهرت أنواعاً جديدة من سبل مقاومة المحتل وإلحاق الخسائر به كما سيتم بيانه لاحقاً.

الأسباب والدوافع ..
يمكن أن نعزو أسباب انطلاقة الانتفاضة، إلى نوعين من الأسباب، المباشرة وغير المباشرة، فهي وإن انطلقت من شرارة تدنيس المجرم شارون للأقصى، إلاَّ أنّها انطلقت بعد تراكمات لأمور كثيرة أدّت لهذا الأمر، ويمكن حصر هذه الأسباب غير المباشرة في أمور منها:

1- إخفاق المسيرة السلمية، وجولات المفاوضات في جلب حلول حقيقية للشعب الفلسطيني، فعلى الرّغم من جولات المفاوضات بين السلطة الفلسطينية، والاحتلال الإسرائيلي، والتي بدأت من أوسلو، مروراً بـ "واي ريفر"، وطابا، وكامب ديفيد وغيرها. إلاَّ أنّها لم تحقق أمناً سياسياً للشعب الفلسطيني، بل زادت اعتداءات المستوطنين، وجنود الاحتلال على المواطنين العزل، وأصبحت الأجهزة الامنية الفلسطينية التابعة للسلطة، تقوم بدور رئيس في حماية الاحتلال مهما كلّف الثمن، فكثرت حوادث الاعتقال لمن يرفضون خيار السّلام، والزّج بهم في السجون، والتنسيق الأمني العلني، إلى غيرها من الأسباب التي ولدت لدى المواطن الفلسطيني يأساً واضحاً من هذه العملية برمتها، بل ومن هذا الخيار بأكمله. ناهيك عن انسداد الحل السلمي في كامب ديفيد الثانية، وفشل المساعي السلمية في التوصل لحل للمشاكل والأمور بين المفاوض الفلسطيني، والمحتل الإسرائيلي.

إضافة لما سبق فإن الرخاء الاقتصادي والذي وعد الاحتلال عند بدء عملية السلام، لم يتحقق بمقدار ما وعدوا به، بل كان هناك نوع من النمو البسيط للاقتصاد، نتيجة استقرار الأمور والاحوال، لكنَّه لم يكن نمواً حقيقياً، إذ بقي الاقتصاد الفلسطيني، معتمداً وبشكل رئيسي على اقتصاد المحتل، وأصبح المجتمع الفلسطيني واحداً من أبرز المستهلكين لمنتجات المحتل وبضائعه، ممَّا حقق رخاء لليهود وليس للفلسطينيين.

2- زيادة المستوطنات، ومصادرة الأراضي الفلسطينية، والهجرة اليهودية إلى فلسطين، فقد استغل اليهود، جولات المفاوضات، لزيادة أعداد المستوطنات، وتوسيعها على حساب أراضي الفلسطينيين، بحجة أنَّها متعلقة بمفاوضات الحلّ النهائي، وأنَّ "إسرائيل" ستلتزم بكل ما ينتج عن هذه المفاوضات، ولهذا أراد اليهود أن يفرضوا سياسة الأمر الواقع على المفاوض الفلسطيني، الضعيف أصلاً، والذي رفض خيار المقاومة والصمود، فزادت نسبة المستوطنات في الأشهر التسعة الأولى من العام 2000 بنسبة 7%، ممَّا ولَّد سخطاً داخل الشعب الفلسطيني بسبب هذا الأمر.

3- زيادة الاعتداءات على المسجد الأقصى وانتهاك حرماته، ومصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وقد كانت السلطة تكتفي بالتنديد والاستنكار، أو بالمسيرات الشعبية المنددة فقط، دون وجود حلول عملية للحيلولة من زيادة هذا الأمر، وتفاقمه، خصوصاً مع كثرة النداءات التي كانت تطالب بحماية الأقصى، وتحذر من الخطر الحقيقي الذي يتعرّض له، وكان الملفت هو تجاوب أهل فلسطين ممَّن يقطنون بما يعرف بأرض الـ 48 ؛ حيث أقاموا مهرجاناً سنوياً حمل اسم القدس في خطر، والذي بلغت ذروته عام 1999 حيث شارك في هذا المهرجان، أكثر من 100 ألف فلسطيني من فلسطينيي الداخل.

4- الصَّحوة الإسلامية التي ظهرت داخل الأراضي الفلسطينية، متمثلة بزيادة عدد المساجد وروادها، ومراكز التحفيظ للقرآن الكريم، وزيادة عدد الجمعيات الخيرية، ممَّا ساعد على انتشار فكرة الجهاد ضد المحتل، ورفض الحلول السلمية والتفاوض معه، وجعل هناك دافعاً قوياً لمواجهة المحتل ومجابهته والصمود أمام آلته الحربية.

أمَّا الأسباب المباشرة، لانتفاضة الأقصى فتتمثل بما يلي:

1- alt زيارة زعيم الليكود المجرم " أرئيل شارون" للمسجد الأقصى، وتدنيسه لحرماته، بعد دخوله إلى باحاته بحماية حراسه وحاشيته، وذلك يوم الخميس 28-9-2000، ممَّا جعل أهل القدس يواجهونه بالأحذية والحجارة، لحماية الأقصى، بعد أن عجزت الأسلحة العربية المتراكمة في المخازن عن توفير الحماية له، ورد محاولات التهويد له، وخلّف هذا الاقتحام، موجة من الاحتجاجات الشعبية العارمة، والتي استنكرت ما قام به شارون، وعمت جميع الأراضي الفلسطينية، لتؤكد أن الأقصى له مكانة رفيعة في النفوس، وأنهم مستعدون لحمايته والدفاع عنه، حتى لو كلف هذا الأمر بذل المهج والأرواح في سبيل ذلك.

2- الاستخدام المفرط للعنف ضد المواطنين الفلسطينيين، فعقب مسيرات الاحتجاج على تلك الزيارة، قام اليهود باستخدام الأسلحة المطاطية، والرّصاص الحي، في مخالفة واضحة، لأبسط القوانين والمعاهدات الدولية، ظنّاً من اليهود أنَّ كثرة القتل، تجلب لهم الرَّاحة والأمن، وتثني المواطن الفلسطيني عن التصدي لممارسات الاحتلال، ممَّا أدى إلى سقوط العشرات من الشهداء والجرحى في اليوم التالي، وهو ما جعل الفلسطينيين يقومون بإشعال الانتفاضة ردّاً على ذلك.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الانتفاضة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

    شاهد أيضاً

    200 ألف رافض لتطبيع الإمارات والبحرين يوقعون “ميثاق فلسطين”

    أعلنت رابطة إماراتية، اليوم الثلاثاء، أن عدد الموقعين على وثيقة بعنوان "ميثاق فلسطين" تجاوز 200 …