أردوغان .. من بيع السّميط إلى زعامة المنطقة

الرئيسية » بصائر الفكر » أردوغان .. من بيع السّميط إلى زعامة المنطقة
alt

" وقف الرَّئيس الصهيوني شيمون بيريز محاولاً استعطاف المجتمع الدولي بالحديث عن ما أسماه الظلم الذي يتعرَّض له اليهود في أرض فلسطين، وعن الألم الذي يصيب الشعب الإسرائيلي نتيجة صواريخ حماس، وعن صعوبة الحياة عند الأطفال اليهود في هذه الأجواء، مبرّرًا بذلك المذابح البشعة التي قامت بها قوّاته الإجرامية في قطاع غزة " .

استفز هذا المشهد الفارس النبيل رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا  فقاطع على الفور بيريز خلال كلمته في المؤتمر الاقتصادي الدولي  بدافوس  وقال له في ثقة وحزم : " إنَّ إسرائيل هم أدرى الناس بالقتل، وليست حماس هي التي دفعت إسرائيل إلى القتل، بل أنتم قتلتم الأطفال على شاطئ غزة دون أيّ ذنب، وقبل إطلاق الصواريخ".

ثمَّ  توجّه إلى الحضور الذين صفقوا منذ دقائق لبيريز  قائلا لهم:  "من المحزن أن يصفق الحضور لأناس قتلوا الأطفال، ولعملية عسكرية أسفرت عن مقتل الآلاف الأبرياء، وليس هناك مبرّر أبدًا لقتل المدنيين بشكل عشوائي " 

جعل هذا المشهد أردوغان بطلاً في عيون الكثير من الشعوب العربية والإسلامية التي اعتادت على مدى عقود متعاقبة رؤية حكامها ينبطحون أمام الغرب ، معتبرين الرّضا الغربي والأمريكي لن يتحقّق إلا عبر بوابة الرّضا الصهيوني .

 لم تكن نجاحات أردوغان السياسية هي الوحيدة، بل استطاع خلال سنوات محدودة أن يشق طريقة، ويأخذ بيد تركيا إلى مصاف الدّول الأوربية

رفع هذا المشهد من شعبية أردوغان ليس على المستوى المحلي وإنَّما على المستويين الإقليمي والدَّولي؛ حيث راهن عليه الكثير كأبرز زعماء الممانعه ضد الهيمنة الصهيو- أمريكية .

 لم تكن نجاحاته السياسية هي الوحيدة، بل استطاع خلال سنوات محدودة أن يشق طريقة، ويأخذ بيد تركيا إلى مصاف الدّول الأوربية،  وهو ما يدفعنا الى التعرف على طبيعة هذا الرّجل الذي نجح في سنوات معدودة أن ينتقل بتركيا الى بؤرة صناعة الأحداث  .

 

تركيا العلمانية  ..

للتعرّف على شخصية أرودغان يجب قبلها أن نستعرض البيئة التي نشأ فيها بمنهج مغاير متحدّياً  العديد من المعوقات التي قد تصل إلى حدّ  إعدامه، فقد جاء أردوغان وسط حالة من العلمانية تجذرت في تركيا بعد إلغاء الخلافة الاسلامية على يد كمال الدين أتاتورك الذى صنع علمانية أكثر مغالاة من علمانية أوربا ، فعلمانية اوربا اكتفت بفصل الدين عن السياسة، بينما تخطت علمانية تركيا ذلك  فبنت علمانيتها على أساس محاربة الدّين في جوهره و مظهره ، وعلى مدى العقود الماضية كان الجيش التركي حامياً لهذا المشهد  .

ورغم الحالة القاتمة التي خيَّمت على تركيا منذ إلغاء الخلافة والتصدي بكلِّ قسوة لكلِّ مظهر إسلامي إلاَّ أنَّ الإسلام ظل باقيًا في هذه البلاد؛ فظهرت في تركيا بعض الرموز الإسلامية التي أخذت على عاتقها الترويج للمنهج الاسلامي حتَّى في أشد عصور القهر ، وساعد على ذلك وصول بعض الرموز السياسية الى  الحكم التي لم تكن إسلامية لكنَّها حرصت على  التعامل مع جميع القوى الوطنية من أجل مصلحة تركيا مثل  عدنان مندريس الذي صعد عام 1950  إلى رئاسة الوزراء في تركيا، وظل في منصبه إلى سنة 1960م،  ويقول الدكتور راغب السرجاني  " المؤرخ الاسلامي  " : إنَّه في هذه الظروف  قد نشط الاتجاه الإسلامي نسبيًّا، وبدأت هناك بعض المطالبات بحريات أكثر وأكثر للتيار الديني، وزادت أعداد مدارس الأئمة والوعاظ، وبرز دور علماء الدين بشكل أوضح.

 لم يعجب تطور دور الاسلاميين الجيش " حامي حمى العلمانية  "  فدبر انقلاباً دموياً رهيباً في سنة 1960م

لم يعجب تطور دور الاسلاميين الجيش " حامي حمى العلمانية  "  فدبر انقلاباً دموياً رهيباً في سنة 1960م، ونفذوا حكم الإعدام في عدنان مندريس، وكذلك في جلال بايار (مؤسس الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه عدنان مندريس) وفي عدد من أتباعه، مع التصدي بمنتهى العنف للتيارات الإسلامية المتنامية، وكانت هذه صدمة كبيرة للحركة الإسلامية في تركيا، خاصةً أنَّها جاءت في وقت متزامن مع وفاة العلاّمة الفذّ بديع الزمان النورسي في منفاه بمدينة أورفة في السنة نفسها.

استمرت الصورة على حالتها حتى  ظهرات شخصية فتية هو  نجم الدين أربكان، الذي أسَّس حزب السلامة سنة 1972م، وكان ينادي بإقامة "النظام العادل"، ويبرز آفات العلمانية التركية المتشددة، ولم يكن حزبه الأول "السّلامة" واضح الإسلامية؛ لكي لا يُقتل في مهده، ولكن كان يبدو إصلاحيًّا وطنيًّا.

 

بائع السميط  ..

ينحدر  والد أردوغان من أصول جورجية،  وكان يعمل جنديّاً بسيطاً في خفر السواحل، وهي المهنة الوحيدة التي أجادها منذ نزحت أسرته من شواطئ البحر الأسود كي تستقر في إسطنبول بعدما قتل الجد عام 1916 أثناء صد الحملة الروسية والأرمينية التي استهدفت أراضي الدولة العثمانية في سنوات أفولها.

ولد أردوغان في 26 فبراير 1954 في إسطنبول ، و أمضى طفولته المبكرة في ريزة على البحر الأسود، ثمَّ عاد مرَّة أخرى إلى إسطنبول وعمرهُ 13 عاماً ،  تربّى في أكناف أسرة فقيرة ، وقد باع البطيخ والسميط في مرحلتي الابتدائية والإعدادية؛ كي يستطيع معاونة والده وتوفير قسم من مصروفات تعليمه ؛  وقد أتمَّ تعليمه في مدارس "إمام خطيب" الدينية، ثمَّ في كلية الاقتصاد والأعمال في جامعة مرمرة .

 

أردوغان والسياسة  .. 

بدأ أردوغان عمله السياسي  بالانضمام إلى حزب الخلاص الوطني بقيادة نجم الدين أربكان في نهاية السبعينات، و مع الانقلاب العسكري  عام 1980، تمَّ إلغاء جميع الأحزاب، وبحلول عام 1983 عادت الحياة الحزبية إلى تركيا وعاد نشاط أوردغان من خلال حزب الرفاه الذي رأسه أيضاً نجم الدين اربكان ، و بحلول عام 1994 رشح حزب الرفاه أوردغان إلى منصب عمدة إسطنبول، واستطاع أن يفوز في هذه الانتخابات ونجح خلال شغله ممنصب عمدة اسطنبول أن يقدِّم نموذجاً أبهر دعاة العلمانية قبل المنتمين الى تياره الاسلامي ، حيث نجح في وقف نزيف الفساد، وشيَّد العديد من المشروعات التنموية، وقضى على جزء كبير من البطالة . 

وعمل تطوير البنية التحتية للمدينة وإنشاء السدود ومعامل تحلية المياة لتوفير مياة شرب صحية لأبناء المدينة، وكذلك قام بتطوير أنظمة المواصلات بالمدينة من خلال أنشطة شبكة مواصلات قومية، وقام بتنظيف الخليج الذهبي ( مكب نفايات سابقاً ) وأصبح معلماً سياحياً كبيراً، وبهذه الطريقة استطاع أرودغان تحويل مدينة اسطنبول إلى معلم سياحي بارز ، و انتشل بلدية اسطنبول من ديونها التي بلغت ملياري دولار إلى أرباح واستثمارات وبنمو بلغ 7% . 

 ترك أردوغان حزب الفضيلة بعد حظره مع عدد من الأعضاء منهم عبد الله غول، وقام بتأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001 

ترك أردوغان حزب الفضيلة بعد حظره مع عدد من الأعضاء منهم عبد الله غول، وقام بتأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001  ، وقد حرص منذ تأسيس الحزب على أن يدفع عن نفسه أيّ شبهة باستمرار الصلة الأيديولوجية مع أربكان وتياره الإسلامي الذي أغضب المؤسسات العلمانية مرات عدَّة، فأعلن أنَّ العدالة والتنمية سيحافظ على أسس النظام الجمهوري، ولن يدخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية، وقال: "سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99% من مواطني تركيا".

 

وفي عام 2002 ، خاض حزب العدالة والتنمية الانتخابات التشريعية  وحصل على 363 نائباً مشكلاً بذلك أغلبية ساحقة. لم يستطع أردوغان ترأس حكومته بسبب سابقة سجنه بعد أن استشهد بأبيات شعر في إحدى خطبه، قيل وقتها : إنَّها تحرِّض على الكراهية الدينية،  فأسند تلك المهمة  إلى عبد الله غول، ثمَّ تمكَّن في مارس عام 2003 من تولّي رئاسة الحكومة بعد إسقاط الحكم عنه.

بعد توليه رئاسة الحكومة عمل على الاستقرار والأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تركيا، وتصالح مع الأرمن بعد عداء تاريخي، وكذلك فعل مع يونان، وفتح جسوراً بينه وبين أذربيجان وبقية جمهوريات السوفيتية السَّابقة، وأرسى تعاونا مع العراق وسوريا وفتح الحدود مع عدة الدول العربية ورفع تأشيرة الدخول، وفتح أبواباً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً مع عدة البلدان العالمية

ونجح أردوغان في الآونة الاخيرة أن ينتقل بتركيا  إلى خارج الحدود الجغرافية؛ حيث بدأ يلعب دوراً إقليمياً ، خاصة بعد أن زار مؤخراً تونس ومصر واستقبل استقبالاً جماهيرياً حافلاً بما عكس صورة ذهنية وضاحة تشير إلى مراهنة أردوغان على دول المنطقة في قبولها بلعب دور القيادة والزّعامة، خاصة بعد حدوث حالة من الفراغ الزعامي في أكبر دول المنطقة، وهي مصر بعد إجبار الرَّئيس المصري على التنحي ، وقبل ذلك فقدان مصر لدورها الرِّيادي في المنطقة بسب تمسكها بذيل الولايات  المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني .

 

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

فرنسا من الداخل “مصادرة الآراء واضطهاد أصحاب الفكر المخالف”

خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …