إلى المتسـلّقين .. احترس الدَّعوة ترجع إلى الخلف

الرئيسية » بصائر تربوية » إلى المتسـلّقين .. احترس الدَّعوة ترجع إلى الخلف
alt

عندما صنَّف مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، الإمام "حسن البنا" رحمه الله الناس وموقفهم من الحركة الإسلامية كان من بينهم " المنتفع أو المتسلق"، وقال عنه: إنَّه ينتمي ويتقرّب للحركة لأنَّ له بها منفعة، وطالما انتفت تلك المنتفعة ذهب.

ومن الطبيعي في عصرنا الحالي، أن تعاني الحركات الإسلامية من هذه الآفة الخطيرة وهي "المنافقين والمتسلقين"، والتي تنتشر عادة في صفوف الحركات التي لا تعاني من تضييق السلطة، أو تلك التي تصل إلى الحكم، فتتغلغل وتسري في جسدها، وتضعفها، وتبعد الناس عنها .

وقد حذّرت كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من هذا المرض، ودعت إلى ضرورة القضاء عليه والتخلص منه.

وأكّد دعاة وعلماء دين أنّ ظاهرة "المتسلقين" موجودة منذ عصر النبوة، وليست مقتصرة على الحركات الإسلامية المعاصرة، وهي ما تعرف بـ"النفاق"؛ حيث يتظاهر أناس باعتناق فكرة ليستفيدوا من منافعها الدنيوية والمادية من دون أن يؤمنوا بها حقيقةً، ودون أن يكونوا على استعداد للتضحية من أجلها.
وشدَّد هؤلاء العلماء الذين استطلع "بصائـر" آراءهم على ضرورة تنقية الحركات والأحزاب الإسلامية من هؤلاء وتحذير الناس منهم، حتى لا يفر الناس منها، وتحدث بلبلة في المجتمع تؤدِّي إلى التشكيك في القناعات، وتقع خصومات داخل البنيان المرصوص.

في قلوبهم مرض

واعتبر الدكتور العلامة يونس الأسطل رئيس دائرة الإفتاء في رابطة علماء فلسطين أنَّ ظاهرة المتسلقين قديمة جديدة وهي ما تعرف بـ"ظاهرة النفاق"؛ حيث يتظاهر أناس باعتناق فكرة ليستفيدوا من منافعها الدنيوية والمادية من دون أن يؤمنوا بها حقيقة ودون أن يكونوا على استعداد للتضحية من أجلها.

وبيَّن أنَّ هذه الظواهر تطفو على السطح في مراحل القوة والتمكين لا في مراحل الاستضعاف، لأنَّ مرحلة الاستضعاف تكون فيها الشعوب والجماعات معرضة للاضطهاد فهي مراحل مغارم.

وتابع: "أمَّا مراحل التمكين ففيها احتماء وقوة والحصول على بعض الوظائف والتسهيلات أو غيرها، وقد سمّى القرآن المنافقين مرضى القلوب في مثل قوله تعالى " فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ".

وأشار الدّكتور الأسطل إلى أنَّه في عصر النبيّ الذي يوحى إليه هو صاحب الفراسة كان يعُجّ بهؤلاء فكيف ستكون العهود المتأخرة، موضحاً: " أنَّ  ظاهرة النفاق لا تخلو منها المجتمعات والجماعات في أيّ عصرٍ من العصور سواء الحالية أو القديمة.. وقد يستطيعون اكتشاف تلك العناصر المريضة، وقد لا يستطيعون لقدرة هؤلاء المنفقين على الدّهاء الكبير".
الظواهر تطفو على السطح في مراحل القوة والتمكين لا في مراحل الاستضعاف، لأنَّ مرحلة الاستضعاف تكون فيها الشعوب والجماعات معرضة للاضطهاد فهي مراحل مغارم.
وبيّن أنَّ هذه الظاهرة لا يمكن التعافي منها بالكلية، وإن كان الواجب يقتضي الحذر والانتباه حتّى لا ننخدع بالخب من الناس، لما لذلك أثار سلبية على الدعوات والأحزاب؛ ومنها إحداث بلبلة داخل الحركة والمجتمع تؤدي إلى التشكيك في القناعات وإلى خصومات داخل البنيان المرصوص.

ومضى يقول: "فضلاً عن الاستعداد الذاتي لتلك العناصر أن تتحوّل عيون للأعداء كما قال سبحانه وتعالى عنهم يوم الأحزاب: "ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا".

إمَّا الهروب أو السّقوط

وبيّن الدكتور الأسطل أنَّ هؤلاء الفئة من المنافقين لا يستطيعون إخفاء نفوسهم طويلاً وتنكشف من خلال زلات اللسان وتفلتات الجوارح، إذا كان هناك تشديد على الالتزام بأحكام الإسلام وبالتراتيب الإدارية في الحركات والجماعات.

وأضاف: "إذا كان مطلوباً منهم حضور صلاة الجماعة وصلاة الفجر وقيام النوافل وبعض الأذكار والتسابيح فضلاً عن المساهمات المالية مع ضبط اللسان واستقامة السلوك، والالتزام بالمواعيد والتكاليف.. كل ذلك لا يطيقه المنافقون لقوله تعالى عن الصلاة مثلاً: " إنها لكبيرة إلا على الخاشعين" أي أنها ثقيلة إلا على المخلصين".

وشدّد على أنّه إذا كانت قيادة الحركات والأحزاب صارمة في المتابعة والمحاسبة وملأ الفراغ في التكاليف فإن المنافقين لا يستطيعون الصمود طويلاً؛ فإمّا تساقطوا وهربوا، وإمّا تمَّ اكتشافهم في وقت مبكر قبل أن يتسللوا إلى المواقع الإدارية، وبذلك يمكن تنقية الصفوف منهم أول بأول قبل أن يترقوا درجات المسؤولين، وأيّ إهمال بذلك سيؤدي غالبا إلى اختراقات قي تصل إلى المواقع القيادية العليا.

متسـلق= منافـق

فيما يصف الدكتور صادق قنديل المحاضر في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية في غزة المتسلقين بـ"المنافقين" الذين يظهرون ما لا يبطنون وهم مقسمون إلى أربعة أنواع "النفاق الاعتقادي، والنفاق الاجتماعي، والنفاق السلوكي،والتلوّن".

ومضى يقول: "النوع الأوّل هو النفاق الإعتقادي ويُطلق عليه الكفر والشرك لأن به خروج عن الملة، حيث يظهر الإيمان ويبطن الكفر... وإذا مات صاحبه وهو مصر عليه مات على الكفر فقد قال الله تعالى: "إنَّ المُنفِقين في الدَّرْكِ الأسفَلِ مِنَ النَّار" ".

وأوضح أنه من أبرز صفات المنافقين إعتقادياً أنهم يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، ويسخرون من المؤمنين، وينصرون الكفار على المسلمين ، ويريدون بأعمالهم الصالحة عَرَضاً من الدنيا.

أمَّا عن النوع الثاني هو النفاق الاجتماعي وصفاته الكذب؛ فقد قال الرسول عليه الصَّلاة والسلام: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".. فهو يكذب في كلامه متعمداً ومن يسمع كلامه يصدقه فيعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب".

وبيّن أنَّ النوع الثّالث هو النفاق السلوكي وهو ما يندرج تحت قول الرسول عليه الصَّلاة السَّلام إذا حدث كذب وإذا خاصَمَ فجر، فهو عند الخصومة يكذب ويشهّر بمساوئ صاحبه ويفشي أسراره، ويبذله جهده بأن يعدل عن الحق إلى الباطل متعمداً ، فيدّعي ويحتج بالباطل والكذب ليأخذ ما لايجوز له.

وأشار وجود نوع رابع من أنواع النفاق تحدّث عنه ابن القيم الجوزية وهو "التلوّن"؛ هو ما يندرج تحت صنف المصلحة والتسلق، بحيث يمدح المنافق المسؤول بما ليس عنده وله ليصل إليه ويتقرب منه ويصبح من حاشيته، مشدداً على أنه هذا النوع من أخطر الأنواع وشرهم مستطيراً، حيث يخفون كفرهم وضلالهم، ويتظاهرون بالإيمان والاهتداء.

الفضـح والتعتيـم

وعن الأسباب التي تدفع الشخص إلى التسلق داخل حركته أو حزبه، قال الدكتور قنديل: " المتسلق هو إنسان فشل في استخدام جهده وذكائه وخبرته في العمل ليصل إلى المستوى والوظيفي أو الحركي الذي يريده.. ولم يتمكن من التقدم ضمن المعاير الوظيفية المسموح بها في العمل فيلجأ إلى التسلق من خلال استعطاف المسؤول الذي هو أعلى منه من خلال مدحه في المجالس والتقرب منه بالكلام المعسول".

ونوه إلى أن المتسلق يتمتع بمهارات خاصة في فن الوصول إلى من يشغلون الدرجة الأعلى في السلّم الوظيفي ورؤسائه ومدرائه، ولديه مهارة في فن إدارة المعلومات وفرزها بطريقة ذكية، ولا يتوانى عن استخدام مكره وخبثه في الوصول لمفاتيح الشخصيات المستهدف ونقاط ضعفهم.

وحول كيفية تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع المنافقين والمتسلقين قال: " تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع هذه القضية بطريقتين الأولى وهي الفضح واستخدمها مع المنافقين ذوي النفاق الاعتقادي وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر كقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره)، كما كان الرّسول عليه الصَّلاة والسَّلام يحذِّر منهم المؤمنين ويذكرهم بالاسم كعبد الله بن سلول".
" المتسلق هو إنسان فشل في استخدام جهده وذكائه وخبرته في العمل ليصل إلى المستوى والوظيفي أو الحركي الذي يريده.. ولم يتمكن من التقدم ضمن المعاير الوظيفية المسموح بها في العمل فيلجأ إلى التسلق من خلال استعطاف المسؤول الذي هو أعلى منه من خلال مدحه في المجالس والتقرب منه بالكلام المعسول".

وشدَّد قنديل على أنَّه من الواجب على أيّ مسؤول في الحركات والأحزاب وحتّى أي مسلم أن يفضح هؤلاء المنافقين ويكشفهم للناس ليحذروا منهم ولا يتعاملوا معهم.

وتابع: "أمَّا الطريقة الثانية التي كان يستخدمها الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام هي التعميم واستخدمها مع المنافقين ذوي النفاق السلوكي أو مصلحة الذين بهم سمات المنافقين كالكذب والخيانة ونقل الأخبار للعدو فكان يقول بهم الرسول صلَّى الله عليه وسلّم "ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا" وهذا دليل على أنه كان على دراية بخفايا نفوس أصحابه ومن حوله من بطانة".

واستدرك: " حتى أنَّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أعطى أسماء هؤلاء المنافقين لحذيفة بن اليمان وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: (ناشدتك الله، هل سماني رسول الله مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً) ".

ظاهرة منتشرة

وإن كان عصر النبوة قد حفل بهؤلاء المتسلقين والمنافقين، فكيف بالعصر الحالي الذي يعاني كذلك من هذه الظاهرة حسب تأكيدات الدكتور قنديل.

ويضيف شارحاً: " مثل هؤلاء الأشخاص موجودون في الحركات الإسلامية المعاصرة، فبعض الأشخاص في البيئة التنظيمية للأحزاب يجدون الكذب والنفاق والخداع والثرثرة ولا يعرفون معنى التضحية والتفاني والإيثار".
وأكَّد أنَّ أيَّ متسلق لا تخلو منه صفات الثرثرة والكذب ونقل الأخبار وحتى لو لم تكن صادقة، مضيفاً: " من عوامل هدم أي مؤسسة تنظيمية وحركية تتمتع بقاعدة شعبية هو إفشاء أسرارها وتحركاتها، فالعمل الحركي يستوجب السرية وإذا أصيب أحد بالثرثرة ستكون هناك مضرة كبيرة للمؤسسة والتنظيم ويصبح كل عملها مكشوفاً لكل الناس".

وعن البيئة التي يتكاثر بها مثل هؤلاء الأشخاص، ونوعية المسؤولين الذين يفضلون أن يتقربوا إليهم، شدد على أن المسئول الدكتاتوري وأحادي الشخصية سيكون بيئة خصبة للمتسلقين، وسيكبرون من خلاله ويتمتعون بصلاحيات كبيرة.. فهذا سيتملقه بالكلام المعسول وذاك سينظم له قصيدة ..إلى أن يحصلوا على مبتغاهم من خلال حبّه لنفسه وشخصيته الأحادية.

وأوضح: " المسؤول إذا كان منصفاً وعادلا فلن يسمح بوجود هؤلاء المتسلقين من ضمن حاشيته وأفراد تنظيمه، فهو لن يقبل مدحه بما ليس فيه.. وسيتعامل مع كل أفراد التنظيم الموجود بها على قاعدة العدالة والإنصاف، وسيضع مخافة الله أمان ناظره، وسيكون العدل أساس عمله، ولن يفرّق بين هذا أو ذاك وسيطبق الآية الكريمة: (لا يجرمنكم شنآن قومِ على ألا تعدلوا) ".

وأشار إلى أنَّ عمر بن الخطاب كان يقول لأصحابه: "إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني"، وعمر بن عبد العزيز كانت حاشيته هي مجموعة من العلماء والحكماء.

كغثاء السيل

ويحذّر الدكتور قنديل من السّماح للمتسلقين الوصول إلى المناصب العليا ويصبحوا أصحاب قرار في الحركة أو التنظيم، فوجودهم على سدة القرار سيؤدّي إلى انهيار الحركة وامتلائها بالفساد والعفن، وستعمل بغير ما قامت لأجله ونادت به، وستعتمد سياسة المصلحة وتغلب مصلحتها الشخصية على المصلحة العليا-حسب قوله.

وعن الوسائل التي يمكن من خلالها تنقية الحركات الإسلامية من المتسلقين وخصوصاً الصفوف الأولى، أكّد الدكتور قنديل أنّه من خلال التربية الجيدة لعناصر الحركات وإعدادهم بأمانة وإخلاص لما هو قادم يمكننا أن ننشئ جيل يخلو من التسلق، أمّا المتسلقون الموجودون حالياً، فيجب استئصالهم وعدم السماح لهم بالتوغل أكثر.

وشدَّد على أنَّ التنظيمات والحركات الإسلامية يجب أن تبتعد وتحذر من التباهي من كثرة عدد قاعدتها الجماهيرية وعناصرها، فالعبرة ليست بالكم بل بالكيف.

واستشهد بقول عمر بن الخطاب عندما قال لأصحابه: " تمنوا "فتمنى أحدهم أن يعطيه عدد كبير من الإبل وآخر عدد كبير من الأبناء ليجاهد بهم، فقال عمر: ولكني أتمنى رجال مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله"، فلم ينظر عمر بن الخطاب إلى كثرة العدد بل إلى الكيف.
التنظيمات والحركات الإسلامية يجب أن تبتعد وتحذر من التباهي من كثرة عدد قاعدتها الجماهيرية وعناصرها، فالعبرة ليست بالكم بل بالكيف.
وتابع: "وعندما قال الرسول عليه السلام تناكحوا تكاثروا فانّي أباهى بكم الأمم يوم القيامة لم يكن المقصود كثرة العدد ولكن نوعية هؤلاء المسلمون إذا كنا مؤمنين صادقين أقوياء متعلمين.. أما إذا كنا جهلة متخلفين كسالى محبطين، فنحن لا نستحق أن يكاثر بنا الأمم، لأننا كالأصفار التي لا قيمة لها"

واستدرك: "وأيضاً قال الرسول صلَّى الله عليه وسلّم : "غثاء كغثاء السيل" أوضح أن العدد لا قيمة له لأنه بفقد الكيف والنوعية الطيبة.. فحال الأمة اليوم عددها كبير فماذا نفع المسلمين الآن عددهم الذي يقارب مليار مسلم ونصف؟ أين مكانهم في العالم؟ أين صوتهم؟ أين صناعاتهم؟ أين إبداعهم؟ أين اختراعاتهم؟ وأين اكتشافاتهم؟ شيء قليل لا يكاد يذكر".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الدراما التركية وبعض آثارها التربوية السيئة على الأبناء (2/2)

في المقال السابق تحدثنا عن عدد من الآثار السلبية لبعض ما تعرضه المسلسلات التركية على …