ربانية التَّعليم والدِّراسة

الرئيسية » بصائر تربوية » ربانية التَّعليم والدِّراسة
alt
ممَّا لا شك أنَّ العرب الذين بُعث فيهم خاتم الأنبياء والمرسلين لم يكونوا أمة أميَّة كما شاع بين النَّاس، بل كانت الكتابة والقراءة منتشرة فيهم على نحو متفاوت، وكانت اللغة العربية هي اللغة الأم التي تفرَّعت عنها لغات كثيرة، وهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، ولبيان فضيلة العلم بما يشمله من قراءة وكتابة وتعليم وتدريس، وأنَّ رسالة الإسلام قائمة على العلم في كلِّ تشريعاته وأحكامه كان  أوَّل ما نزل من القرآن الكريم على النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}. (العلق: 1)، كما ذكر أكثر المفسرين.إنَّ من علَّم ودرَّس العلم ولم يعمل به، فليس من الله في شيء، وأنَّ السبب بينه وبين ربه منقطع حيث لم يثبت النسبة إليه إلاَّ للمتمسكين بطاعته
فالعقيدة الإسلامية وتوحيد الله سبحانه وتعالى مبنيٌّ على العلم والمعرفة، قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} . (محمّد :19).والعلماء هم أشدّ النَّاس خشية لله عزّ وجل، قال سبحانه : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. (فاطر:28). وفي سباق هذه الآية الكريمة معانٍ ومعالم واضحة تدلّل على تنوّع العلم الذي يقود إلى خشية الله سبحانه، قال الله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}. (فاطر: 27- 28). ففيها علم الأحياء، وعلما الفيزياء والكيمياء، وعلم الجيولوجيا، وعلم الجغرافيا، وعلم الاجتماع، وغيرها من العلوم التي استنبطها العلماء من هذه الآية.

والخوف من الله طريقه العلم، والتقوى سبيلها العلم، والإيمان الصّادق دليله العلم، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. (البقرة: 282).
الربانية هي قوّة التمسك بالإيمان وطاعة الله سبحانه، وهي المسبّبة للعلم والدراسة، فكل من يسعى إلى غير هذا السبيل يخيب سعيه، وإن جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم، كمن غرس شجرة حسناء تعجبه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها
ولتحقيق رسالة الإسلام في نشر العلم كانت المساجد ودور العلم والمدارس والجامعات والمعاهد عبر التاريخ الإسلامي شاهدة على الحضارة النَّاصعة التي أسسّها سلفنا الصَّالح تربية وتعليماً، تزكية وتدريساً، حيث لا تنفصم دروس العلم والمعرفة عن مبادئ التوحيد والشريعة والأخلاق والتزكية، فالعلوم والمعارف كلها مهما كانت أصلها وموضوعها ومباحثها تتصل بهذا الخالق سبحانه وتعالى، لذلك كان  المعلّمون والمتعلّمون، والمدرسون والدارسون هم أولى النَّاس بربط ما يدرّسونه وما يتعلمونه بهذا المبدأ الأصيل، إنَّه الرَّبانية.

قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}. (آل عمران : 179).

يقول الإمام القرطبي في تفسيره : (فمعنى الرّباني العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه ؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة: وقال أبو رزين: الرباني هو العالم الحكيم. وروى شعبة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} قال : حكماء علماء. ابن جبير: حكماء أتقياء، والرباني الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة؛ مأخوذ من قول العرب : رَبّ أمرَ الناس يَرُبّه إذا أصلحه وقام به، فهو راب ورباني على التكثير. قال أبو عبيدة: سمعت عالما يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمَّة وما كان وما يكون. وقال محمَّد بن الحنفية يوم ماتَ ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمَّة).

وقوله تعالى:{ تُعَلِّمُونَ} قال مكي بن أبي طالب : (التشديد أبلغ، لأنَّ كلَّ معلّم عالم بمعنى يعلم، وليس كل من عَلِمَ شيئا مُعَلِّما، فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف إنَّما يدل على العلم فقط ، فالتعليم أبلغ وأمدح).

وقوله { تَدْرُسُونَ} ولم يقل "تُدَرّسون" بالتشديد من التدريس، قال الإمام الزمخشري : (وفيه أنَّ من علَّم ودرَّس العلم ولم يعمل به، فليس من الله في شيء، وأنَّ السبب بينه وبين ربه منقطع حيث لم يثبت النسبة إليه إلاَّ للمتمسكين بطاعته).

إنَّ المدرسين والمتعلّمين على حدٍّ سواء، في عالمنا اليوم، ونحن على أبواب سنة دراسية جديدة مطالبون بتجديد النيَّة الصَّادقة في تحقيق ربانية التعليم والتدريس، فالربانية هي قوّة التمسك بالإيمان وطاعة الله سبحانه، وهي المسبّبة للعلم والدراسة، فكل من يسعى إلى غير هذا السبيل يخيب سعيه، وإن جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم، كمن غرس شجرة حسناء تعجبه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

نحن والمِحَن… فوائد نحصدها

إن مَهَمَّة بث الأمل ليست باليسيرة -خصوصاً في أوقاتنا التي نحياها- والأوضاع والأحوال التي نحياها …