“لتعارفوا”.. أسس الحوار في الإسلام ( 1-2 )

الرئيسية » بصائر الفكر » “لتعارفوا”.. أسس الحوار في الإسلام ( 1-2 )
alt

كان من أبرز الإشكاليَّات التي ظهرتْ في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م على مستوى الإعلام الغربيِّ، وحتى على مستوى فهم الغربيِّين للإسلام، هي الإشكاليَّة الخاصَّة بموقف الإسلام من الآخر، وكيفيَّة تعامُل الإسلام والمسلم مع العقائد والدِّيانات الأخرى، ومع الآخر غير المسلم، وكيف يتم التَّفاعُل بين الجانبَيْن، على مختلف المستويات، بما في ذلك الإطار الحضاريِّ العام للتَّفاعُل.

وحتى بعيدًا عن الجانب السِّياسيِّ الذي تُمثِّله هذه الإشكاليَّة، تُعدُّ قضيَّة العلاقات الإنسانيَّة والاتِّصال بين الجماعات البشريَّة المختلفة، بمثابة إحدى أهمِّ النَّواميس أو القوانين التي وضعها الله سبحانه وتعالى في كَوْنِهِ؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

وفي هذه الآية، حدَّد ربُّ العزَّة سبحانه وتعالى الإطار العام الذي يجب أنْ يحكُمَ العلاقات فيما بين الجماعات البشريَّة المختلفة، على تباين واختلاف ألوانها وألسنتها، وأيضًا دينها، وأوضح في هذه الآية الكريمة أنَّ التعارف والتَّكامُل والتَّعاوُن هو الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الإنسانيَّة بمختلف أشكالها؛ علاقة الفرد بالفرد وعلاقة الفرد بالجماعة وعلاقة الجماعة بالفرد، وكذلك العلاقة بين الجماعات البشريَّة والأمم المختلفة.
الحوار أسس الإيمان ..
وكمبدأ عامٍ، فإنَّه يمكن القول إنَّ الحوار الإيجابيِّ القائم على أساس ِالاحترام المُتبادَلِ، هو أحد أُسُسِ الإيمان وشُعَبِه، التي قال عنها الرَّسول الكريم مُحمَّدٌ "صلَّى الله عليه وسلَّم" إنَّها بضعٌ وسبعون شعبةٌ، باعتبار أنَّ الاحترام وأخلاقيَّات الحوار، جزءٌ من مكارم الأخلاق التي بعث النبيُّ "صلَّى الله عليه وسلَّم" لإتمامها.. يقول عليه الصَّلاة والسَّلام: "إنَّما بعثتُ لأتمِّمَ مكارِمَ الأخلاق" [رواه مالك].

ويعدُّ الحوار هو أعلى مظاهر العلاقة ما بين طرفَيْن، وأكثر وسائل التَّفاعُل ما بينهما فاعليَّةٍ؛ حيث هو الوسيلة الأكثر فاعليَّةٍ لكي يؤثِّر أحد الطرفَيْن في الآخر، ولذلك جاءت الكثير من الآيات القرآنيَّة الكريمة، سواءٌ تلك التي تحمل أحكامًا أو تروي واقعةً ما في التاريخ الإنسانيِّ وتاريخ الأنبياء والمُرسلين؛ لأخد العبرة والعظة منها، في صورة حوارٍ.

ويقول الباحث المغربيُّ الدُّكتور محمد السِّلوانيُّ في كتابه "فقه الحوار الإسلاميِّ والواقع المعاصر": إنَّ الحوار كان مركزَ كل الموضوعات والقضايا في الإسلام، وتطرَّق لجميع القضايا بتنوُّعها، وإنَّه دار بين الله عز وجلَّ وخيار الخلق مثل الملائكة والأنبياء والمُرسلين، وبين الخالق سبحانه وأسوأ الخلق، وهو إبليس الرَّجيم؛ ليُظْهِرَ أنَّه لا حاجز ولا عائق في الحوار يحول دون وقوعه.

وفي هذا الإطار، تُحاول هذه الورقة مُناقشة أسس وقواعد الحوار في الإسلام وموقف الإسلام من الآخر وكيف يتعامل معه، مع الرَّد على بعض الشُّبُهات الباطلة التي خرج علينا بها الإعلام الغربيُّ والصهيونيُّ في السَّنوات الأخيرة.

ماهيَّة الحوار

أولاً، الحوار في الاصطلاح هو عمليَّةُ اتصالٍ لفظيٍّ أو تفاعلٌ عن طريق الكلام ما بين طرفَيْن في أسلوبٍ لا يقصدُ به الخصومة؛ لتحقيق عددٍ من الأهداف، من بينها النِّقاش حول فكرةٍ بعينها، أو إدارة خلافٍ في وجهات النَّظر، أو التَّكامُل وتبادُل الخبرات.

وهذا التَّعريف مستخلصٌ من تعريفاتٍ وضعها عددٌ من علماء الدِّين واللُّغة والأكاديميين العرب، ومن بينهم العلامة الدُّكتور عبد العزيز الخيَّاط، والعلامةُ الشِّيعيُّ الدُّكتور محمد حسين فضل الله، وكليهما من دُعاة التقريب ما بين المذاهب الإسلاميَّة؛ حيث قالا: إنَّ الحوار هو عبارة عن عمليَّة إدارة الفكرة بين طرفَيْن مختلفَيْن أو أطرافٍ مُتنازعةٍ عن طريق الأخذ والرَّدِّ في الكلام وطرح الحُجَّة والرَّدِّ عليها وبيان الرَّأي والرَّأي الآخر في هذا المقام، بعيدًا عن فكرة الخصومة.

وفي السِّياق، فإنَّ للحوار فوائدَ عدَّةٌ، فهو يؤدِّي إلى تحسين مستوى العلاقات الإنسانيَّة، وتفريغ الخلافات في أطرٍ لا تعرف العنف، وتُساعد على تحسين مستوى أفكار الإنسان وتنويعها، عن طريق رفدها بالعديد من الرَّوافد الأخرى الجديدة الوافدة من الطَّرف الآخر الذي يُحاوره، بل إنَّ الكثيرين من علماء الاجتماع يعدّون الحوار الأداة الرَّئيسة التي تُدارُ من خلالها العلاقات الإنسانيَّة والتَّفاعُلات البشريَّة، من أبسط مستوىً ما بين شخصَيْن في حياتهما اليوميَّة، وحتى أعقد المستويات في العلاقات ما بين الأمم.

والحوار في الإسلام، كما سبق القول، لا يشترط أنْ يكون ما بين اثنَيْن أو أكثر من المسلمين أو المؤمنين، بل يتعدَّاه إلى أن يكون الحوار ما بين مسلمين وغير مسلمين، فالقرآن الكريم يقول لنا إنَّ الله تعالى حاجج إبليس الَّلعين وتناقش معه، كما أنَّ كلَّ الأنبياء أبلغوا دعوة الله تعالى إلى أقوامهم وكُبراءهم عن طريق الحوار.

ولعلَّ أبرز المحاورات التي أنبأنا بها القرآن الكريم بين نبيٍّ وبين رموز وأئمة الكُفرِ في قومه، هي محاورة نبي الله موسى (عليه السَّلام) مع فرعون، والتي حاول فيها موسى أنْ يُقنع فرعون بالإيمان بالله تعالى، وشرح له فيها نبيُّ الله (عليه السَّلام) صفات الخالق عزَّ وجلَّ وقدراته وغير ذلك من التفاصيل التي ذكرها لنا القرآن الكريم كاملةً.

كما أنَّ مجالات الحوار عديدةٌ ولا تقتصر على جانبٍ دون آخرَ في حياة الإنسان، فالحوار قائمٌ وواجبٌ في كل مجالات الحياة الإنسانيَّة، فهو واردٌ في الدَّعوة إلى الله، كما فعل كلُّ أنبياء الله تعالى ورسله الكرام، وفي السِّياسة بين الدِّول وبين الحاكم والرَّعيَّة.

كما أنَّه واردٌ في الحياة الاجتماعيَّة للإنسان، وفي هذا نموذجٌ مهمٌّ ذكره القرآن الكريم في سورة المجادلة.. قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)﴾؛ حيث جاءت خويلةُ بنت ثعلبةٍ "رضي الله عنها" إلى الرَّسول الكريم مُحمَّدٍ "صلَّى الله عليه وسلَّم" لتشتكي إليه زوجها أوس ابن الصَّامت، الذي كان قد ألقى عليها يمين الظِّهار، وهو حكمٌ كان في الجاهليَّة أنْ يقول الرَّجل لامرأته "أنت عليَّ كظهرِ أمِّي"، فلا تكون له زوجةٌ ولا هي بالمطلَّقة تذهب إلى حال سبيلها، فأنزل الله تعالى هذه الآية تمهيدًا لإنزال الحكم الشَّرعيِّ بتحريم الظِّهار في الإسلام.

كما أنَّ الحوار ليس أمرًا أو فعلاً أحاديَّ الاتجاه، من طرفٍ لآخرَ، بل هو عمليَّةٌ تفاعليَّةٌ تعتمد على تبادُل الكلمات والسَّماع المتبادَل، بل إنَّ ذلك هو شرط اعتبار الحديثِ ما بين طرفَيْن أو أكثر بمثابة حوارٍ؛ حيث إذا ما اقتصر التَّفاعُل والكلمات على طرفٍ دون إمكان الرَّد من جانب الطَّرف المُخاطَبِ، كان أقرب إلى صيغة الأمر أو الإعلام والإنباء فحسب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …