“لتعارفوا”.. أسس العلاقات الإنسانيَّة في الإسلام ( 2-2 )

الرئيسية » بصائر الفكر » “لتعارفوا”.. أسس العلاقات الإنسانيَّة في الإسلام ( 2-2 )
alt

تحدثنا في الحلقة الماضية عن مدى تأثير أحداث 11  سبتمبر 2001  , وكيف فرضت بقوة الحديث عن فهم الغربيِّين للإسلام، وموقف الإسلام من الأخر  , وكيف تكون العلاقة بين طرفين  , كما استعرضنا ماهيَّة الحوار وتعريفه   , ونستعرض في هذه الحلقة الإسلام والآخر ومفهموم التعددية في الإسلام

الإسلام والآخر

حَفل القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة بالعديد من النّصوص التي لا تحتمل التأويل أو سوء الفهم، والتي توضِّح أنَّ أساس العلاقات ما بين المسلم وغير المسلم، وبين دولة الإسلام والأمم غير المسلمة هي الحوار والسِّلم، وأنَّ الخلاف والحرب هو الاستثناء، ويكون ذلك ردًّا لعدوانٍ ودرءًا لتهديدٍ عظيمٍ على الأُمَّة، وليس لأمرٍ آخر، وهو أمرٌ موجودٌ في كلِّ الأديان والعقائد الأخرى، ولم يختصُّ به الإسلام نفسه فحسب؛ حيث يكون استخدام القوَّة في مواجهة البغي والعدوان.

فالحرب في الإسلام ليست هي القاعدة، وإنما هي الاستثناء، فهي، أي الحرب لا تكون سوى إذا بدأ العدو أو عُلِمَ أنَّه ينوي بلا أيَّ مجالٍ للشَّك أنه سوف يعتدي على المسلمين، هنا يجب على المسلمين الجهاد لردّ عدوانه، وتزول الحرب بزوال أسبابها، أي ليست أمرًا لا نهاية له متى بدأت، بل تنتهي متى تمَّ ردع العدو أو ردِّ عدوانه.

وفي القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: الآيتان 8- 9].

ففي هاتَيْن الآيتَيْن الكريمتَيْن وضع الشَّارع الأعظم جلَّ وعلا دستور العلاقات ما بين المسلمين وغير المسلمين بشكلٍ دقيقٍ، فشرط لمحاربة غير المسلم أنْ يكون هذا الأخير قد قاتل المسلمين في دينهم، وسعى لإخراجهم من ديارهم، ولكن في غير هذه الحالات، فإنَّ العلاقات ما بين المسلمين وغير المسلمين يجب أنْ تقوم على برِّ هؤلاء غير المسلمين، ومعاملتهم بقواعد العدل الكاملة التي حدَّدها الله تعالى في شريعته.

ويقول الله تعالى في كتابه العزيز أيضًا آمرًا رسوله الكريم مُحمَّدٍ "صلَّى الله عليه وسلَّم": ﴿قُل تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: الآية 64].

وفي هذه الآيات الكريمة يأمر الله عزَّ وجلَّ المسلمين بأنْ يدعوا أهل الكتاب إلى حوارٍ، واضعًا أُسسه التي تقوم على أساس التَّوصُّل إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينهم، وعلى رأس قواعدها عبادة الله تعالى لا شريك له، كما أنَّه ثمَّة أمرٌ شديد الأهمِّيَّة في الآية الكريمة، وهو ختامها؛ حيث إنَّ المسلم أُمِرَ في حالة رفض الطَّرف الآخر للحوار معه وفق هذه القواعد المتينة التي حدَّدها الله عزَّ وجلَّ، بألا يخرج في ردِّ فعله عن تأكيد إيمانه بالإسلام فحسب، وليس الخروج وراء من رفض المحاوَرة بالسِّلاح.

بل إنَّ الله تعالى يُحرِّم الخروج بالسِّلاح وراء من لم يعادي المسلمين، ففي سورة النِّساء، في الآية "90" يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾.

وفي أهل الكتاب أيضًا قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت: الآية 46].

بل إنَّه حتى عندما وضع الله تعالى أسس ووسائل الدَّعوة إلى دينه، الإسلام، جعل الحوار والإقناع هو الأساس في دعوة غير المسلمين لدخول الإسلام، وليس بأيَّة وسيلةٍ أخرى.. قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ [سورة البقرة: الآية 255]، وقال أيضًا في هذا المعنى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس: الآية 99].

كما أمر الله موسى وهارون، عليهما السَّلام، حين بعثهما إلى فرعون بمخاطبته ودعوته إلى الدُّخول في دين الله بالقول الصَّالح، وبطريقةٍ سهلةٍ طيبةٍ فقال عزَّ وجلَّ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سورة طه: الآية 44].

وتنطلق كلُّ هذه القواعد والأُسس من قاعدةٍ أو أساسٍ أعمُّ وأشمل، وهو أنَّ الإسلام هو دينٌ شاملٌ سواءٌ في أحكامه أو فيمن يخاطبه، وكذلك أنَّ الإسلام دينُ الإنسانيَّة، ويتعامَل مع البشر كما خلقهم الله تعالى، مُتعدِّدون ومختلفون ومتابينون في طبيعتهم وفكرهم وانتماءاتهم في مختلف المجالات، العقائديَّة والسِّياسيَّة والثَّقافيَّة وغيرها.


التَّعدُّديَّة في الإسلام
وترتبط بالقضيَّة التي نحن بصددها هنا، قضيَّةٌ أخرى، وهي قضيَّة التَّعدديَّة في الإسلام وموقف دين الله تعالى منها؛ حيث إنَّه من أبسط شروط وقواعد قيام حوارٍ ناجحٍ هو أنْ يكون طرفا أو أطراف الحوار تعترف ببعضها البعض، أو على الأقل هناك الحدِّ الأدنى من قبول الآخر، وهو ما يدخل في إطاره إيمان الإنسان بالتَّعدُّديَّة التي خلقها الله تعالى في كونه.

وفي هذا الإطار، وعن موقف الإسلام من فكرة تعدُّديَّة الأديان، يقول العلامة الدُّكتور يوسف القرضاوي، في إحدى حلقات برنامج "الشَّريعة والحياة" على قناة "الجزيرة" بتاريخ 17 فبراير 2008م، وكانت بعنوان "التَّعدُّديَّة الدِّينيَّة وقيم التَّسامح الإسلاميِّ"، يقول العلاَّمة القرضاوي: "لقد أقرَّ القرآن الكريم فكرةَ التَّعدُّديَّة الدِّينيَّة، واعتبرها بمشيئة الله عزّ وجل، فالله سبحانه وتعالى هو الذي شاء أنْ يكون البشر على هذه الوتيرة، ومشيئة الله عز وجل لا تنفصل عن حكمته سبحانه وتعالى؛ لأنَّ المشيئة هي مقتضى الحكمة الإلهيَّة".

واستدلَّ بقول الله تعالى في سورة هود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾.

وفي تفسير هذه الآية، قال كثيرٌ من المفسرين: إنَّها تعني أنَّ البشر مُتغايرون ومتعدّدون في الفكر والإرادة، وبالتَّالي فلا بد أنْ تتباين أديانهم وعقائدهم، وهذا من نواميس الخلق الإلهيِّ، كما قالت الآيتان الكريمتان، وهو ما يعني أنَّها حقيقةٌ يجب على الإنسان المسلم التَّعايُش معها.

وأكَّد القرضاوي على "أنَّه ليس معنى التَّعدُّديَّة أنْ أعتقد أنَّ جميع الأديان على حقٍّ، ولكن معنى التَّعدُّديَّة هي الإقرار بحقِّ الآخرين في العيش معي، وأنْ يُجاوروني وأجاورهم والعمل معًا في خدمة البشر، مثل الوقوف ضد تيَّار الإلحاد وتيَّار الإباحيَّة؛ وضد المظالم الاجتماعيَّة؛ وضد العدوان على حقوق الإنسان؛ والوقوف مع الشُّعوب المستضعفة مثل الشعب الفلسطينيِّ"، مشيرًا إلى أنَّه من حقِّ أتباع كل دينٍ أنْ يعتقدوا أنَّ دينهم هو الأفضل، وإلا لماذا بقي الناس على هذا الدِّين إذا لم يعتقدوا أنَّه هو الأفضل [موقع القرضاوي- مقالات]

وبطبيعة الحال، من يقبل بفكرة التَّعدُّديَّة في الأديان، يقبلها في أيِّ أمرٍ آخرَ، باعتبار أنَّ أيِّ أمرٍ آخر هو ما دون العقيدة والدِّين، وبالتَّالي فقد دعا الإسلام ضِمنًا وبكلِّ وضوحٍ إلى قبول الآخر، أيًّا كان اختلافه عنه، في الدِّين، أو في المذهب، أو في الَّلون والِّلسان، وكذلك في الثَّقافة، أو حتى في المبدأ السياسيِّ.

وفي هذا الإطار أيضًا يقول الباحث المغربيِّ محمد السِّلوانيُّ: "إنَّ التَّسليم بأنَّ التَّعدُّديَّة الثَّقافيَّة جزءٌ من نظام الكون، وسُنَّةٌ من السُّنَنِ التي أودعها الله في مجتمعات البشر، والسَّعي للقفز عليها والابتعاد عنها عن طريق استبعاد الآخرين أو تهميش دورهم، إنَّما هو ضد حركة التَّاريخ، وضدَّ السُّنَنِ الثَّابتة في الكون وفي مجتمعات النَّاس".

ونختم بخواتيمِ سورة النَّحل حدد الله تعالى للمسلم الكيفيَّة التي تسير بها علاقاته وحركته في الحياة الدُّنيا، بما في ذلك الكيفيَّة التي يتعامل بها مع غير المسلم الذي يظلمه.. قال عزَّ وجلَّ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التخطيط العلمي ضرورة شرعية وقيمة حضارية

العشوائية والتخبط، ذلك هو عنوان الأداء العربي والإسلامي على مستوى الأنظمة في هذه الحقبة التاريخية …