نحو تأسيس مدرسةٍ جديدة للتَّأريخ لفلسطين ( 2-2 )

الرئيسية » بصائر الفكر » نحو تأسيس مدرسةٍ جديدة للتَّأريخ لفلسطين ( 2-2 )
alt

تحدثنا في الحلقة الماضية عن مدى الحاجة لتأسيس مدرسة جديدة للتأريخ الفلسطيني , وذلك بعد إستعراض حالة التشويش الصهيوني المتعمد للتاريخ  , وكيف يقرأ عالمنا الإسلامي تاريخ القضية الفلسطينية  , كما إستعرضنا البعد التاريخي للقضية الفلسطينية وماهية النظرة الإسلامية للقضية  , ونستعرض في هذه الحلقة الحملات الصليبية وعلاقتها بفلسطين 

الحملات الصليبة

وتعدُّ الحملات الصَّليبيَّة هي الفترة الأهم والأخطر؛ حيث كانت تستهدف هويَّة فلسطين والمشرق الإسلاميِّ، ولكن يكن هناك فيها استثناءٌ أو خياراتٌ كثيرةٌ؛ حيث كانت حروبًا أو غزواتٍ تهدف إلى استئصال الآخر المسلم، بدينه وحضارته.

وفي العام 1516/1517م، انتقلت السيطرة على فلسطين مِن المماليك إلى دولة الخلافة العثمانيَّة، واستمرَّت فلسطين تحت حُكم المسلمين حتى العام 1918م عندما دخلت الجيوش البريطانيَّة فلسطين في نهاية الحرب العالميَّة الأولى، وأعلنت الانتداب على فلسطين حتى 14 مايو 1948م؛ حيث أعلن اليهود دولتهم فوق الأرض التي شملها قرار التَّقسيم الشَّهير "181" مِن فلسطين التَّاريخيَّة، في اليوم التَّالي مباشرةً، وفي حرب 48 أو حرب النَّكبة استولى اليهود على 78.5% مِن مساحة فلسطين، بزيادةٍ حوالي 23% عمَّا خصَّصه لهم قرار التَّقسيم، وفي عدوان يونيو مِن العام 1967م سيطرت إسرائيل على كامل فلسطين حتى الآن.

هذا هو موجز تاريخ فلسطين في عُجالةٍ، وفي هذا المُقام هناك نقطتان أساسيَّتان، نعلِّق عليهما؛ وهما:

الأولى : أنَّه حتى لو كان بني إسرائيل قد سكنوا فلسطين أيَّام نبيِّ اللهِ يعقوب "عليه السَّلام"، ووُعِدوُها في مرحلة بعثة رسولِ الله موسى "عليه السَّلام" ودخلوها بالفعل في فترة يوشع بن نون تلميذ مُوسى، وحكموها في فترة داوود وسليمان "عليهما السَّلام" كما رأينا؛ فإنَّ هذه الأوضاع كانت إمَّا عابرة في تاريخ فلسطين أو جزءاً منها وليست كلَّها، كما إنَّ أيَّ وعدٍ إلهيٍّ لليهود أو لبني إسرائيل مِن قبلُ بهذه البقعة مِن الأرض، مرتبطٌ بإيمانهم، كما سبق القول، فالله تعالى لن يعطيهم وعودًا بينما هم قومٌ ضلُّوا وأضلوا، وهو أمرٌ لا يحتاج إلى إثباتاتٍ عقليَّةٍ أو تاريخيَّةٍ أو غير ذلك.

الثَّانية أنَّه بافتراض أنْ وَعَدَ اللهُ تعالى بني إسرائيل الأرض التي بارك فيها، والتي أجمع كلُّ العلماء على إنَّها فلسطين؛ فإنَّ ذلك ارتبط بحياة أنبيائهم ومرورهم أو استقرارهم فيها، وفي عقيدتنا؛ فإنَّ الإسلام الذي هو الدِّينُ الحقُّ، دينُ الله، كان هو دينُ كلِّ أنبياءِ اللهِ تعالى، وكلُّهم جاءوا برسالة الإسلام، وفي القرآن الكريم العديد مِن الآيات التي توضِّحُ ذلك.

ومن ثَمَّ، فإنَّ المسلمين هم أحقُّ أهل الأرض بهذه الأرض، سواءٌ كانوا مُسلمين مِن أتباع نبيِّ اللهِ يعقوبَ أو مُوسى أو عيسى أو مُحَمَّدٍ صلوات اللهِ وسلامه عليهم جميعًا، ومِن ثَمَّ لا يحقُّ لأهل الكتاب المطالبة بهذه الأرض لبواعثَ دينيَّةٍ أو تاريخيَّةٍ بعد نزول الإسلام الدِّينِ الخاتَم.

ومن بين أهمِّ المحطَّات التَّاريخيَّة التي مرَّتْ بها فلسطين، نختار مرحلة الحملات الصَّليبيَّة لقراءتها من زاوية المنهج الإسلاميِّ في قراءة التَّاريخ، ولكن كيف نقرأ مرحلة الحملات الصَّليبيَّة مِن هذه الزَّاوية؟.. ولماذا هذه المرحلة بالذَّات؟..

في حقيقة الأمر، فإنَّنا قد اخترنا هذه المرحلة لتشابهها الكبير مع المحنة الحالية التي تمرُّ بها فلسطين؛ حيث قوى أجنبيَّة غريبة وَفَدَتْ إلى فلسطين لتستولي عليها بالقوَّة العسكريَّة، وتستبدل سُكَّانها بآخرين غرباء تحت مزاعم وأساطير دينيَّةٍ بالأساس، والدَّليل على ذلكم القول بتشابُه الحالتَيْن، ما قاله الجنرال إدموند ألنبي قائد جيوش بريطانيا التي غَزَتْ فلسطين في الحرب العالميَّة الأولى عندما دخل القدس، وقال: "اليوم انتهت الحروب الصَّليبيَّة"، وما قاله الجنرال الفرنسي جورو عندما دخلت جيوشه سوريا خلال الحرب أمام قبر السُّلطان صلاح الدِّين الأيوبيِّ: "ها قد عُدنا يا صلاح الدِّين".

ولذلك، فمن المهمِّ جدًّا دراسة سُننِ الهزيمة والنَّصر في هذه المرحلة، لأنَّ المسلمين الآن بحاجةٍ إليها على تشابه الظروف، ولعلَّ مِن بين أهمِّ هذه السُّنَنِ هي الإيمان، فضعف الإيمان مِن بين أهمِّ سُنَنِ الهزيمة بجانب عدم إعداد العُدَّة، وإعداد العُدَّة مع الإيمان هما من أهمِّ أسبابِ النَّصر.

وفي الإطار، تُعْدُّ مسألة دراسة تاريخ فلسطين مِن هذه الزَّاوية، الزَّاوية التي ينظرُ إليها المنهجُ الإسلاميُّ إلى التَّاريخ، من المسائل غير المطروقة كثيرًا في الدِّراسات التي تناولَتْ فلسطين، والتي بدأت في مرحلة ما بعد وضوح خطر المشروع الصُّهيونيِّ على فلسطين.

ويعود ذلك إلى تأثيرَيْن رئيسين؛ الأوَّل هو ذلك الذي قام به الاستعمار؛ حيث أزاح إلى الخلف الكثير من معالم هويَّة الأُمَّة الإسلاميَّة في تفكيرها، وأدَّتْ حركات التَّغريب التي بدأتها بريطانيا وفرنسا في العالم العربيِّ والإسلاميِّ باسم التَّحديث إلى اختفاء القرآن الكريم كمرجعيَّةٍ للمسلم في كلِّ شؤونه، وصار عبارة عن نصوصٍ تُردَّد فقط، وليس تعاليم يُعْمَلُ بها، وهو أمرٌ مقصودٌ بطبيعة الحال، واستفاد فيه الغرب مِن دروس الحملات الصَّليبيَّة وسقوط الأندلس، وكان لعامل ضعف الخلافة العثمانيَّة دوره في هذا وفق عوامل العمران البشريِّ وقوانينه.

التَّأثير الثَّاني هو ناتجٌ إلى حدٍّ ما من التَّأثير الأوَّل؛ حيث إنَّ تراجُعَ البُعد الإسلاميِّ وتأثيرات روافد العقيدة، القرآن الكريم والسُّنَّة في نفوس وعقول المسلمين بفعل الاستعمار، قد أدَّى إلى تراجُع التيار الإسلاميِّ لصالح التَّيَّارات العلمانيَّة والقوميَّة، وصار الطَّربوش التركيُّ فوق البذلة الغربيَّة الطَّابع هو رمز المثقَّف العربيِّ والمسلم بدلاً من صورة العالم المُعمَّم الذي يرتدي زيَّ العلماء التقليديُّ، والذي تحوَّل إلى رمزٍ للتَّخلُّف بفعل الدعاية المُضادَّة.

إلا أنَّ مدّة العقود الثَّلاثة الأخيرة قد بدأتْ تَشْهَدُ عودةٌ للتَّيَّار الإسلاميِّ لكي يقود المسيرة بعد ثبوت فشل كل ما عدا الخيار الإسلاميِّ، وكانت الهزيمة الكبرى في توقيع مصر، أكبر بلدٍ عربيٍّ، على اتِّفاق كامب ديفيد مع إسرائيل، واعتراف بعض العرب الرَّسميِّين بشرعيَّة الوجود اليهوديِّ الغاصب في فلسطين، وبدأ العديدُ مِن البحَّاثة العرب والمسلمين في هذه السَّنوات الأخيرة جهدًا بحثيًّا مَحمومًا مِن أجل استعادة الهُويَّة الحقيقيَّة للأُمَّة، والهويَّة الحقيقيَّة للصِّراع مع إسرائيل؛ باعتباره صراعًا دينيًّا بالأساس يقوم على ادّعاءاتٍ تاريخيَّةٍ باطلةٍ من جانب اليهود الغاصبين.

ويعود سبب تنوُّعِ هذه الجهود وتحمُّس القائمين عليها إلى العديد مِن الأسباب، مِن بينها محاولة كسب فترة العقود الطويلة التي ضاعت في العديد مِن التَّنظيرات القوميَّة أو العلمانيَّة الاتِّجاه للقضيَّة الفلسطينيَّة، ومحاولةٌ لصدِّ تيَّار التَّزوير الذي تقوم به إسرائيل ومَن نحا نحوها في مراكز البحوث والمراكز الأكاديميَّة في الغرب، للحيلولة دون انتصار اليهود في معركة القلب والعقل مع الرَّأي العام العالميِّ المُحايد، وفي داخل المجتمعات العربيَّة ذاتها؛ حيث تأثَّر الكثيرون بالدَّعايات الصُّهيونيَّة في هذا المجال.

وهنا أربعة تطوُّراتٍ رئيسة ساهمت في اتِّساع نطاق المدِّ الإسلاميِّ في فلسطين، وهي الصَّحوة الإسلاميَّة العالميَّة، والانتفاضة الأولى (1987- 1993م)، ثُمَّ عمليَّة أوسلو، والتي دفعت فصائل المقاومة إلى المزيد مِن التَّطوير السِّياسيِّ في مواجهة مشروع التَّسوية، ثُمَّ انتفاضة الأقصى الثَّانية، والتي أعادت كثيرًا البُعد الدِّينيِّ للصِّراع في فلسطين وما حولها، إمَّا لأسباب اندلاعها أو للخلفيَّة التي أحاطت بها وبالقوى التي نهضت فيها، وكذلك خطاب المقاومة بشكلٍ عامٍّ.

وفي الأخير؛ فإنَّه ما دامت فلسطين محتلَّةً والمسجد الأقصى لا يزالُ أسيرًا، وهناك مسلمون يطالبون بحقوقهم في الأرض والمُقدَّسات؛ فإنَّ الأمر أكبر مِن مُجرَّد ضرب هذا التَّيَّار أو ذاك أو مُحاولة اقتلاع فصائل المُقاومة الإسلاميَّة على النَّحوِ الذي يتمُّ حاليًا؛ حيث سوف تستمر الرِّسالة في الأجيال القادمة التي سوف تتَّبع نواميس النَّصر وتتفادى سُنَنَ الهزيمة حتى استعادة الحقوق.

وبلا شكَّ؛ فإنَّ التَّيَّارَ الإسلاميَّ لا يزال أمامه الكثير مِن التَّحديات التي يجب عليه مواجهتها، وعلى المسلمين ألاَّ يتنازلوا عن حقوقهم مهما كان الثَّمن؛ لأنَّ هذه الحقوق هي حقوق اللهِ تعالى، وحقوق الأجيال التي بذلت حياتها دفاعًا عن فلسطين والمُقدَّسات، وحقوق الأجيال القادمة التي سوف تتطالب باستعادة ما فقده الجيل الحالي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …