نحو تأسيس مدرسةٍ جديدة للتَّأريخ لفلسطين ( 1-2 )

الرئيسية » بصائر الفكر » نحو تأسيس مدرسةٍ جديدة للتَّأريخ لفلسطين ( 1-2 )
alt

ماذا تعني كتابة التَّاريخ؟.. هل هي مجرَّد تدوين الحَدث التَّاريخيِّ؟، أم إنَّها إعادة قراءةٍ له؟ , تزداد إلحاحيَّة هذه المسألة فيما يخص فلسطين؛ حيث تتداخل العديد مِن الأمور التي جَعَلَتْ من الصّعوبة بمكانٍ تحديد أين الحقائق وأين الأساطير فيها، خصوصًا لو حاول المسلمون شرح حقيقة الصِّراع وحقوق أصحاب الأرض الأصليِّين أمام الرَّأي العام العالميِّ الذي لا يؤمن بما جاء في القرآن الكريم ويؤمن بما جاء في الكتب السَّماويَّة الأخرى التي حرَّفها أحبار اليهود ورهبان المسيحيَّة الأُوَلُ.

ولا يمكن العودة في هذه الحالة حتى إلى الحدث التَّاريخيِّ؛ فالحدث التَّاريخيِّ القديم والحديث فيما يخصُّ فلسطين مُثْبَتٌ ولا يوجد فيه أي لبسٍ، ولكنَّ الخلاف العميق في شرحه وتفسيره، ولنأخذ نموذجًا مثل نموذج حرب يونيو 1967م، وهو حدثٌ قريبٌ للغاية بُلغة التَّاريخ، ولا يزال معاصروه من صُنَّاع القرار فيه أحياء، وإذا ما قرأت "تطوُّرات الأحداث" في المصادر العبريَّة والغربيَّة وتلك العربيَّة تجد تقريبًا إجماعًا على "ما حدث"؛ حيث لا أحد يستطيع إنكار مجريات الأحداث السِّياسيَّة التي قادت إلى الحرب، ولا مجريات العمليَّات، ولكن مُسببات الحدث وكيفية حدوثه؛ هنا يمكن الخَلل؛ حيث تتداخل في قراءته العوامل الذَّاتية؛ فيرى العرب في الحرب عداونًا إسرائيليًّا، بينما يراها الإسرائيليون دفاعًا عن النفس!

هنا تكمُن أهمِّيَّة إعادة تأسيس عمليَّة كتابة تاريخ فلسطين والمنطقة بأكملها من وجهة نظرٍ إسلاميَّةٍ؛ حيث إنَّ الحياديَّة المُطلقة في كتابة تاريخ الحرب سوف تجعل الحقَّ مع إسرائيل؛ فهذه "دولةٌ" "يتهدَّدُها الفناء"، ومن حقها الدِّفاع عن وجودها.

الرؤية الإسلامية  ..

ولو نظرنا إلى المسألة من وجهة نظرٍ إسلاميَّةٍ؛ فسوف نجد أساسًا أنَّ "إسرائيل"  كيانٌ قام على أنقاض كيانٍ آخر هو فلسطين، وجعلت شعبًا غريبًا يسكن أرض الآخرين مِن أصحابها؛ إذن إفناء إسرائيل ككيانٍ سياسيٍّ قائمٌ أو كدولةٍ، ليس عدوانًا بقدر ما هو ردُّ حقوقٍ لأصحابها، والتَّاريخ يشهد أنَّ المسلمين لم يرتكبوا مجازرَ في أيِّ مكانٍ أو بلدٍ فتحوه، على خلاف باقفي الإمبراطوريَّات الأخرى التي غَزَتْ في تاريخها، وارتكَبَتْ أبشع المذابح خلال غزواتها الاستعماريَّة.
وعد الله لليهود بفلسطين كان مشروطاً وقد أخلوا بالشروط
و عندما نتكلَّم عن وَعْدِ اللهِ لليهود بفلسطين، وهو أمرٌ ثابتٌ في القرآن الكريم، فإنَّنا نجد أنَّ هذا الوعد مشروطٌ، وشرطه هو إيمانهم وصلاحهم وإسلامهم مع أنبيائهم، وهو ما لم يحدث، وعندما لم يحدثُ، وعَصوا نبيَّ اللهِ موسى "عليه السَّلام"؛ كَتَبَ اللهُ عليهم التِّيه في الأرض، كما في سورة المائدة، ولمَّا زاد عتوُّهم وقتلوا أنبياء اللهِ تعالى وحرَّفوا كلامه وارتكبوا ما حرَّمه؛ كتَبَ اللهُ تعالى عليهم التَّشرُّد والعقاب على مدى أكثر مِن ألفَيْ عامٍ.

وهكذا تبرز أهمِّيَّة دراسة تاريخ فلسطين والصِّراع مع اليهود فيها وعليها؛ حيث إنَّ ذلك من شأنه تأسيس اتِّجاهٍ جديدٍ حتى في الرَّدِّ على الأساطير التي يروجها اليهود حول ما يُسمُّونه بحقوقهم الدِّينيَّة والتَّاريخيَّة في فلسطين.

حيث إنَّ المُؤرِّخ المسلم وقتها لن يكون بحاجةٍ إلى دبج دراساتٍ كاملةٍ لتفنيد هذه المزاعم؛ حيث إنَّ اليهود بالفعل سكنوا فلسطين وسادوا فيها بضعة قرون، وكان لهم فيها دولةٌ قويَّةٌ دامت نحو سبعين عامًا، ولكن متى كان ذلك؟.. كان ذلك في عهد مُلْكِ نبيَّيْ اللهِ تعالى داوود وسليمان "عليهما السَّلام"، وقتها كان بنو إسرائيل لا يزالون على عهدهم مع الله، وخروجهم عن عهد اللهِ تجده مكتوبًا عندهم وهم معترفون به، وهو ما تحاول هذه الدِّراسة تقديم بعض معالمه.

القراءة الإسلاميَّة لتاريخ فلسطين:

مُنذ فجر التَّاريخ، كانت فلسطين نقطة اتِّصالٍ حضاريٍّ شديدة الأهمِّيَّة بسبب موقعها الذي يتوسَّط وادي النيل ووادي الفرات وآسيا الصُّغرى، وما جاورها من حضاراتٍ ظهرت في حوض البحر المتوسِّط جنوب أوروبا، كما الحضارة الرومانيَّة واليونانيَّة، فكانت دائمًا نقطة اتِّصالٍ ما بين حضارات العالم القديم الأهمِّ، وتأثَّرت بمختلف المراحل التي مرَّتْ بها هذه الحضارات.

كان أوَّل من سَكَنَ فلسطين هم بعض سُكَّان حوض البحر المُتوسِّط من كريت وغيرها من جزر المُتوسِّط، وسكنوا سواحل فلسطين، ولقد أطلق علماء الأنثروبولوجي على هؤلاء القوم الذين وفدوا إلى فلسطين مُنذ قرونٍ سحيقةٍ، حوالي ما بين عشرة آلاف إلى إحدى عشر ألفًا سنةٍ، اسم البلستيُّون، ومنها أخذت فلسطين اسمها الحالي، ويُقال إنَّ التسمية جاءت مِن جزيرة "فليتسيا" اليونانيَّة، ولم يستقروا فيها طويلاً وذهبوا ولم يذكر التَّاريخ لهم مصيرًا، إلا في بعض الدِّراسات التي أشارت إلى ذوبانهم في وسط الأقوام الأخرى التي وفدت إلى هذا المكان وسكنت واستقرَّتْ فيه.

وأوَّل مَن سَكَن فلسطين الدَّاخليَّة واستقرَّ فيها كان اليبوسيِّين، وهم مِن العرب البائدة الذين قدموا من مناطق في شبه جزيرة العرب، وبجانب اليبوسيِّين الذين بنوا القدس قبل أربعة آلاف عامٍ قبل الميلاد، كانت هناك هجراتٌ عربيَّةٌ أخرى من شرق الأردن وشمال شبه جزيرة العرب ومن لبنان، ومن بين هؤلاء قبائل كنعان والعموريِّين والفينيقيِّين.
كان أوَّل من سَكَنَ فلسطين مِن أنبياءِ اللهِ تعالى هو خليله إبراهيم عليه السَّلام، وكانت فلسطين وقتها تحت حكم الدَّولة الفرعونيَّة في مصر
وكان أوَّل من سَكَنَ فلسطين مِن أنبياءِ اللهِ تعالى هو خليله إبراهيم عليه السَّلام، وكانت فلسطين وقتها تحت حكم الدَّولة الفرعونيَّة في مصر، وسكنها مِن بعده ذُرِّيَّتِه مِن ابنه إسحاق، وكان مِن بينهم يعقوب "عليه السَّلام" أو إسرائيل كما جاء ذِكْرُه في القرآن الكريم، وهو الذي يُنسبُ إليه بنو إسرائيل، وكان هذا في مرحلة مِن القرن التَّاسع عشر قبل الميلاد، وذهب بعد ذلك بنو إسرائيل إلى مصر في قصَّة نبيِّ اللهِ يُوسُف "عليه السَّلام" المعروفة، وظلُّوا فيها حتى بُعِثَ رسولِ اللهِ إلى بني إسرائيل موسى "عليه السَّلام" الذي خرج بهم من مصر فرارًا بدينهم مِن ظُلمِ فرعون وقومه.

وفي القرن الثَّالث عشر قبل الميلاد، دخل بنو إسرائيل هذا البلد من جهة نهر الأردن على يد تلميذ موسى "عليه السَّلام" يوشع بن نون، بعد أنْ حرَّمَ اللهُ عليهم دخول هذه الأرض لمدَّة أربعين سنةٍ لرفضهم الجهاد في سبيل اللهِ تعالى مع موسى لدخول الأرض المباركة بعدما رأوا فيها من مظاهر قوَّة سُكَّانها الكنعانيِّين العرب، واستقرُّوا أوَّلاً في أريحا، ثُمَّ أقام نبيُّ اللهِ داوود "عليه السَّلام" أوَّل وآخر دولةٍ لهم في فلسطين، وكانت عاصمته في القدس الشَّريف، وذلك في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وتلاه مِن بعده ولده ونبيُّ اللهِ سُليمان "عليه السَّلام"، واستمرَّتْ هذه الدولة مُوحَّدةً مدَّة تزيد قليلاً على سبعة عقود.

بعد وفاة سُليمان "عليه السَّلام" انقسَمَتْ دولته إلى مملكتَيْن متناحرتَيْن؛ الأولى في الشمال وتُسمَّى إسرائيل والثَّانية جنوبيَّة وتُسمَّى يهوذا، وهي أساس المشروع الصُّهيونيِّ الحالي، وحلمهم القديم في إحيائها مجدَّدًا؛ حيث كانت تشمل الأماكن المُقدَّسة لديهم، ومن بينها القدس أو "جيروزاليم" والخليل أو "حبرون".

وقد اجتاحت البلاد غزواتٌ عديدةٍ مِن الشَّرق، كان أقواها الغزو البابليّ في القرن السَّادس قبل الميلاد، وهو الحدث الفارق الذي غير تاريخ اليهود؛ حيث أنهى البابليُّون أيَّ وجودٍ سياسيٍّ لليهود في فلسطين حتى الآن، وخربوا هيكل سُليمان، ولم تقم لهم دولةٌ فيها، واستكمال الرّومان استئصال الوجود اليهوديِّ الأنثروبولوجي مِن فلسطين في فترةٍ ما بين القرنَيْن الأوَّل والثَّاني الميلاديَّيْن، بعد تحالفهم مع الفرس أعداء الدَّولة الرُّومانيَّة الذين أعادوا اليهود مِن سبيهم في بابل بعد هزيمتهم للبابليِّين، ودمَّر الرومان هيكل اليهود الثَّاني الذي بنوه على أنقاض هيكل سليمان، وهو في التَّصوُّر الإسلاميِّ المسجد الأقصى المُبارك.

وقبل الرومان كانت فلسطين قد خَضَعَتْ لحكم الإمبراطوريَّة اليونانيَّة خلال مرحلة ظهور الكسندر المقدوني في العام 331 قبل الميلاد، ثُمَّ بعد وفاته، تفكَّكتْ دولته المُترامية الأطراف، وكان مِن نصيب فلسطين الوقوع تحت الحكم الرومانيِّ، وأخذت فلسطين اسمها الحالي رسميًّا في عهد الإمبراطور هادريان الذي اعتنق الدِّيانة المسيحيَّة وأصبحت في عهده ديانة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة رسميًّا.
فتح المسلمون فلسطين في العام 636 ميلاديَّة في عهد أمير المؤمنين عُمر بن الخَطَّاب "رَضِيَ اللهُ عنه"، بعد سلسلةٍ من المعارك
ثُمَّ فتح المسلمون فلسطين في العام 636 ميلاديَّة في عهد أمير المؤمنين عُمر بن الخَطَّاب "رَضِيَ اللهُ عنه"، بعد سلسلةٍ من المعارك، منها معركة أجنادين في العام 634 ميلاديَّةٍ، ومعركة اليرموك في العام 636 ميلاديَّة، وأصبحتْ فلسطين تحت الخلافة الإسلاميَّة ما عدا بيت المقدس وقيساريَّة، والتي تمَّ فتحها لاحقًا في العام 638 ميلاديَّة.

وكانت القبائل التي تسكُن فلسطين في ذلك الحين غالبيَّتُها عربيَّةٌ، ومن بينها لخم وجُذام وقضاعة في الجنوب، وقبائل الغساسنة فى الشَّمال، ولكن في وسط البلاد كانت تسكُن قبائلَ مِن أصولٍ آراميَّةٍ ونصارى ويهود.

وظلَّتْ فلسطين مُنذُ ذلك الحين تحت السِّيادة الإسلاميَّة، عدا مدّة الحملة الصَّليبيَّة الأولى في القرن الثَّاني عشر الميلاديِّ، وانتهى الوجودُ الصَّليبيُّ تمامًا في فلسطين في عهد السُّلطانِ المملوكيِّ الأشرف صلاحِ الدِّين خليل ابن السُّلطان المنصور سيف الدِّين مُحَمَّدٍ بن قلاوون، والذي حرَّر عكا وصيدا وصور وحيفا وعتليت على سواحل بلاد الشَّام في فلسطين ولبنان، منهيًا الوجود الصَّليبي في المشرق الإسلاميِّ في العام 1291م.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …