“غلاظ القلب .. “دعاة يفرقون ولا يجمعون

الرئيسية » بصائر تربوية » “غلاظ القلب .. “دعاة يفرقون ولا يجمعون
alt

على غير عادته، رجع أخي (13 عاماً) من محاضرةٍ دينية كان يستمع إليها في المسجد القريب متذمّراً عابسَ الوجه، وعندما سألته عن أسباب هذا التغيّر، قال: "بينما صار نقاشٌ بين المستمعين حول موضوع المحاضرة، حدثت جلبة قويّة في القاعة..".

ومضى يقول: "انزعج الدَّاعية المحاضر، وما كان منه إلاَّ أن نهر الحاضرين بقولٍ أزعجنا جميعاً حين صرخ: "إن لم تصمتوا الآن، فسأدعو الله عليكم أن يمسخكم قروداً أمام عيني، ولعلَّ باب السَّماء يكون مفتوحاً في هذا الوقت"!!

أخي الذي بدا مصمّماً على عدم حضور ندوات دينية بعد ذلك، تابع بنبرة المقهور متسائلاً: "ألا يستطيع أن يزجرنا عن افتعال الضّوضاء بلفظ الخير؟.. أو أن يدعو لنا بالهداية؟، أو حتى أن يطالبنا بالصَّمت بأسلوبٍ لبق؟".. لكنني تداركت الموقف حين ضربت له مثلاً أصابع اليد الواحدة، وأنَّ الدعاة إلى الله ليسوا واحداً.. بل كلّ منهم له أسلوبه الذي قد يصيب وقد يخيب..

بمحض الصّدفة اكتشفت أنَّ دعاةً ليسوا بقلائل كانوا مثل ذاك الذي أعطى أخي المحاضرة: "غليظي القلب" لا يملكون ولو يسيراً من أسلوب سيّد الخلق محمّد صلّى الله عليه وسلّم في الدَّعوة إلى الله، فهناك من القصص الكثير.

أنا أحقُّ برؤيته..

حدثتني صديقتي قالت :"كنت في بدايات عهدي بزيارة المساجد، حينما رأيت يوماً مناماً أسعد قلبي.. رأيته صلّى الله عليه وسلّم يوقظني من نومي كي أصلي الفجر، وأمّ بي، فصحوت وقد ارتسمت على وجهي ابتسامةً لن أنساها أبداً"..

في ظل فرحتها العارمة –تكمل صديقتي القصة- هرولت إلى حيث أستاذتها الدَّاعية في المسجد الذي بدأت فيه قبل شهر تقريباً حفظ القرآن الكريم، وقصّت عليها رؤياها، فتغيّر لون وجهها إلى الأصفر.

وصرخت فيها: "إنّه محض هراء.. أنا حافظة للقرآن الكريم، وأصلّي معظم الصلوات في المسجد وأعلّم الفتيات أمور الدّين والدنيا، ولم أره قط.. فكيف ترينه أنتِ يا ابنة أمس؟!".

تكمل صديقتي: "حينها شعرت أنَّ شيئاً انكسر في روحي، ولم أرغب أبداً في إتمام تعاملي مع تلك الدَّاعية التي لم تعرف أن الله سبحانه وتعالى أدخل رجلاً –لم يكن ذا دين- الجنة في كلبٍ سقاه"..

تقويم الخطأ بخطأ!

وقال محمد أبو كويك (16عاماً): "بعد أن صلينا العصر في الجامع القريب من منزلنا، حضر داعية كي يقدّم ندوةً حول الأخلاقِ وآداب التعامل مع الآخرين وما كان فيها شائبة.. استمتعنا بمحاضرته، وتعلّمنا منها دروساً قيّمة على رأسها كيف نردع من يفعل الخطأ بالمعروف والحديث الطيّب الذي يساعد في تحبيب المستمع بدين الله سبحانه وتعالى ويرغب في عمل الخير".

وأضاف: "ولكن بعد خروجنا من المسجد، وعلى بعد عدّة خطوات منه، أدهشنا الشيخ الدَّاعية يمسك بطفلٍ لا يتجاوز عمره (5 سنوات) وقد أوسعه ضرباً، وبدأ بشتم والده الذي ربَّاه، وعندما تساءلنا عن السبب أجابنا لاهثاً: "لقد مسّ الذّات الإلهية بكلامٍ قذر والعياذ بالله"!!..

يتابع: "رغم عظيم خطأ الطفل، ليست هذه هي الوسيلة الصَّحيحة لتقويم سلوكه، وعندما تذكرنا محاضرته التي انتهى منها قبل قليل أدركنا أنَّ بعض الدُّعاة لا يعملون بما يقولونه، بل على العكس.. ربَّما يبعدون الناس أميالاً عن الهدف الذي يسعون إليه، وهو التقريب بينهم وبين الإسلام".

فيما تحدَّث عبد الرَّحمن الصفطاوي (20 عاماً) عن داعيةٍ في منطقته، لا يفتأ يحكي مواصفات المؤمن في ندواته ومحاضراته، ويحث على برّ الوالدين على وجه التحديد، فيما الكل يعرف أنَّه مقاطعٌ أهله لمشاكل شخصية بينهم.

يسر ولا تعسّر

د. شكري الطويل عميد كلية الدَّعوة والدراسات الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف في غزة، علّق على هذه القصص بقوله تعالى: {ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، موضحاَ أنَّ من أهم صفات الدَّاعية إلى الإسلام الرفق واللين في المعاملة، معقباً: "فالإنسان دوماً يستجيب لمن هو رحيم في كلامه، حكيم في أسلوبه ومعاملته".

وقال: "إنَّ على الدَّاعية استقبال أسئلة الناس واستفساراتهم بالحلم وسعة الصَّبر، وأن يستفسر من السائل عن كلِّ صغير لم يفهمه، لأنَّ فهم السّؤال جزءٌ من الإجابة"، مكملاً :"على الدَّاعية أن يكون أميناً على أخبار النَّاس وأعراضهم ويبتغي من عمله وجه الله تعالى لا غير".

وأوضح د.الطويل أنَّ استخدام أسلوب التنفير في الدَّعوة مرفوضٌ شرعاً، مستشهداً بوصية الرَّسول صلَّى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبو موسى عندما أرسلهما إلى اليمن، فقال لهما: "يسّرا ولا تعسرا، بشّرا ولا تنفّرا"، زائداً على ذلك: "ومن هذه الوصية نستشفّ أنَّ على الداعية استخدام أسلوب الترغيب لا التنفير، فالدَّاعية الذي ينفّر يفسد أكثر ممَّا يصلح".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الشغف.. عَمار أو دَمار

الشغف هو شعور قويّ قلما يستطيع إنسان السيطرة عليه، هذا الشغف ينتج عن لهفة شديدة، …